لم تعد السناتر التعليمية مجرد وسيلة مساعدة للطالب، بل أصبحت في كثير من الأحيان هي المؤسسة التعليمية الحقيقية، بينما تراجع دور المدرسة إلى حدٍ يثير القلق. وأصبح بعض المعلمين يمتلكون نفوذاً وسلطة وتأثيراً يفوق أحياناً سلطة المؤسسة التعليمية نفسها، حتى تحولوا إلى أباطرة يفرضون واقعاً على ملايين الأسر المصرية منذ عقود.
وهنا يبرز سؤال لا يجوز الهروب منه: من المسؤول عن وصولنا إلى هذه المرحلة؟
إن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الدولة، متمثلة في وزارة التربية والتعليم، لأنها الجهة المنوط بها حماية حق المواطن في تعليم جيد داخل المدرسة، ومنع أي ممارسات تؤدي إلى تحويل التعليم إلى تجارة تثقل كاهل الأسر وتخل بمبدأ تكافؤ الفرص.
لقد أنفقت الدولة مليارات الجنيهات على تطوير المدارس، وإعداد المناهج، وإطلاق المنصات التعليمية الرقمية التي تقدم محتوى علمياً موثقاً، ولكن ما قيمة كل هذه الجهود إذا كان الطالب وولي الأمر لا يزالان يشعران بأن طريق النجاح يمر عبر السنتر لا عبر المدرسة؟
إن استمرار هذا الواقع يعني وجود فجوة بين ما يُخطط له وما يحدث على أرض الواقع، وهي فجوة تستحق المراجعة والمعالجة.
ولا يمكن أن يستمر ملف السناتر التعليمية في منطقة رمادية؛ فلا هو ممنوع بصورة تقضي على الظاهرة، ولا هو منظم بقواعد واضحة تضمن عدم استغلال الطلاب وأولياء الأمور. وقد آن الأوان لوضع إطار قانوني ورقابي حاسم ينظم هذا النشاط ويحفظ هيبة المدرسة ودورها الأساسي.
والأخطر من ذلك أن من يتولى تشكيل عقول الأطفال ونفوسهم، لا يخضع في جميع الأحوال، لمنظومة اختيار ورقابة تتناسب مع خطورة هذه الرسالة. فإذا كانت الدولة تجري اختبارات دقيقة وتحريات واسعة عند اختيار الضباط وأعضاء الجهات القضائية، فمن باب أولى أن يكون اختيار المعلم قائماً على أعلى المعايير العلمية والتربوية والنفسية والأخلاقية، لأن المعلم يتعامل مع الإنسان في مرحلة تكوينه، ويؤثر في فكره وقيمه وسلوكه.
ولا يقتصر الأمر على المعلمين وحدهم، بل يجب أن يشمل كل من يعمل داخل المدرسة ويتعامل مع الطلاب، لأن البيئة التعليمية تصنع الشخصية بقدر ما تصنعها المناهج.
وفي الوقت نفسه، فإن العدالة تقتضي أن يحصل المعلم على حقوقه كاملة، مادياً وأدبياً، وأن توفر له الدولة التدريب المستمر والبيئة المناسبة للعمل، لكن هذه الحقوق يجب أن يقابلها نظام صارم للمساءلة عند الإهمال أو استغلال الوظيفة أو الإضرار بمصلحة الطلاب.
كما ينبغي أن يتحول تكريم المعلمين المتميزين إلى سياسة ثابتة، لا إلى مناسبات عابرة، حتى تصبح النماذج المخلصة مصدر إلهام لزملائهم وللأجيال الجديدة.
ومن المهم أيضاً تطوير منظومة تقييم أداء المعلمين بحيث تعتمد على مؤشرات متعددة، من بينها مدى تقدم مستوى الطلاب، وكفاءة التدريس، والانضباط المهني، وقدرة المعلم على تنمية التفكير والفهم، وليس مجرد الحفظ أو نسب النجاح وحدها.
إن إصلاح التعليم لن يتحقق بقرارات متفرقة، بل يحتاج إلى إرادة حقيقية تعيد للمدرسة مكانتها، وللمعلم رسالته، وللدولة دورها الكامل في إدارة المنظومة التعليمية، حتى لا يبقى مستقبل أبنائنا رهينة سوق تعليم موازٍ يفرض قواعده على الجميع.
فالتعليم ليس سلعة تُباع وتُشترى، بل هو أمن قومي، ومن يفرط في ضبط منظومته، يفرط في مستقبل وطنه.







