
أزمة تتجاوز قرارًا أوروبيًا
لم يعد الخلاف بين بوركينافاسو والبرلمان الأوروبي مجرد سجال دبلوماسي حول ملف حقوق الإنسان، بل أصبح انعكاسًا لصراع أوسع حول مستقبل دول الساحل الأفريقي، وطبيعة العلاقة بين الحكومات العسكرية الجديدة في المنطقة والقوى الغربية التقليدية.
فقرار البرلمان الأوروبي بشأن القمع المستمر للحيز المدني والحريات الأساسية في بوركينافاسو، فجّر مواجهة سياسية بين واغادوغو وبروكسل، بعدما اعتبرت الحكومة البوركينية أن القرار يمثل تدخلاً في شؤونها الداخلية ويعتمد على معلومات غير دقيقة، بينما يرى الجانب الأوروبي أن تراجع الحريات المدنية وارتفاع القيود على المجتمع المدني والإعلام يمثلان مؤشرًا خطيرًا على مسار الحكم في البلاد.
لكن خلف هذا التصعيد توجد أزمة أعمق: دولة تواجه تمددًا إرهابيًا واسعًا، وتحاول إعادة تعريف تحالفاتها الدولية، بينما تعيش في الوقت نفسه ضغوطًا داخلية مرتبطة بالحكم العسكري والأمن.
جذور الأزمة: من الانقلاب إلى إعادة تشكيل الدولة
دخلت بوركينافاسو مرحلة جديدة منذ وصول النقيب إبراهيم تراوري إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 2022، في ظل غضب شعبي متزايد بسبب فشل الحكومات السابقة في احتواء الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل.
قدم النظام الجديد نفسه باعتباره مشروع إستعادة السيادة وإنهاء الاعتماد على القوى الخارجية، خصوصًا فرنسا، التي تراجعت علاقاتها مع عدد من دول الساحل بعد موجة الانقلابات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينافاسو.
لكن الانتقال من حكم مدني إلى حكم عسكري خلق معادلة معقدة: فبينما حصلت السلطة الجديدة على دعم شعبي من قطاعات رأت فيها بديلاً عن النخب السياسية التقليدية، بدأت منظمات دولية وحقوقية تنتقد القيود المفروضة على المجال العام.
لماذا ترفض واجادوجو الاتهامات الأوروبية؟
ترى حكومة بوركينافاسو أن الانتقادات الأوروبية تتجاهل طبيعة الحرب التي تخوضها الدولة ضد الجماعات المسلحة، وأن الأولوية الحالية هي بقاء الدولة واستعادة السيطرة على الأراضي.
وتستند وأجادوجو إلى فكرة أساسية مفادها أن الدول الغربية تنظر إلى ملف الحريات بمعزل عن الواقع الأمني، بينما ترى القيادة البوركينية أن أي إجراءات استثنائية يجب فهمها ضمن سياق حرب مفتوحة.
كما تربط الحكومية الأزمة الأمنية الحالية بتداعيات سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، والذي أدى إلى انتشار السلاح والمقاتلين في منطقة الساحل، وهو تفسير تكرره حكومات المنطقة لتبرير صعود التهديدات الإرهابية.
في المقابل. يرى منتقدة الحكومة أن مكافحة الإرهاب لا يجب أن تتحول إلى مبرر لتقييد الحريات أو إضعاف مؤسسات الرقابة والمجتمع المدني.

الصراع الجيوسياسي: بوركينافاسو تبحث عن بدائل
أحد أهم أبعاد الأزمة هو التحول الجيوسياسي لبوركينافاسو، فبعد تراجع النفوذ الفرنسي، اتجهت وأجادوجو نحو بناء علاقات جديدة مع قوى مثل روسيا،. ضمن توجه أوسع ظهر في دول الساحل التي تبحث عن شركاء خارج المنظومة الغربية.
هذا التحول يفسر جزئيًا حساسية الحكومة تجاه الانتقادات الأوروبية، إذ ترى أنها تأتي في لحظة تحاول فيها الدولة تثبيت استقلال قرارها السياسي والعسكري.
أما أوروبا، فتخشي أن يؤدي هذا المسار إلى تراجع نفوذها في منطقة استراتيجية غنية بالموارد ومهمة أمنيًا، خاصة مع ارتباط الساحل بملفات الإرهاب والهجرة والطاقة.
السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأول: استمرار التصعيد الدبلوماسي
قد تستمر المواجهة بين الطرفين عبر البيانات والقرارات السياسية، مع احتمال تراجع مستوى التعاون بين بوركينافاسو والاتحاد الأوروبي، خصوصًا إذا تمسكت واغادوغو بموقفها الرافض لأي انتقادات خارجية.
السيناريو الثاني: تسوية براجماتية
رغم التصعيد، لا تزال المصالح المشتركة تدفع الطرفين نحو الحوار، فأوروبا تحتاج إلى شركاء في مكافحة الإرهاب، وبوركينافاسو تحتاج إلى دعم اقتصادي وإنساني في ظل الأزمة الأمنية. وقد يؤدي ذلك إلى محاولة فتح قنوات تفاوض بعيداً عن التصريحات العلنية.
السيناريو الثالث: تعميق التحالفات البديلة
إذا استمر التوتر. فقد تتجه بوركينا فاسو أكثر نحو روسيا وشركاء غير غربيين، ضمن مشروع إقليمي لإعادة صياغة علاقة دول الساحل بالعالم الخارجي.
لكن هذا الخيار يحمل تحديات، خاصة أن الأمن وحده لا يكفي لحل الأزمة، إذ تحتاج البلاد إلى تنمية واقتصاد ومؤسسات سياسية مستقرة.
المعادلة القادمة
ما يحدث في بوركينافاسو ليس مجرد خلاف حول قرار للبرلمان الأوروبي، بل هو جزء من معركة أكبر على شكل الدولة ومستقبل منطقة الساحل، فالحكومة ترى نفسها في مواجهة، بينما يرى منتقدوها أن حماية الأمن يجب ألا تأتي على حساب الحريات.
المعادلة القادمة ستعتمد على قدرة بوركينا فاسو على تحقيق تقدم أمني حقيقي دون مزيد من الانغلاق السياسي، وعلى قدرة أوروبا على التعامل مع دول الساحل كشركاء سياسيين لا كملفات أمنية فقط.
فمستقبل بوركينا فاسو سيحدد إلى حد كبير مستقبل نموذج الحكم الجديد في منطقة الساحل: هل سيكون طريقاً نحو استعادة الدولة أم بداية دورة جديدة من عدم الاستقرار؟





