أحمد القناوي
أحمد القناوي

الحزم الذي يحمي.. والرحمة التي تعالج

تثير القوانين التي تمس حياة الناس ومستقبلهم دائمًا جدلاً واسعًا، خاصة عندما تتعلق بالوظيفة العامة، التي لا تمثل مصدر رزق لصاحبها فقط، بل ترتبط أيضًا بحق المجتمع في الحصول على خدمة آمنة وكفؤة، ومن هنا جاء النقاش الدائر حول تعديل قانون إنهاء خدمة الموظفين الذين يثبت تعاطيهم للمخدرات.

في تقديري، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نعاقب المتعاطي أم لا؟ فهذا أمر لا يختلف عليه اثنان عندما يتعلق الأمر بمن يشغل وظيفة تؤثر في حياة المواطنين أو أموالهم أو أمنهم، وإنما السؤال الأهم هو: كيف نحقق هذه الحماية دون أن نهدر العدالة؟.

فالدولة مسؤولة عن حماية المرفق العام من أي سلوك قد يؤثر في كفاءته أو يعرض المواطنين للخطر، لكنها مسؤولة أيضًا عن ضمان ألا يتعرض أي موظف لعقوبة خطيرة مثل إنهاء الخدمة إلا بعد إجراءات دقيقة وعادلة لا تترك مجالاً للشك أو الخطأ، فالخطأ في الإبقاء على موظف يثبت تعاطيه قد يهدد المصلحة العامة، كما أن الخطأ في فصل موظف بريء يهدر العدالة ويزعزع الثقة في مؤسسات الدولة، ومن هنا تبرز أهمية أن يجمع القانون بين الحزم في مواجهة التعاطي، والضمانات الكافية لتحقيق العدالة.

وفي هذا السياق، ربما يكون من الأفضل أيضًا أن نتحدث عن “متعاطٍ” لا “مدمن”، فالإدمان توصيف طبي له معاييره، بينما القانون يتعامل مع واقعة محددة هي ثبوت التعاطي وفق إجراءات قانونية وطبية، واختيار المصطلحات بدقة ليس مجرد ترف لغوي، بل جزء من العدالة ذاتها.

لكن القانون، مهما بلغت دقته، يظل أداة للتعامل مع من وقعت منه المخالفة، لا وسيلة لمنع وقوعها، فإذا كانت الدولة جادة في مواجهة التعاطي داخل الجهاز الإداري، فإن نجاحها لن يقاس بعدد من انتهت خدمتهم، وإنما بعدد من لم يقعوا في التعاطي أصلا، وهذا لا يتحقق إلا بسياسات متكاملة تبدأ بالتوعية، وتمر بتوفير الدعم النفسي، وتشجيع من يحتاج إلى العلاج على المبادرة إليه في الوقت المناسب، وتنتهي بخلق بيئة عمل صحية تقلل من مسببات التعاطي قبل أن يتحول إلى أزمة تمس الفرد والمرفق العام معًا.

ومن هنا، فإن أي تعديل للقانون ينبغي النظر إليه باعتباره خطوة ضمن منظومة أشمل، لا الحل الكامل للمشكلة، فتعزيز ضمانات العدالة في تطبيق القانون أمر ضروري، لكنه لن يغني عن تطوير برامج الوقاية والكشف المبكر والعلاج، ولن يغني كذلك عن بناء ثقافة مؤسسية ترفض التعاطي وتشجع من يحتاج إلى العلاج على طلبه في الوقت المناسب، فالقوانين تستطيع أن تردع، لكنها وحدها لا تستطيع أن تغير السلوك أو تعالج أسبابه.

إن القانون الذي يكتفي بالعقوبة قد يفرض قدرًا من الانضباط، لكنه لا يبني الثقة، أما القانون الذي يجمع بين الحزم في حماية المجتمع، والرحمة في إتاحة العلاج، والعدالة في تطبيق الإجراءات، فهو القانون القادر على حماية الإنسان والدولة معًا.