د. مجدي عبدالحميد
د. مجدي عبدالحميد

 شكل الملكية وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها

ارتبط في أذهاننا، لفترة طويلة، تصورٌ مفاده أن شكل الملكية هو ما يحدد دور الدولة وقدرتها على الالتزام تجاه مواطنيها وتلبية حاجاتهم الأساسية، فهل هذا صحيح؟

(١) مصر الحقبة الناصرية:

إبان الحقبة الناصرية، سيطرت الدولة على الاقتصاد، واستحوذ القطاع العام على نحو 80% إلى 85% من إجمالي الإنتاج الصناعي، وانحصرت مساهمة القطاع الخاص في أنشطة الحرف الصغيرة، وتجارة التجزئة، وبعض الورش القليلة.

نجح النظام السياسي الحاكم، ذلك الوقت، في تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، حيث استطاعت الدولة الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين بقدر معقول، وهو ما تجلّى في مجانية التعليم للجميع بجودة مقبولة، وإتاحة العلاج والسكن، ونظام التأمين والمعاشات للعاملين بالدولة، ومع ذلك ظل هناك تفاوت اجتماعي كبير، كلّف قطاع الدولة الاقتصادي، مع الوقت، عبئًا بيروقراطيًا ضخمًا أثّر على كفاءة الإنتاج على المدى الطويل، مما أدى إلى تآكل المكتسبات الاجتماعية، وكذلك إلى اختلال التوازن المجتمعي، الذي لم يستمر طويلًا، على أية حال.

(٢) دولة السويد (٢٠٢٦):

القطاع الخاص في السويد هو المحرك الرئيسي للإنتاج والابتكار (بنسبة تزيد عن 75% إلى 80% من الأصول الصناعية والخدمية)، مع تدخل قوي من الدولة في وضع قوانين حماية المستهلك، وحقوق العمال، وقوانين مكافحة الاحتكار، لضمان تنافسية السوق الحرة.

تتراوح نسبة الإنفاق الحكومي العام في السويد حاليًا حول 49.9% إلى 50.2% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، ويتم توجيه الكتلة الأكبر منها لقطاعات الرعاية الصحية المجانية، والتعليم الشامل (حتى الجامعي)، ومخصصات البطالة، ورعاية الطفولة والمسنين، ومعاشات التقاعد.

ولتمويل هذا الإنفاق، تمتلك السويد أحد أعلى مستويات الضرائب في العالم، حيث تمثل الإيرادات الضريبية نحو 43% إلى 44% من الناتج المحلي.

(٣) مصر (٢٠٢٦):

يوصف الاقتصاد المصري حاليًا بأنه “اقتصاد تقوده الدولة بكثافة”، حيث قفزت حصة الاستثمارات العامة (الدولة والجهات التابعة لها) لتستحوذ على ما يتراوح بين 65% إلى 70% من إجمالي الاستثمارات المنفذة في البلاد، في حين تراجعت مساهمة القطاع الخاص إلى مستويات أدنى (حوالي 30% إلى 35%).

يبلغ حجم الإنفاق الحكومي العام في مصر حاليًا نحو 28% إلى 29% من الناتج المحلي الإجمالي.

تشكل خدمة الدين (الفوائد) العبء الأكبر والمهيمن على الإنفاق، حيث تلتهم وحدها ما يقرب من 45% إلى 50% من إجمالي المصروفات العامة.

وتغطي الحصيلة الضريبية، برغم كفاءة تحصيلها ونموها، ما يقرب من 50% إلى 55% فقط من إجمالي إنفاق الدولة.

يبلغ نصيب قطاع الرعاية الصحية المجانية والتعليم المجاني، مجتمعين، 17% من إجمالي الإنفاق الحكومي العام، وحوالي 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

رغم انفراد الدولة بسلطة اتخاذ القرار، ورغم هيمنتها الكاملة على رسم السياسات الاقتصادية، انخفض مستوى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية تجاه المواطنين عن أي وقت سابق.

الخلاصة

ليس شكل الملكية هو ما يحدد قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها، فكم من دول تسيطر فيها الدولة على اقتصاد ومقدرات البلاد الأساسية، وتضع السياسات الاقتصادية منفردة، وتستحوذ على النصيب الأعظم من عوائد الإنتاج والاستثمار، وكل مصادر الثروة في البلاد، وتتحكم في أشكال الإنفاق العام ونسبه، ومع ذلك أُهدرت فيها حقوق المواطنين، ولم تستطع الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاههم (من تعليم مجاني جيد، ورعاية صحية، وأجور عادلة، ونظام تأميني، ومعاشات شيخوخة… إلخ).

بينما نجحت دول أخرى يتولى فيها القطاع الخاص قيادة الاقتصاد، في تحقيق معادلة النمو الاقتصادي المرتفع وفق خطط تنموية تضعها الدولة، بمشاركة واسعة من رأسماليتها الوطنية، ورضًا كاملًا من مواطنيها عن تلك السياسات الاقتصادية، مع تحقيق معدلات رفاهية جيدة لجميع المواطنين.

ويبقى الفيصل، في جميع الأحوال، في طبيعة النظام السياسي الذي يدير الدولة، ومنظومة التشريعات والقوانين التي تستمد شرعيتها من احترام الدستور وإعماله نصًا وروحًا.

قوانين تحمي المستهلك من الجشع والاستغلال، وتحافظ على حقوق جميع المواطنين.

قوانين تصون الملكية، وتحقق تكافؤ الفرص، والمنافسة الحرة، والمساواة لجميع المستثمرين.

نظام ضريبي عادل ومتوازن، مع قدرة على التنفيذ والتحصيل.

نظام صارم للعدالة يحقق المساواة أمام القانون.

وجود سلطة تشريعية حقيقية تشرّع، وتراقب، وتحاسب باسم الشعب ولصالحه.

وفي النهاية، قوانين تُلزم القائمين على إدارة شؤون البلاد بتوجيه النسبة الأكبر من الإنفاق العام للدولة نحو تحقيق رفاهية المواطنين، وتوفير الشروط لحياة آدمية كريمة.