أزمة تمويل قوات حفظ السلام تهدد “المكاسب الأمنية” في الصومال وإعادة حركة الشباب المتطرفة للمشهد

صورة مخلقة بالذكاء الأصطناعي للتعبير عن الوضع القلق في الصومال

تمثل أزمة تمويل بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، تطورًا يتجاوز كونه خلافًا ماليًا بين المانحين والشركاء الدوليين، ليعكس تحولاً أوسع في طبيعة الانخراط الدولي في القارة الأفريقية.

فمع تزايد الحديث عن إعادة هيكلة التمويل الدولي لعمليات حفظ السلام، تجد الحكومة الصومالية نفسها أمام تحد استراتيجي يتمثل في كيفية الحفاظ على المكاسب الأمنية التي تحققت خلال السنوات الماضية، في ظل استمرار قدرة حركة الشباب المتطرفة على شن هجمات نوعية وامتلاكها شبكات نفوذ محلية.

 وتكتسب الأزمة أهمية إضافية لأنها تأتي في مرحلة انتقالية تسعى فيها مقديشو إلى تسلم المسؤوليات الأمنية تدريجيًا، بينما لا تزال مؤسساتها العسكرية والأمنية تعتمد بدرجات متفاوتة على الدعم الخارجي في مجالات التمويل والاستخبارات والنقل والإسناد اللوجستي.

خلفية الأزمة 

تعتمد بعثات الاتحاد الأفريقي تاريخيًا على مساهمات مالية من شركاء دوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وقد وفر هذا النموذج تمويلاً مكّن البعثة من تنفيذ عمليات واسعة ضد حركة الشباب، لكنه جعل استمراريتها رهينة للمتغيرات السياسية والاقتصادية لدى المانحين.

وتشير المؤشرات الحالية إلى أن بعض القوى الدولية تتجه نحو مراجعة أولوياتها الأمنية، مع التركيز على تقليل الإنفاق الخارجي، وتحميل الحكومة الأفريقية مسؤولية أكبر في تمويل وإدارة عمليات الأمن، ويعكس هذا التوجه تحولاً في فلسفة إدارة الأزمات الدولية، يقوم على تقليص الاعتماد على التدخلات طويلة الأمد.

انعكاسات على المشهد الأمني 

رغم النجاحات العسكرية التي حققتها الحكومة الصومالية خلال الأعوام الأخيرة، فإن حركة الشباب لم تفقد قدرتها العملياتية، بل انتقلت إلى أساليب أكثر مرونة تعتمد على الهجمات المباغتة، والعمليات الانتحارية، واستهداف المؤسسات الحكومية والطرق الحيوية.

ومن ثم، فإن أي تراجع قدرات بعثة الاتحاد الأفريقي قد يؤدي إلى:

  • انخفاض وتيرة العمليات العسكرية المشتركة.
  • تراجع القدرة على حماية المدن والمقار الحكومية.
  • زيادة المساحات غير الخاضعة لسيطرة الدولة.
  • منح حركة الشباب فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

وتشير تجارب الصراع في الصومال إلى أن الجماعات المسلحة غالبًا ما تستغل فترات إعادة الانتشار أو الانسحاب العسكري لتوسيع نفوذها، وهو ما يجعل توقيت الأزمة بالغ الحساسية.

اختبار لقدرات الدولة الصومالية

تمثل الأزمة اختبارًا حقيقيًا لمشروع بناء الدولة الذي تتبناه الحكومة الصومالية منذ سنوات،فبينما شهد الجيش الصومالي تطورًا ملحوظًا في التدريب والتسليح، لا تزال هناك تحديات هيكلية، أبرزها:

  • ضعف القدرات اللوجستية.
  • محدودية النقل الجوي العسكري.
  • الاعتماد على الدعم الاستخباراتي الخارجي.
  • تفاوت جاهزية الوحدات العسكرية.
  • استمرار التحديات المتعلقة بالتمويل والانضباط المؤسسي.

وبالتالي، فإن نقل المسؤوليات الأمنية بصورة متسارعة قد يخلق فجوات تستغلها الجماعات المسلحة.

الأبعاد الإقليمية 

لا تقتصر تداعيات الأزمة على الداخل الصومالي. بل تمتد إلى مجمل معادلات الأمن في القرن الأفريقي، فالصومال يمثل خط الدفاع الأول أمام تمدد التنظميات المتطرفة نحو شرق أفريقيا، كما يشكل موقعه الجغرافي أهمية استثنائية لارتباطه بأمن البحر الأحمر وخليج عدن، اللذين تمر عبرهما نسبة كبيرة من التجارة العالمية.

وتدرك دول الجوار، وعلى رأسها كينيا وإثيوبيا وجيبوتي، أن أي تراجع في الاستقرار داخل الصومال ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الحدود، وحركة التجارة، ومكافحة الإرهاب.

التحولات في الاستراتيجية الدولية 

تعكس أزمة التمويل اتجاهًا متزايدًا لدى القوى الكبرى لإعادة توزيع أعبائها الأمنية عالميًا، في ظل تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، واستمرار الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط.

وأصبحت أفريقيا مطالبة بصورة متزايدة بتحمل مسؤولية أمنها الذاتي، سواء عبر تعزيز قدرات الاتحاد الأفريقي، أو تطوير آليات تمويل مستقلة، أو توسيع التعاون الأمني بين الدول الأفريقية.

غير أن هذا التحول لا يزال يصطدم بواقع اقتصادي يجعل العديد من الدول غير قادرة على تمويل عمليات أمنية طويلة ومكلفة.

السيناريوهات المحتملة 

السيناريو الأول: احتواء الأزمة  في حالة نجاح الجهود الدبلوماسية في توفير تمويل مستدام، بما يسمح باستمرار عمل البعثة وفق الخطط الحالية، مع تسريع بناء القدرات الصومالية.

السيناريو الثاني: تقليص تدريجي للبعثة، يقوم على خفض عدد القوات وتقليل نطاق العمليات، مع تحميل الجيش الصومالي مسؤوليات أكبر قبل اكتمال جاهزيته،  وهو ما قد يؤدي إلى تراجع نسبي في الأداء الأمني.

السيناريو الثالث: فراغ أمني واسع، وهو السيناريو الأكثر خطورة، إذ يؤدي نقص التمويل إلى تقليص كبير في القدرات العملياتية، بما يمنح حركة الشباب فرصة لاستعادة مناطق نفوذها، وزيادة هجماتها، وتهديد الاستقرار الإقليمي.

الحلول الأفريقية

تشير المعطيات الحالية إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بمستقبل بعثة الاتحاد الأفريقي، وإنما تمثل اختبارًا لمستقبل نموذج إدارة الأمن الجماعي في أفريقيا.

كما تكشف الأزمة عن استمرار الفجوة بين الطموحات السياسية المتعلقة بـ”الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”، وبين الإمكانات المالية والعسكرية المتاحة لتحقيق هذا الهدف.

ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة تحركات مكثفة من الاتحاد الأفريقي والحكومة الصومالية والدول المانحة للتوصل إلى صيغة تمويل جديدة تمنع انهيار الجهود الأمنية، لأن تكلفة انهيار المنظومة الأمنية في الصومال ستكون أعلى بكثير من تكلفة استمرار دعمها.

وفي المقابل، ستسعى حركة الشباب إلى استثمار أي مؤشرات على تراجع الالتزام الدولي، سواء عبر تصعيد العمليات العسكرية أو توسيع حملاتها الدعائية لإظهار نفسها باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على الصمود.

الرحلة المقبلة

تمثل أزمة تمويل بعثة الاتحاد الأفريقي، نقطة تحول في مسار الأمن الإقليمي بالقرن الأفريقي، فنجاح المجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي في احتواء الأزمة سيحافظ على الزخم الذي تحقق في الحرب ضد الإرهاب، بينما قد يؤدي الفشل إلى إعادة إنتاج بيئة عدم الاستقرار التي عانت منها الصومال لعقود.

وبناءً على ذلك، فإن مستقبل الصومال خلال المرحلة المقبلة لن يتحدد فقط بنتائج العمليات العسكرية، وإنما أيضًا بقدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على بناء نموذج مستدام للشراكة الأمنية، يوازن بين نقل المسؤوليات إلى الدولة الصومالية وضمان عدم نشوء فراغ أمني تستغله التنظيمات المتطرفة لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي.