“غضب الحق”.. حرب الحدود بين “أصدقاء الأمس” تتجدد بين أفغانستان وباكستان

تصاعد التوتر بين الجارتين باكستان وأفغانستان خلال الأيام الماضية، حيث أعلنت حركة طالبان الأفغانية أنها نفذت غارات جوية على أهداف على طول الحدود مع باكستان، ما أسفر عن إصابة عدد من الأشخاص في إقليم بلوشستان جنوب غرب باكستان.

وأعلن الجيش الباكستاني أنه أسقط أربع طائرات مسيرة بدائية الصنع، وحذر من أن أي استفزاز آخر سيقابل برد مناسب، وتأتي هذه الغارات بعد أن شنت باكستان غارات جوية على أفغانستان الأحد الماضي، ما أسفر عن مقتل 36 مدنيًا، وأصيب 160 آخرون، من بينهم نساء وأطفال في ولايات بكتيا وباكتيكا وكونار، وأن عدد الضحايا قد يرتفع مع استمرار المستشفيات في علاج الجرحى، وذلك وفقاً لبعثة الأمم المتحدة في أفغانستان “يوناما”.

خلفية الأحداث
تجددت التوترات في المنطقة بعد أشهر من الهدوء النسبي، ويعد الهجوم الجوي الذي شن يوم الأحد، هو الثاني لباكستان على أهداف في أفغانستان قالت إنها تابعة لمسلحين، وهو ما ينذر بتفاقم الصراع المتقطع بين الحليفين السابقين، اللذين خاضا أسوأ معركة بينهما منذ سنوات في فبراير الماضي.

تتهم باكستان أفغانستان منذ فترة طويلة بإيواء إرهابيين يشنون هجمات على أراضيها، وهو ادعاء تنفيه حكومة طالبان، وبدورها تتهم كابول إسلام آباد بشن هجمات غير مبررة تسفر عن مقتل مدنيين، لترد باكستان إنها لا تستهدف سوى المسلحين، وقالت باكستان إنها نفذت عملية برية على طول الحدود وغارات جوية استهدفت مخابئ المسلحين في ولايات بكتيا وبكتيكا وكونار الأفغانية.

أعلن وزير الإعلام الباكستاني، عطا الله طرار، يوم الإثنين، أن الغارات الجوية الباكستانية كانت على ثلاثة أهداف في ولايات بكتيا وباكتيكا وكونار الأفغانية، وأسفرت عن مقتل 25 مسلحًا، وتدمير كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، وصرح المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد، بأن الغارات الجوية أسفرت عن مقتل 38 مدنيًا وإصابة 163 آخرين، بينهم نساء وأطفال.

وأفاد مسئولون في كلا البلدين أن اشتباكات حدودية متقطعة وغارات جوية في المنطقة أسفرت عن مقتل العشرات خلال الأشهر الأخيرة، وفي فبراير أسفرت اشتباكات بين البلدين عن مقتل العشرات، وفي مارس أسفرت غارة باكستانية على مركز لإعادة تأهيل مدمني المخدرات في كابول، عن مقتل 269 شخصًا على الأقل وإصابة 172 آخرين، وفقًا لإحصاءات الأمم المتحدة.

وفي وقت سابق من يونيو، شنت باكستان غارات جوية دامية أسفرت عن مقتل 26 مسلحاً، وقالت حكومة طالبان في أفغانستان إن 13 شخصًا معظمهم من الأطفال، قتلوا أيضًا في الغارات.

أسباب اشتعال الأزمة
تتهم السلطات الباكستانية، حركة طالبان باكستان المعروفة اختصارًا بـ”TTP”، والجماعات المسلحة المتحالفة معها، بالوقوف وراء معظم هذه الأعمال.

يخوض الجيشان الأفغاني والباكستاني قتالاً منذ أشهر، لاسيما على طول حدودهما الممتدة على مسافة 1600 ميل، وجاء الهجوم بعد يوم من استهداف مسلحين بالبنادق والمتفجرات المقر الإقليمي لقوات حرس الحدود الباكستانية في مدينة كراتشي الساحلية الجنوبية، ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود، وقتلت قوات الأمن ثلاثة مهاجمين، وألقت القبض على مهاجم آخر، وصفه الجيش بأنه مواطن أفغاني وكان مصابًا، وأعلنت جماعة الأحرار، وهي فصيل منشق عن حركة طالبان باكستان، مسئوليتها عن هجوم كراتشي في بيان صدر بداية الأسبوع.

كما قُتل أربعة مقاتلين ينتمون إلى جماعة الأحرار التابعة لحركة طالبان باكستان، في هجمات برية في منطقة باجور بإقليم خيبر بختونخوا الحدودي الشمالي لباكستان، وأكدت حركة طالبان باكستان مقتل أحد قادتها، خان فيروش الملقب بـ”زابول”، يوم الأحد، في عملية باجور، وتتهم إسلام آباد كابول بإيواء مسلحين تتهمهم بالتخطيط لهجمات في باكستان، وتنفي حركة طالبان الأفغانية هذه الاتهامات، مؤكدةً أن التمرد مشكلة داخلية في باكستان.

في بيان منفصل، قالت وزارة الخارجية الأفغانية التي تسيطر عليها طالبان إنها استدعت القائم بالأعمال الباكستاني في كابول لتقديم احتجاج قوي وحازم بشأن القصف وانتهاك المجال الجوي الأفغاني.

الوضع في باكستان
شهدت باكستان تصاعدًا في الهجمات المسلحة التي تستهدف الشرطة وقوات الأمن في السنوات الأخيرة، وقد حملت السلطات حركة طالبان باكستان، والمعروفة باسم حركة طالبان باكستان “TTP”، والجماعات المسلحة المتحالفة معها مسؤولية معظم أعمال العنف، وتعد حركة طالبان باكستان جماعة مسلحة منفصلة عن حركة طالبان الأفغانية، على الرغم من تحالفهما، وقد عادت حركة طالبان الأفغانية إلى السلطة في أفغانستان المجاورة عام 2021.

ويقر مسئولون في حركة طالبان الأفغانية في جلسات خاصة، بانضمام مسلحين أفغان إلى حركة طالبان باكستان، نظرًا للروابط الأيديولوجية التي تجمع الجماعتين، ومشاركتهما في الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان، إلا أن المسؤولين يؤكدون أن تأثير المسلحين على تحركات الحركة محدود.

وردًا على تمرد طالبان باكستان، طردت باكستان أكثر من مليون أفغاني العام الماضي، وأغلقت حدودها، ما حرم أفغانستان من سوقها الرئيسي للاستيراد والتصدير.

محاولات الحل بين الجارتين
فشل الطرفان في التوصل إلى حل دائم للتوترات خلال الاجتماعات الأخيرة، كما فشلت المحادثات الحكومية التي جرت في مدينة أورومتشي شمال غرب الصين، في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أبريل، إلا أن بكين أعلنت لاحقًا أن باكستان وأفغانستان اتفقتا على عدم تصعيد النزاع والبحث عن حل.

كما اجتمعت مجموعة تضم نحو اثني عشر سفيرًا سابقًا وممثلا غير رسمي من كلا البلدين، ممن يعتبرون مقربين من حكوماتهم، في إسطنبول مطلع هذا الشهر لمناقشة إنهاء القتال.

وفقًا للوثيقة التي اطلعت عليها صحيفة نيويورك تايمز، قدم كل الأطراف مقترحًا للسلام لم ينشر سابقًا، يدعو الطرفين إلى نزع سلاح بعض الجماعات المسلحة، مثل حركة طالبان الباكستانية وولاية خراسان التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان، كما يدعو المقترح من بين أمور أخرى، إلى استئناف التبادل التجاري بين البلدين، ويعد التحدي الرئيسي تقديم الاقتراح إلى حكومتي البلدين وإقناعهما بإعادة فتح محادثات السلام الرسمية.

على الرغم من أن إسلام آباد تتوسط بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء حربهما في الشرق الأوسط، لكن باكستان تقول إن معركتها ضد التطرف في الداخل تتطلب شن ضرباتها على أفغانستان، وصرح قائد الجيش عاصم منير، بأن السلام بين باكستان وأفغانستان لن يتحقق إلا إذا تخلت طالبان عن دعمها للإرهاب والمنظمات الإرهابية، ومن المرجح أن تزيد هذه العمليات الأخيرة من توتر العلاقات المتوترة أصلاً بين إسلام آباد وكابول.