
أعاد تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بجمهورية الكونغو الديمقراطية، الصادر في يوليو 2026، تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في شرق أفريقيا، بعدما حذر من تصاعد عمليات تهريب الذهب من إقليم إيتوري إلى أوغندا، وما يرتبط بها من مخاطر تمويل الجماعات المسلحة وإطالة أمد النزاعات في منطقة البحيرات العظمى.
ولا يمثل هذا هذا التطور قضية اقتصادية مرتبطة بالتعدين غير المشروع فحسب، بل يعكس تحولات أعمق في طبيعة الصراع داخل شرق الكونغو الديمقراطية، حيث أصبحت الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الذهب، محورًا رئيسيًا للتنافس بين الفاعلين المسلحين، ومصدرًا لتمويل شبكات عابرة للحدود تمتد من مواقع التعدين المحلية إلى الأسواق الدولية.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أوغندا صدّرت خلال عام 2025 نحو 62 طنًا من الذهب بقيمة تجاوزت 6.4 مليارات دولار، رغم أن إنتاجها المحلي لا يفسر هذه الكميات، وهو ما يعزز فرضية اعتماد جزء معتبر من هذه الصادرات على الذهب المهرب من شرق الكونغو، وخاصة من إقليم إيتوري، ولا يقتصر أثر هذه التجارة على الخسائر الاقتصادية التي تتكبدها الحكومة الكونغولية، بل يمتد إلى تغذية اقتصاد الحرب، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتعزيز قدرة الجماعات المسلحة على مواصلة نشاطها العسكري.
إيتوري .. ثروة معدنية في قلب بيئة أمنية هشة
يعد إقليم إيتوري أحد أغني الأقاليم الكونغولية بالموارد الطبيعية، ويضم احتياطيات كبيرة من الذهب إلى جانب معادن أخرى، غير أن هذه الثروة تحولت، منذ نهاية الحرب الكونغولية الثانية، إلى عامل رئيسي في استمرار دوامة العنف، بعدما أصبحت السيطرة على المناجم وممرات التجارة هدفًا للفصائل المسلحة والميليشيات المحلية.
وخلال العقدين الماضيين، أخفقت الحكومات المتعاقبة في بسط سيطرة فعلية على المناطق التعدينية، نتيجة ضعف مؤسسات الدولة، واتساع رقعة الفساد، وغياب البنية الأمنية والإدارية القادرة على تنظيم قطاع التعدين التقليدي، ونتيجة لذلك، نشأ اقتصاد موازٍ يعتمد على التعدين الحرفي والتجارة غير الرسمية، وأصبح الذهب سلعة استراتيجية تتجاوز قيمتها الاقتصادية لتتحول إلى أداة نفوذ سياسي وعسكري.
وتشير تقديرات دولية إلى أن آلاف العاملين في التعدين التقليدي يعتمدون بصورة مباشرة على استخراج الذهب، إلا أن الجزء الأكبر من الإنتاج لا يدخل القنوات الرسمية، بل ينتقل عبر شبكات وساطة معقدة تنتهي غالبًا خارج الحدود الكونغولية.
ما الذي كشفه تقرير الأمم المتحدة؟
تكمن أهمية التقرير الأخير في أنه لا يكتفي بالإشارة إلى استمرار عمليات التهريب، بل يقدم مؤشرات كمية تعكس اتساع الظاهرة بصورة غير مسبوقة.
وفقًا للتقرير، فإن صادرات أوغندا من الذهب خلال عام 2025، بلغت مستويات قياسية، بينما يظل إنتاجها المحلي محدودًا، بما لا يتناسب مع حجم الصادرات المعلنة، ويعني ذلك، وفق تحليل فريق الخبراء، أن جزءًا كبيرًا من الذهب يعبر الحدود من شرق الكونغو قبل أن يدخل منظومة التكرير والتصدير الأوغندية، ليصل لاحقًا إلى الأسواق العالمية باعتباره ذهبًا معالجًا أو معاد تصديره.
كما يلفت التقرير الانتباه إلى أن الصادرات الرسمية من إيتوري لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من حجم الإنتاج الفعلي، وهو ما يكشف عن فجوة واسعة بين ما تنتجه المناجم وما يدخل الخزانة العامة للدولة، وهذه الفجوة تمثل أحد أبرز مؤشرات نجاح شبكات التهريب في الالتفاف على مؤسسات الرقابة والضرائب.
من التعدين إلى السوق العالمية .. كيف تعمل شبكة التهريب؟
لا تعتمد تجارة الذهب غير المشروعة على عمليات فردية، وإنما على منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ من المناجم التقليدية المنتشرة في إيتوري، حيث يجري شراء الذهب من المعدنين بأسعار تقل عن قيمته الحقيقية.
بعد ذلك ينتقل الذهب إلى وسطاء محليين يمتلكون شبكات نقل واتصالات تمتد حتي الحدود مع أوغندا، مستفيدين من الطبيعة الجغرافية الوعرة وصعوبة الرقابة على المعابرة غير الرسمية.
وفي الجانب الأوغندي، يدخل الذهب إلى منشآت التكرير أو شركات التجارة، قبل إعادة تصديره إلى الأسواق الدولية، وهو ما يجعل تتبع منشأ الذهب أكثر تعقيدًا.
وتشير دراسات الأمم المتحدة إلى أن هذه الشبكات لا تضم مهربين فقط، بل تشمل وسطاء ماليين، وتجارًا، وشركات تصدير، وأحيانًا مسؤولين محليين فاسدين، بما يجعلها جزءًا من اقتصاد عابر للحدود يصعب تفكيكه بالإجراءات الأمنية وحدها.
الذهب كوقود لاستمرار الصراع
تكشف التجربة الكونغولية أن الذهب لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل تحول إلى مصدر رئيسي لتمويل الصراعات المسلحة.
فالجماعات المسلحة تفرض ضرائب وإتاوات على عمليات التعدين، وتسيطر في بعض المناطق على المناجم بصورة مباشرة، بينما تؤمن جماعات أخرى طرق النقل مقابل مبالغ مالية، وتستخدم هذه العائدات في شراء الأسلحة والذخائر، واستقطاب مقاتلين جدد، وتأمين استمرار العمليات العسكرية.
ومن هنا، فإن العلاقة بين الذهب والعنف أصبحت علاقة بنيوية، فكلما ارتفع الطلب العالمي على الذهب، زادت القيمة الاقتصادية المناجم، واشتدت المنافسة على السيطرة عليها، وهو ما يفسر استمرار المواجهات في إيتوري رغم الجهود العسكرية والسياسية التي بذلتها الحكومة الكونغولية وشركاؤها الدوليون.
وفي هذا السياق، لا تبدو تجارة الذهب مجرد نشاط اقتصادي غير مشروع، بل تمثل أحد أهم محركات اقتصاد الحرب بما يهدد فرص التسوية السياسية والاستقرار طويل الأمد في شرق الكونغو.
أوغندا بين المكاسب الاقتصادية وضغوط المسؤولية الدولية
تمثل أوغندا الحلقة الأكثر حساسية في ملف تهريب الذهب من شرق الكونغو، ليس فقط بسبب الامتداد الحدودي الطويل مع إقليم إيتوري، وإنما أيضًا بسبب تحولها خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكبر مراكز تكرير وإعادة تصدير الذهب في القارة الأفريقية.
ولا يتهم تقرير الأمم المتحدة الحكومة الأوغندية بشكل مباشر بإدارة عمليات التهريب، إلا أنه يسلط الضوء على وجود فجوة واضحة بين حجم الإنتاج المحلي وحجم الصادرات الرسمية، وهو ما يثير تساؤلات حول فعالية أنظمة الرقابة على تجارة الذهب، وآليات التحقق من مصدر المعدن قبل دخوله إلى الأسواق الدولية.
من منظور اقتصادي
أصبحت تجارة الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لأوغندا، كما ساهمت في تنشيط قطاع التكرير والخدمات اللوجستية، إلا أن هذه المكاسب الاقتصادية قد تتحول إلى عبء سياسي إذا تعرضت كمبالا لضغوط دولية متزايدة لتشديد الرقابة على سلسلة التوريد، خاصة في ظل تنامي الاهتمام العالمي بقضية “المعادن المرتبطة بالنزاعات”.
وتدرك الحكومة الأوغندية أن أي عقوبات أو قيود دولية على صادرات الذهب قد تؤثر بصورة مباشرة في قطاع اقتصادي، أصبح يشكل ركيزة مهمة لعائدات التصدير، وهو ما يجعلها أمام معادلة دقيقة بين حماية مصالحها الاقتصادية والحفاظ على علاقاتها مع المجتمع الدولي.
انعكاسات الأزمة على الكونغو الديمقراطية
بالنسبة لجمهورية الكونغو الديمقراطية، لا تقتصر خسائر تهريب الذهب على فقدان مليارات الدولارات من الإيرادات العامة. وإنما تمتد إلى تقويض سلطة الدولة داخل المناطق الشرقية.
فكل شحنة ذهب تغادر البلاد خارج القنوات الرسمية تعني انخفاظ الإيرادات الضريبية، وتراجع قدرة الحكومة على تمويل الخدمات العامة، وإضعاف برامج التنمية المحلية في المناطق الأكثر فقرًا.
كما يؤدي استمرار اقتصاد التهريب إلى ترسيخ اقتصاد موازٍ ينافس المؤسسات الرسمية، ويمنح الجماعات المسلحة استقلالاً ماليًا يسمح لها بمواصلة القتال بعيدًا عن أي ضغوط سياسية أو اقتصادية.
وفي الوقت نفسه، تتراجع ثقة المجتمعات المحلية في قدرة الدولة على إدارة مواردها الطبيعية، وهو ما يخلق بيئة خصبة لتنامي النفوذ المحلي للميليشيات والجماعات المسلحة التي تقدم نفسها أحيانًا باعتبارها السلطة الفعلية المسيطرة على مناطق التعدين.
الأبعاد الإقليمية والدولية
لا يمكن فصل أزمة تهريب الذهب عن التنافس الجيوسياسي في منطقة البحيرات العظمى، حيث تتقاطع مصالح دول الجوار مع مصالح القوى الدولية الساعية إلى تأمين سلاسل إمداد المعادن الاستراتيجية.
فالذي الكونغولي لا يبقي داخل الأسواق الإقليمية، بل يدخل في نهاية المطاف إلى الأسواق العالمية بعد مروره بمراحل متعددة من التكرير وإعادة التصدير، وهو ما يجعل مسؤولية مكافحة التجارة غير المشروعة مسؤولية مشتركة بين الدول المنتجة ودول العبور والدول المستوردة.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول:-
استمرار الوضع القائم يفترض هذا السيناريو بقاء الأوضاع الأمنية والسياسية على حالها، مع استمرار ضعف الرقابة الحدودية، بما يسمح لشبكات التهريب بالحفاظ على نشاطها.
ويعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، في ظل استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتعقيد المشهد الأمني.
السيناريو الثاني
تشديد الرقابة الدولية، قد تدفع نتائج تقارير الأمم المتحدة إلى فرض رقابة أكثر صرامة على تجارة الذهب، سواء من خلال تشديد إجراءات التحقيق من المنشأ أو توسيع العقوبات على الأفراد والشركات المتورطة.
وفي هذه الحالة، قد تتراجع كميات الذهب المهرب مؤقتًا، إلا أن الشبكات الإجرامية قد تلجأ إلى مسارات بديلة عبر الدول مجاورة.
السيناريو الثالث
تسوية أمنية وتنموية وهو السيناريو الأقل احتمالاً، لكنه الأكثر تأثيرًا على المدى الطويل، ويقوم على نجاح الحكومة الكونغولية، بدعم إقليمي ودولي، في فرض السيطرة على مناطق التعدين، وإدماج التعدين التقليدي في الاقتصاد الرسمي، وتحسين الظروف المعيشية للمجتمعات المحلية، بما يقلل من اعتماد السكان على شبكات التهريب.





