
خلال الساعات الماضية، أثار ظهور الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني داخل صندوق زجاجي مضاد للرصاص أثناء مراسم تنصيبه لولاية رئاسية جديدة، حالة واسعة من الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأفريقية.
فالمشهد لم يكن مجرد إجراء أمني عادي لرئيس دولة، بل بدا وكأنه رسالة سياسية وأمنية تعكس طبيعة المرحلة التي تعيشها أوغندا، وحجم القلق الذي يحيط بالنظام الحاكم بعد عقود طويلة من البقاء في السلطة.
الفيديو كان لافت، رئيس يحكم البلاد منذ عام 1986، يقف داخل صندوق مضاد للرصاص محاطًا بإجراءات أمنية مشددة، في وقت تعاني فيه البلاد من توتر سياسي متزايد، ومعارضة شابة تتهم النظام بإغلاق المجال السياسي وتقييد الحريات.
ولذلك، فإن هذا المشهد لم يُقرأ باعتباره تفصيلاً بروتوكوليًا، بل باعتباره انعكاسًا لحالة أعمق يعيشها النظام الأوغندي. حيث يتحول الخوف الأمني تدريجيًا إلى جزء أساسي من المشهد السياسي.
من قائد ثوري إلى رئيس دائم
وصل موسيفيني إلى السلطة عبر الكفاح المسلح بعد سنوات من الحرب الأهلية والصراعات التي شهدتها أوغندا خلال السبعينيات والثمانينات، وفي بدايات حكمه، نجح في تقديم نفسه باعتباره رجل الاستقرار الذي أعاد بناء الدولة ونجح في إنهاء حالة الفوضي والانقلاباتةالتي أنهكت البلاد.
وخلال سنواته الأولى، حظي بدعم إقليمي ودولي واسع، خاصة من الغرب، بسبب دوره في تحقيق الاستقرار النسبي وتحسين الاقتصاد. إلى جانب مساهمته في ملفات أمنية بشرق أفريقيا.
لكن مع مرور الوقت، تحولت شرعية القائد المحرر إلى أزمة سياسية مرتبطة بطول البقاء في الحكم، فالرئيس الذي انتقد في الماضي تمسك بعض القادة الأفارقة بالسلطة، أصبح واحدًا من أطول الحكام بقاءً في أفريقيا.
ولضمان استمراره، شهد الدستور الأوغندي تعديلات متكررة، أبرزها إلغاء القيود الخاصة بعدد الفترات الرئاسية، ثم إزالة الحد الأقصى للعمر، وهو ما سمح له بالترشح مجددًا رغم تقدمه في السن.
هذه التعديلات عززت شعور قطاعات واسعة من المعارضة بأن النظام لم يعد يؤمن بفكرة التداول السلمي للسلطة. بل يسعي للبقاء بأي وسيلة ممكنة.
الصندوق المضاد للرصاص.. دلالة الخوف السياسي
ظهور موسيفيني داخل صندوق مضاد للرصاص يحمل دلالات تتجاوز الجانب الأمني المباشر، فالرؤساء عادة يظهرون في لحظات التنصيب بصورة تعكس الثقة والاستقرار، لكن هذا المشهد عكس حالة مختلفة تمامًا.
فالسلطة في أوغندا تبدو مدركة أن البيئة الداخلية أصبحت أكثر توترًا من أي وقت مضى، سواء بسبب الاحتقان الشعبي أو تصاعد المعارضة أو المخاوف من أي اضطرابات مفاجئة.
كما أن المشهد يعكس تحولًا مهمًا في علاقة الحاكم بالمجتمع، فالرئيس الذي كان يتحرك سابقًا وسط الجماهير بوصفه “قائد الثورة”، أصبح اليوم محاطًا بحواجز أمنية وزجاج مضاد للرصاص، في صورة تختصر اتساع المسافة بين السلطة والشارع.
وفي كثير من الأحيان، تصبح الرمزية السياسية أاوى من التصريحات الرسمية، فالصندوق هنا بدأ وكأنه رمز لنظام يشعر أن بقاؤه يحتاج إلى حماية دائمة، ليس فقط من المخاطر الخارجية، بل من الغضب الداخلي أيضًا.
المعارضة الأوغندية وصعود جيل جديد
خلال السنوات الأخيرة، شهدت أوغندا تغيرًا ملحوظًا في شكل المعارضة السياسية، خاصة مع صعود شخصيات شابة أبرزها بوبي واين، الذي تحول من فنان مشهور إلى أبرز وجوه المعارضة في البلاد.
بوبي واين استطاع جذب قطاع واسع من الشباب الذين يشعرون بالإحباط من استمرار النظام الحالي، خاصة أن أغلب سكان أوغندا ولدوا بعد وصول موسيفيني للحكم، وبالتالي لا يحملون نفس الذاكرة المرتبطة بالحرب الأهلية أو مرحلة ما قبل الاستقرار.
وهنا يظهر الصدام الحقيقي بين جيلين:” جيل السلطة القديمة الذي يريد أن الاستقرار أهم من التغيير، وجيل الشباب الذي يعتبر أن استمرار الحكم لعقود طويلة أصبح عائقًا أمام المستقبل.
المعارضة تتهم النظام باستخدام القبضة الأمنية لقمع الخصوم السياسيين، وفرض قيود على الإعلام والإنترنت، واعتقال نشطاء ومعارضين خلال الفترات الانتخابية.
ورغم أن النظام لا يزال يمتلك سيطرة قوية على مؤسسات الدولة، فإن تنامي الغضب الشعبي بين الشباب يمثل تحديًا حقيقيا لا يمكن تجاهله.
أوغندا والرهان الإقليمي والدولي
رغم الانتقادات الداخلية، لا يزال موسيفيني يحظى بأهمية كبيرة إقليميًا ودوليًا.

فأوغندا تُعد لاعبًا مؤثًرا في شرق أفريقيا، ولها ادوار أمنية في ملفات مثل :” الصومال وشرق الكونغو الديمقراطية و جنوب السودان ومكافحة الجماعات المسلحة”.
كما أن الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية تنظر إلى موسيفيني باعتباره حليفًا أمنيًا مهمًا، وهو ما يمنحه مساحة من الدعم السياسي رغم الانتقادات المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات.
لكن هذا الرهان الدولي على الاستقرار الأمني، يحمل مخاطره أيضًا. لأن تجاهل مطالب التغيير السياسي لفترات طويلة قد يؤدي إلى انفجار أكبر في المستقبل.
سؤال المستقبل.. ماذا بعد موسيفيني ؟
السؤال الأهم داخل أوغندا اليوم لا يتعلق فقط ببقاء موسيفيني، بل بما سيحدث بعده.
فالنظام الأوغندي يرتبط بشكل كبير بشخص الرئيس نفسه، وهو ما يجعل مسألة الانتقال السياسي غامضة ومعقدة، وحتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على إعداد قيادة بديلة أو فتح المجال أمام انتقال سلس للسلطة.
وهذه واحدة من أخطر أزمات الأنظمة طويلة البقاء في أفريقيا، إذ يتحول الرئيس مع الوقت إلى مركز الدولة نفسها، ما يجعل أي تغيير محتمل مصدر قلق للنظام ومؤسساته.
لذلك، فإن صورة موسيفيني داخل الصندوق المضاد للرصاص قد تصبح لاحقًا رمزًا لمرحلة كاملة، عنوانها الخوف من المستقبل أكثر من الاحتفال بالانتصار السياسي.

وفي النهاية، تبدو أوغندا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فإما أن تنجح السلطة في فتح المجال أمام إصلاحات سياسية تدريجية وتداول أكثر توازنًا للسلطة، أو تستمر حالة الانغلاق السياسي والاعتماد المتزايد على القبضة الأمنية، وهو خيار قد يضمن الهدوء مؤقتًا، لكنه لا يضمن استقرارًا دائمًا على المدى البعيد.


