القروض وحدها ليست حلاً.. والحكومة بحاجة إلى خطة لزيادة موارد الدولة
نحتاج هيئة مستقلة لتنظيم سوق العقارات وحماية حقوق المشترين
أسعار العقارات تحتاج إلى تصحيح.. وانخفاضات بـ20 إلى 25% في بعض المناطق
أزمة الوفد نتاج تراكمات وتكتلات.. والمرحلة المقبلة تحتاج إلى الهدوء
فترة عبد السند يمامة شهدت غياباً واضحاً للأداء السياسي للوفد
فتح النائب ياسر قورة، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ، عددا من الملفات السياسية والاقتصادية الشائكة، متناولا تقييم أداء الحكومة خلال السنوات الماضية، وما تحتاجه المرحلة المقبلة من سياسات اقتصادية وإجراءات لإدارة الدين العام وزيادة موارد الدولة.
وأكد قورة، في حوار شامل مع “ليبرالي”، أن هناك إنجازات تحققت في ملفات البنية الأساسية والتوسعات العمرانية والمجتمعات الجديدة، لكنه شدد في المقابل على وجود حالة من عدم الرضا عن الأداء الاقتصادي، معتبرا أن الاعتماد على القروض وحدها لا يمثل حلا، وأن الاقتراض يجب أن يرتبط بخطة واضحة لزيادة موارد الدولة من الصناعة والتصدير والسياحة والاستثمار وغيرها.
وطالب النائب بما وصفه بـ”حكومة أزمات” تضع الملف الاقتصادي والدين العام في مقدمة أولوياتها، وتعمل وفقا لخطة محددة، بحيث تكون لكل وزارة أهداف قابلة للقياس، مؤكدا أن مؤتمر كشف حساب الحكومة يمثل فرصة للمكاشفة أمام الرأي العام، ولا ينبغي أن يقتصر على استعراض ما تحقق، بل يجب أن يطرح أيضا رؤية واضحة للمرحلة المقبلة.
وإلى نص الحوار.
في ضوء الدعوة إلى مؤتمر لعرض كشف حساب الحكومة كيف تقيم أداء الحكومة خلال الفترة الماضية؟
بالنظر إلى أداء الحكومة بشكل عام، هناك إنجازات لا شك تُحسب لها، خاصة في ملفات البنية الأساسية والتوسعات العمرانية والمجتمعات الجديدة. لكن إذا انتقلنا إلى الملف الاقتصادي، فلا أعتقد أن هناك مواطنا راضيا عن الأداء الاقتصادي بالشكل الحالي.
والتعامل مع الملف الاقتصادي من خلال القروض فقط أمر غير مقبول اقتصاديا. لا أحد يقول إن الاقتراض يمكن الاستغناء عنه تماما، لكن يجب أن يكون الاقتراض مصحوبا بخطة واضحة لزيادة موارد الدولة، سواء من خلال الصناعة والتصدير والتصنيع الزراعي والسياحة والاستثمار وغيرها من القطاعات القادرة على توفير موارد جديدة.
وأعتقد أن المشكلة الأساسية أن الحكومة لم تكن لديها خطة واضحة ومتكاملة لزيادة موارد الدولة، وإنما كانت تتعامل مع المشكلات بصورة يومية، بينما المطلوب هو العمل وفقا لخطة محددة، ويحاسب البرلمان الحكومة على مدى تنفيذها.
هل ترى أن استمرار الحكومة لسنوات طويلة يفرض تقييما مختلفا لأدائها؟
بالتأكيد. نحن نتحدث عن حكومة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي مستمرة منذ سنوات طويلة، وبالتالي أصبح من الضروري تقييم حجم الإنجازات التي تحققت، خاصة أن طول فترة المسؤولية يفترض أن يمنح الحكومة معرفة تفصيلية بمشكلات الدولة واحتياجاتها.
وعلى مستوى الأداء العام، أعتقد أن هناك حالة من عدم الرضا لدى قطاعات من الشارع والقوى السياسية عن أداء الحكومة. ولذلك أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تفكير مختلف في إدارة الملف الاقتصادي، خاصة في ظل التحديات الداخلية والخارجية المتزايدة.
فنحن أمام توترات إقليمية ودولية تؤثر بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي، سواء من خلال حركة النقل وسلاسل الإمداد أو أسعار السلع والطاقة وغيرها، ومصر ليست بمعزل عن هذه التطورات.
ومن هنا نحن بحاجة إلى حكومة يكون الملف الاقتصادي في صدارة أولوياتها، ورئيس وزراء لديه خبرة واسعة في إدارة الاقتصاد، يستطيع التعامل مع التحديات الجديدة، بالتوازي مع الملفات القائمة، وعلى رأسها الدين العام.

ما طبيعة الحكومة التي تراها مناسبة للمرحلة المقبلة؟
نحن بحاجة إلى ما يمكن أن أسميه “حكومة أزمات”، بمعنى حكومة قادرة على التعامل مع المتغيرات العالمية الجديدة، وفي الوقت نفسه لديها خطة واضحة لمعالجة الملفات القديمة، وفي مقدمتها إدارة الدين العام بصورة علمية وتخطيطية ومؤسسية.
يجب أن تكون هناك أدوار محددة لكل وزارة، وأن يكون لكل وزير ملف واضح وأهداف يمكن قياسها، سواء فيما يتعلق بزيادة الناتج المحلي أو توفير موارد جديدة للدولة أو جذب الاستثمارات الأجنبية.
عندما تكون لدينا خطة واضحة، يمكن أن نحدد حجم الموارد التي ستدخل الدولة، وبالتالي نعرف كيف يمكن التعامل مع الالتزامات القائمة، ومتى يمكن خفض معدلات الدين بصورة حقيقية.
المشكلة أن غياب خريطة واضحة للتعامل مع الدين يجعل الأسئلة الأساسية بلا إجابات، ومنها: ما هي خطة الحكومة للتعامل مع حجم الدين العام؟ وكيف سيتم سداد الالتزامات؟ وما الجدول الزمني لذلك؟.
وفي ظل ارتفاع أعباء خدمة الدين والعجز في الموازنة، تصبح المساحة المتاحة أمام الدولة للإنفاق على الاحتياجات الأخرى أكثر ضيقا، وهو ما يجعلنا أمام أزمة تحتاج إلى حل جذري، وليس مجرد إجراءات مؤقتة.
والأهم أن تكون هناك خطة يقتنع بها المواطنون، لأن نجاح أي برنامج اقتصادي يحتاج إلى قدر من الثقة والمساندة المجتمعية.
هل ترى أن هناك حالة فقدان ثقة بين الحكومة والشارع؟
هناك بالفعل حالة من عدم الثقة تحتاج إلى المعالجة. ونبض الشارع دائما مؤثر في القرار السياسي، لأنه إذا كان المواطن راضيا عن أداء الحكومة، فلماذا يكون هناك تغيير؟.
الحكومة في أوقات الأزمات قد تضطر إلى اتخاذ قرارات اقتصادية صعبة أو مؤثرة على المواطنين، لكن حتى يتقبل الناس هذه القرارات، يجب أن يروا رؤية واضحة وأن يشعروا بأن الحكومة لديها القدرة على معالجة الأزمة، وأن تكون لديها نتائج أو تجارب سابقة تؤكد قدرتها على تنفيذ ما تعلنه.

هناك من يرى أن الأوضاع الإقليمية والدولية قد تؤدي إلى تأجيل أي تغيير حكومي، باعتبار أن التغيير في أوقات الأزمات قد يكون أكثر صعوبة. هل تتفق مع ذلك؟
سياسيا، عادة ما تكون التغييرات الحكومية الكبرى أكثر صعوبة أثناء الأزمات، خاصة إذا كانت هناك تحديات خارجية أو ظروف اقتصادية ضاغطة، لأن الوزراء الحاليين يكونون على دراية بتفاصيل الملفات التي يديرونها، وقد يكون من الصعب تغيير المسؤولين في منتصف الأزمات دون فترة انتقالية.
لذلك، إذا حدث تصعيد كبير على المستوى الإقليمي أو الدولي، فقد يؤثر ذلك على توقيت أي تغيير حكومي، إذا كانت هناك نية لإجرائه من الأساس. لكن حتى الآن لا يوجد إعلان رسمي مؤكد بشأن تغيير حكومي، وبالتالي لا يمكن الجزم بتوقيت أو شكل أي تغيير.
وهل تتوقع أن يكون أي تغيير حكومي، حال حدوثه، بعد مؤتمر كشف حساب الحكومة المقرر في أكتوبر؟
أعتقد أن هذا أمر منطقي، طالما أن هناك دعوة إلى مؤتمر لعرض كشف حساب الحكومة، فمن الطبيعي أن يتم أولا عرض ما تحقق وتقييم الأداء، ثم النظر في الخطوة التالية.
وهنا يجب أن نؤكد أن عرض كشف الحساب لا ينبغي أن يقتصر على الحديث عن الإنجازات السابقة، وإنما يجب أن يشمل أيضا ما يتعلق بالمستقبل: ما هي خطة الحكومة للمرحلة المقبلة؟ وكيف ستتعامل مع الأزمات القائمة؟ وما هي الحلول التي تطرحها؟.
وهذا المؤتمر يمكن أن يضع الحكومة أمام الرأي العام بصورة مباشرة، بحيث يعرف المواطن ما الذي تحقق خلال السنوات الماضية، وكيف أنفقت الموارد، وما حجم العوائد من المشروعات، وما أسباب بعض المؤشرات الاقتصادية، وفي الوقت نفسه ما هي رؤية الحكومة للتعامل مع التحديات المقبلة.
في النهاية، لا يمكن إدارة الدولة بمنطق رد الفعل اليومي. الحكومة تحتاج إلى خطة وخريطة طريق واضحة، وإذا كان هناك اقتراض، فيجب أن يكون واضحا كيف سيتم توظيف هذه الأموال وكيف ستتم إدارة الالتزامات الناتجة عنها.
ومن هذه الزاوية، فإن وضع الحكومة أمام الرأي العام يمثل فرصة للمكاشفة والشفافية، بحيث تقول بوضوح: ماذا فعلت؟ وماذا ستفعل؟.
ملف الإسكان وتنظيم السوق العقاري
نأتي إلى ملف المطورين العقاريين، خاصة مع الحديث عن إصدار قانون خاص بهم وإنشاء اتحاد لهم. ما سبب اعتراضك على هذا التوجه؟
قبل الحديث عن القانون، يجب أن نوضح أولا طبيعة الدور المفترض لهيئة المجتمعات العمرانية ووزارة الإسكان. هناك دوران أساسيان: الأول تنظيم السوق العقاري في مصر، سواء فيما يتعلق بالبيع والإنشاءات أو بالإيجارات والعلاقة بين المؤجر والمستأجر، والثاني تنظيم العلاقة السعرية داخل السوق.
وكان المفترض أن تعمل هيئة المجتمعات العمرانية ووزارة الإسكان على تهيئة المناخ العمراني، من خلال تجهيز الأراضي وإدخال المرافق إليها، بما يسمح للقطاع الخاص بالاستثمار فيها.
وفي المقابل، يتم توظيف جزء من العوائد الناتجة عن بيع الأراضي في دعم الإسكان منخفض التكلفة والإسكان الاجتماعي وتحت المتوسط. فالإسكان الاجتماعي هو الذي يحتاج إلى الدعم، بينما الإسكان المتوسط يفترض أن يبنى بتكلفته، أما الإسكان الفاخر فهو مجال أساسي للقطاع الخاص.
لكن ما حدث، من وجهة نظري، هو أن هيئة المجتمعات العمرانية ووزارة الإسكان تحولا إلى أكبر تاجر ومطور للأراضي والعقارات في مصر، وهو ما خلق حالة من المنافسة غير المتكافئة مع المطورين العقاريين.
أنا كمطور أشتري الأرض من هيئة المجتمعات العمرانية، ثم أجد الهيئة نفسها تنفذ مشروعا بجواري، بينما هي لا تتحمل تكلفة الأرض نفسها، ولا تتحمل الأعباء التي يتحملها المطور الخاص من ضرائب وتأمينات وغيرها.
وفي الوقت نفسه، تبيع الهيئة الأراضي بأسعار مرتفعة، ثم تطرح أراضي جديدة بأسعار أعلى بعد فترة قصيرة. وبالتالي أصبح سعر الأرض الذي تحدده الهيئة هو بمثابة «الترمومتر» الذي يتحرك وفقا له السوق كله، فعندما ترتفع أسعار الأراضي، ينتقل هذا الارتفاع في النهاية إلى سعر الوحدة التي يشتريها المواطن.
وهل ترى أن ذلك أدى إلى ارتفاع غير واقعي في أسعار العقارات؟
نعم، لأن الأمر تحول إلى سباق في الأسعار؛ هيئة المجتمعات ترفع الأسعار، والمطور الخاص يرفع بدوره الأسعار حتى يستطيع تغطية تكاليفه وتحقيق هامش ربح. وزادت المشكلة مع التغيرات المتتالية في سعر العملة، لأن المطور أصبح أمام حالة من عدم اليقين بشأن تكاليف البناء وسعر الدولار مستقبلا.
وفي فترات معينة، لجأ بعض المطورين – ولا أريد التعميم – إلى التسعير على أساس أسعار صرف أعلى كثيرا من السعر القائم، ووضعوا في حساباتهم احتمالات ارتفاع الدولار إلى مستويات كبيرة، وفي النهاية يتحمل المشتري هذه الزيادات.
وهنا تظهر مشكلة أخرى، وهي غياب الرقابة الكافية على هذه العملية، رغم أن الجهة المنظمة للسوق يفترض أن يكون لها دور واضح في المتابعة.
وماذا عن أموال المشترين، وهل هناك رقابة على كيفية إنفاقها من جانب المطور؟
هذه واحدة من أهم المشكلات الموجودة حاليا في السوق العقاري. هيئة المجتمعات العمرانية تتابع مراحل تنفيذ المشروع، بمعنى أنها تعطي المطور أرضا وتحدد له مدة زمنية للتنفيذ، لكن لا يوجد دور واضح لها في متابعة أموال المشترين وكيفية إنفاقها.
المشكلة أن المطور قد يبدأ في بيع وحدات مشروع قبل اكتمال مراحله، ويحصل على أموال من المشترين، ثم يستخدم هذه الأموال في شراء أرض جديدة والدخول في مشروع آخر، ثم يبدأ في البيع من المشروع الجديد، وتتكرر العملية. وبذلك تتكون لدى بعض الشركات أراض ومشروعات متعددة، بينما لا تكون المشروعات الأصلية قد اكتملت أو تم تسليمها للعملاء في المواعيد المطلوبة.
وهناك مشروعات وصلت إلى مراحل مختلفة من التنفيذ؛ بعضها بدأ أعمال الحفر والأساسات، وبعضها وصل إلى الهياكل، وبعضها اكتملت فيه أعمال البناء والتشطيبات لكن لم تكتمل المرافق، وهناك مشروعات أخرى لم تصل إلى مراحل متقدمة.
وهذه المشكلة لا تقتصر على نوع واحد من المشروعات، وإنما تظهر في قطاعات مختلفة، بما فيها بعض مشروعات التعاونيات والإسكان الفاخر وغيرها. والنتيجة في النهاية هي حدوث أزمة سيولة لدى بعض الشركات، بما يؤثر على قدرتها على استكمال وتسليم المشروعات.
وماذا عن العقود التي يوقعها المشترون مع المطورين؟
هناك مشكلة أخرى تتعلق بطبيعة العقود، فالكثير من العقود التي يوقعها العملاء يمكن وصفها بأنها عقود إذعان، بمعنى أن معظم الحقوق تكون في جانب واحد، بينما تكون التزامات الطرف الآخر أكبر بكثير.
العقد المتوازن يفترض أن تكون هناك حقوق والتزامات واضحة ومتوازنة بين الطرفين. وإذا كانت هيئة المجتمعات العمرانية لديها عقود موحدة في الأساس، فمن المنطقي أن يكون هناك إطار موحد أيضا للعقود التي يبرمها المطورون مع المشترين، مع ترك التفاصيل الخاصة بكل مشروع، مثل المدة والمواصفات، وفقا لطبيعة المشروع.
لكن المشكلة أنه لا يوجد إطار موحد بالشكل الكافي، وبالتالي يضع كل مطور العقد بالطريقة التي يراها مناسبة، وقد يصل العقد إلى عشرات الصفحات، ويصبح من الصعب على المواطن أن يراجع كل تفاصيله أو يعرف حقوقه والتزاماته بشكل واضح. وهنا نحتاج إلى جهة واضحة تتولى حماية حقوق المشتري وتنظيم العلاقة التعاقدية بينه وبين المطور.
ما أبرز المشكلات الأخرى التي تراها في سوق العقارات، بعد أزمة العقود وأموال المشترين؟
هناك عدة مشكلات رئيسية، أبرزها أزمة المساحات. حاليا لا توجد جهة تعتمد بشكل واضح ومسؤول المساحات التي يعلن عنها المطور ويبيع على أساسها. قد يشتري المواطن وحدة بمساحة 200 متر، ثم يكتشف عند الاستلام أن المساحة الفعلية أقل بكثير، أو أن الرقم المعلن يتضمن مساحات محملة بالخدمات والمرافق. وفي بعض الحالات قد تصل الفجوة إلى أن الوحدة المعلن عنها بمساحة 200 متر تكون مساحتها الفعلية نحو 100 متر، بما يعني أن السعر الحقيقي للمتر تضاعف دون أن يدرك المشتري ذلك وقت التعاقد.
المشكلة أن المشتري غالبا لا يكتشف هذا الأمر إلا عند الاستلام، بعد أن يكون قد دفع معظم أو كل قيمة الوحدة، كما أن بعض العقود تكتفي بعبارات مثل “المساحة 200 متر تقريبا”، وهو ما يفتح الباب أمام خلافات يصعب على المشتري التعامل معها.

لكن هناك نسب تحميل متعارف عليها في السوق، فهل المشكلة في نسب التحميل نفسها؟
السوق لم يكن يعمل بهذه الصورة. كانت هناك نسب تحميل طبيعية تتراوح عادة بين 15 و20%، وتشمل السلالم والمداخل والمصاعد والمناور وغيرها.
لكن ظهرت ممارسات جديدة، من بينها أن يحصل المطور على نسبة بنائية محددة، ثم يبيع للمواطن مساحات أكبر من المساحة البنائية الفعلية. فإذا كان مسموحا له بالبناء على 22% من مساحة الأرض، فلا يجوز أن تتحول هذه النسبة عند البيع إلى مساحات تعادل ضعف ما تم بناؤه فعليا.
المطور لم يشتر الفراغات المحيطة بالمباني حتى يحمل تكلفتها على الوحدات، وبالتالي لا بد من وجود قواعد واضحة تحدد المساحة التي يدفع المواطن مقابلها فعليا. وهذا كله يؤكد أن السوق يعاني غياب التنظيم والرقابة، وعدم وجود قواعد واضحة تحكم العلاقة بين المطور والمشتري.
وما المشكلة المتعلقة بودائع الصيانة؟
وديعة الصيانة تمثل مشكلة أخرى. المواطن يدفع عادة نسبة من قيمة الوحدة كوديعة صيانة، والمفترض أن توضع هذه الأموال في حساب مستقل، وتظل محفوظة حتى تسليم المشروع، ثم يتم الإنفاق منها على أعمال الصيانة والتشغيل.
لكن هناك حالات يتم فيها استخدام أموال الصيانة في أغراض أخرى، مثل شراء أراض جديدة، وعند تسليم المشروع لا تكون هناك أموال كافية للصيانة والتشغيل، فتبدأ الخلافات بين اتحاد الشاغلين والملاك من جهة والمطور من جهة أخرى.
وهل ترى أن دخول شركات وأشخاص غير متخصصين إلى مجال التطوير العقاري ساهم في زيادة المشكلات؟
بالتأكيد، صناعة العقار ليست مجرد امتلاك أموال وشراء أرض والبناء عليها، وإنما هي علم وفن يحتاجان إلى خبرة ودراسة. بعض المطورين دخلوا السوق خلال فترات الرواج وباعوا نسبة كبيرة من مشروعاتهم مبكرا، ثم فوجئوا بارتفاع تكاليف التنفيذ والتغيرات في سعر العملة، فلم تعد لديهم السيولة الكافية لاستكمال المشروعات.
المطور المحترف يبيع المشروع على مراحل مرتبطة بمراحل التنفيذ، بحيث تتطور الأسعار تدريجيا مع تقدم المشروع، بما يوفر له سيولة تساعده على مواجهة تغيرات التكلفة. أما البيع المبكر بكميات كبيرة دون حسابات دقيقة للسيولة فقد ساهم في تعثر بعض الشركات وتأخر المشروعات. ومن هنا جاءت التأخيرات الكبيرة في التنفيذ، والتي أرى أنها نتيجة طبيعية لتراكم هذه المشكلات.

مقترح إنشاء هيئة لتنظيم السوق العقاري
ما الحل من وجهة نظرك؟
أنا أطالب منذ أكثر من عامين بإنشاء هيئة لتنظيم السوق العقاري، وهي ليست فكرة جديدة أو اختراعا؛ فهناك تجارب دولية وإقليمية تطبق هذا النموذج لتنظيم السوق وحماية أطرافه. وتبدأ مهمة الهيئة منذ تخصيص الأرض للمطور، فتراجع التصميمات والمساحات وعدد الوحدات، وتعتمد لكل وحدة مساحة وكودا واضحا، بحيث يعرف المشتري عند الشراء أن المساحة معلومة ومعتمدة ويمكن مراجعتها مرة أخرى عند الاستلام.
ويجب أن يكون واضحا ما إذا كان البيع يتم على أساس المساحة الصافية أو المساحة المحملة بالخدمات والمرافق، والأفضل أن تكون هناك أولوية للمساحة الصافية المعتمدة، حتى يعرف المواطن تحديدا ما الذي يدفع مقابله. كما يجب أن تراجع الهيئة المواصفات المتفق عليها في العقود عند التسليم، بحيث يحصل المشتري على الوحدة بالمواصفات التي تعاقد عليها.
وماذا عن أموال المشترين وودائع الصيانة؟
يجب أن تدخل أموال المشترين في “حساب ضمان”، بحيث لا يستطيع المطور التصرف فيها بشكل مطلق، ويكون صرفها مرتبطا بمراحل تنفيذ المشروع، مع وجود آليات محددة لصرف نسب خاصة بالتسويق والإدارة.
أما وديعة الصيانة، فيجب أن توضع في حساب مستقل ومؤمن، ولا يتم استخدامها إلا بعد مطابقة المشروع واستلامه، ثم يبدأ الإنفاق منها على أعمال التشغيل والصيانة.
وهل يمتد دور الهيئة إلى تصنيف الاستشاريين والمطورين؟
بالتأكيد. يجب أن يكون هناك تصنيف للاستشاريين وفقا لقدراتهم الفنية والبشرية وخبراتهم السابقة وحجم المشروعات التي يستطيعون إدارتها، حتى لا يتولى مكتب صغير مشروعا يفوق إمكاناته. أما بالنسبة للمطورين، فلا أرى أن التصنيف يجب أن يكون مجرد فئات ثابتة “أ” و”ب” و”ج”، وإنما يجب أن يعتمد على معايير حقيقية تقيس الملاءة المالية والقدرة على تنفيذ وتسليم المشروع.
ويمكن أن تضع الهيئة ضمانات قبل السماح للمطور ببدء التسويق، مثل اشتراط حد معين من السيولة أو وديعة ضمان، أو إلزامه بسداد نسبة من قيمة الأرض، بما يضمن وجود قدرة مالية حقيقية على تنفيذ المشروع والوفاء بالتزاماته تجاه المشترين.
هل إنشاء اتحاد للمطورين يكفي لتنظيم السوق العقاري وحماية حقوق المشترين؟
لا، اتحاد المطورين وهيئة تنظيم السوق العقاري موضوعان مختلفان تماما. اتحاد المطورين كيان فئوي يدافع عن مصالح المطورين، وبالتالي لا يمكن أن يكون هو الجهة التي تحمي حقوق المشترين أو تفصل في النزاعات بينهم وبين المطورين، لأن ذلك يجعله “الخصم والحكم” في الوقت نفسه.
أنا مع إنشاء اتحاد للمطورين، لكن المطلوب أيضا هيئة عقارية مستقلة تتولى تنظيم السوق وفض المنازعات، وتكون مستقلة عن هيئة المجتمعات العمرانية، حتى لا تكون هناك مشكلة بين مشتري وهيئة المجتمعات ثم تكون الجهة نفسها هي الخصم والحكم.
وما أبرز اختصاصات الهيئة العقارية المقترحة؟
دورها لا يقتصر على تنظيم عمل المطورين، وإنما يمتد إلى تنظيم السوق العقاري بشكل عام، بما في ذلك الإيجارات. نحتاج إلى قاعدة بيانات حقيقية للتصرفات العقارية وأسعار البيع في مختلف المناطق، حتى نستطيع تحديد القيمة الإيجارية بصورة عادلة للمؤجر والمستأجر.
كما يمكن للهيئة وضع إطار منظم للزيادات الإيجارية وفقا لمعدلات التضخم وظروف السوق، بدلا من ترك الأمر دون ضوابط واضحة.

هناك من يرى أن فرض مزيد من التنظيم والرقابة قد يؤدي إلى هروب الاستثمارات العقارية، فما ردك؟
هذه حجة غير دقيقة. السوق العقاري المصري حقق مبيعات تتراوح بين 750 و800 مليار جنيه خلال العام الماضي، والتنظيم لا يعني تعطيل الاستثمار، وإنما ضبط السوق وحماية جميع أطرافه.
المشكلة أن قلة عدد الشركات التي يثق بها المشترون تجعل الطلب يتركز لدى عدد محدود من المطورين، وهو ما يمنحهم قدرة أكبر على تحديد الأسعار. أما زيادة عدد الشركات الملتزمة واتساع المنافسة، فمن شأنها أن تعيد الأسعار إلى آليات العرض والطلب.
هل تتوقع حدوث فقاعة أو انهيار في السوق العقاري؟
أنا لا أسميه فقاعة أو انهيارا، لكن السوق يحتاج إلى “تصحيح” بعض الأسعار الحالية ليست واقعية، وتتضمن هوامش مرتفعة مرتبطة بعوامل المخاطرة. ومع تنظيم السوق وزيادة المنافسة وتنشيط إعادة البيع، يمكن أن تعود الأسعار إلى مستويات أكثر ارتباطا بالعرض والطلب.

كيف تقيم أداء المهندسة راندا المنشاوي وزيرة الإسكان خلال الفترة القصيرة التي تولت فيها الوزارة؟
هي تجتهد، كما أنها تمتلك خبرة طويلة داخل الوزارة وتعرف طبيعة العمل بها، لكن من المبكر الحكم على نجاحها أو عدمه، لأنها لم تمض فترة كافية تسمح بتقييم أدائها. الحكم يجب أن يكون من خلال كشف حساب واضح: حجم الوحدات التي تم تنفيذها وتسليمها، والمرافق، وجودة المشروعات، ومدى القدرة على خفض الأسعار وفتح مسارات جديدة للتملك.
وأرى أن ملف الإسكان من أهم الملفات الحيوية، ولذلك يجب أن تضع الوزارة في حساباتها الظروف الاقتصادية وقدرة الشباب على الزواج وتوفير السكن، وأن تمنحهم فرصا حقيقية للتملك.

هل تتوقع انخفاض أسعار العقارات في الفترة المقبلة؟
نعم، أعتقد أن السوق يحتاج إلى تصحيح سعري، وقد تتراوح نسب الانخفاض في بعض المناطق بين 20 و25%، خاصة في المجتمعات العمرانية الجديدة والساحل الشمالي، التي شهدت زيادات كبيرة ومتسارعة خلال الفترة الماضية.
المشكلة أن بعض الأسعار أصبحت لا تتناسب مع تكاليف الأرض والبناء ومعدلات العائد الطبيعية، ولذلك لا بد أن تعود الزيادات إلى معدلات تدريجية ومنطقية بدلا من القفزات الكبيرة.
هل ترى أن أسعار بعض الوحدات، خاصة في الساحل الشمالي، أصبحت مبالغاً فيها؟
بالفعل، هناك طفرات سعرية غير متناسبة مع متوسطات الدخول في مصر. عندما تصل أسعار بعض الفيلات إلى مئات الملايين، يجب أن نسأل عن عناصر التكلفة والعائد على الاستثمار. لا مانع أن تباع وحدة بهذا السعر إذا كان هناك من يستطيع دفعه، لكن لا يمكن اعتبار هذه الأسعار مؤشرا على السعر الطبيعي للسوق.
المطلوب هو تسعير العقار وفقا لتكلفة الأرض والبناء والتشطيب والمخاطر وهامش الربح، وليس وفقا لما يحدده المطور بصورة منفردة. وما يحدث حاليا في بعض المناطق يحتاج إلى تصحيح.

بالانتقال إلى حزب الوفد، هل ترى أن الدكتور السيد البدوي تسبب في إهدار أموال الحزب أو تفكك الوفديين؟
القول بإهدار أموال الحزب اتهام كبير، وما أعرفه أن الأموال التي أنفقها الحزب خلال تلك الفترة كانت لها أوجه صرف معروفة، من بينها الانتخابات المتتالية وتكاليف جريدة الوفد، في وقت كانت الصحافة الورقية تواجه تحولا كبيرا لصالح الإعلام الإلكتروني.
ولا أرى أن الدكتور السيد البدوي كان سببا في فرقة الوفديين، فالأزمة الحالية نتاج تراكم أحداث مرت بالحزب خلال فترات مختلفة، منها مراحل نعمان جمعة ومحمود أباظة والسيد البدوي، إلى جانب طبيعة حزب الوفد التاريخية ووجود تيارات وعائلات وتكتلات داخله.
وما سبب الأزمة الحالية داخل حزب الوفد من وجهة نظرك؟
الحزب عمره نحو 110 سنوات، وبالتالي تراكمت داخله تيارات وتكتلات لكل منها تاريخها وعلاقتها بقيادات سابقة، وهو ما أدى أحيانا إلى صراعات وخلافات، خاصة في المحافظات. المرحلة المقبلة تحتاج إلى الهدوء وإنهاء حالة الصراع بين التيارات، والعودة إلى العمل الديمقراطي داخل الحزب.
لكنك اختلفت مع الدكتور عبد السند يمامة رغم أنك كنت من الداعمين لوصوله لرئاسة الحزب؟
الاختلاف في الرأي ليس عيبا، بل أراه من مميزات الوفد، لأن آلياته الديمقراطية تسمح بأن يكون لك رأي وموقف مختلف. وأنا كنت من المرشحين لرئاسة الحزب في انتخابات 2022 إلى جانب المستشار بهاء أبو شقة والدكتور عبد السند يمامة، ثم دعمت وصوله، لكن ذلك لا يعني أنني لا أختلف معه في بعض المواقف.

هل ندمت على تنازلك عن الترشح لرئاسة حزب الوفد لصالح الدكتور عبد السند يمامة؟
لا أندم على موقف كنت مؤمنا بأنه في مصلحة الوفديين. تنازلت لصالح الدكتور عبد السند استجابة لرغبة قطاع من الوفديين، خاصة أنه لم يكن يرغب في الانسحاب. لكنني وقتها لم أكن أعرف أداءه السياسي، لأنه كان معروفا في الوسط القانوني ولم تكن له مواقف سياسية معلنة بشكل كبير قبل انتخابات 2022.
كيف تقيم أداء رؤساء حزب الوفد في الفترات الأخيرة؟
الدكتور السيد البدوي كان سياسيا من الطراز الأول، وتولى الحزب في فترة شديدة الصعوبة، شهدت أحداثا كبيرة مثل ثورة 2011 وتطورات 2013 والتعديلات الدستورية، واستطاع أن يحافظ على الحزب ويخرجه من تلك المرحلة آمنا.
أما المستشار بهاء أبو شقة، فشهدت فترته خلافات حادة داخل الحزب وبين الهيئة العليا وقياداته، وأدت هذه الصراعات إلى إضعاف الحزب، لأن جزءا كبيرا من الجهد أصبح موجها للخلافات بدلا من العمل السياسي. أما فترة الدكتور عبد السند يمامة، فأرى أنها شهدت غيابا واضحا للأداء السياسي للحزب.

لماذا عارضت ترشح الدكتور عبد السند يمامة في الانتخابات الرئاسية؟
لأنني رأيت أنه لم يلتزم بالآليات المنصوص عليها في لائحة الحزب. اللائحة كانت تشترط موافقة الهيئة العليا على الترشح، ثم عرض الأمر على الهيئة الوفدية إذا تعدد المرشحون، وهو ما لم يحدث بالشكل المطلوب.
كنت أرى أن الالتزام باللائحة كان سيحافظ على صورة الوفد، وكان يمكن أن يحصل رئيس الحزب على دعم مؤسسات الحزب في الانتخابات، بما يضمن ظهور الوفد بصورة أفضل.
ماذا حدث في ملف تعديل لائحة حزب الوفد؟
تحديث اللائحة أمر طبيعي لمواكبة المتغيرات، لكن الاعتراض كان على إعداد مسودة دون تشكيل لجنة واضحة من الهيئة العليا لدراستها، ثم ظهور تعديلات واسعة لم تكن محل نقاش مسبق.
وفي النهاية، جرى تعديل عدد من المواد استجابة لآراء أعضاء الهيئة العليا، وتمت مناقشة اللائحة مادة مادة، وخرجت في صورة توافقية تمهيدا لطرحها للتصويت أمام الهيئة الوفدية.
هل ترى أن تعديل الدستور أصبح ضروريا؟
الدستور هو أبو القوانين، لكنه في النهاية من صنع الشعب ويمكن تعديله إذا ظهرت حاجة لذلك. هناك مواد تحتاج إلى مراجعة، من بينها المادة 180 الخاصة بانتخابات المجالس المحلية، لأن النسب المحددة للمرأة والشباب والعمال والفلاحين تستنفد نسبة الـ100%، ثم يأتي النص على تمثيل فئات أخرى تمثيلا ملائما، وهو ما يخلق صعوبة في التطبيق.
كما أن هناك حاجة لمراجعة صلاحيات مجلس الشيوخ، لذلك لا أرى مشكلة في تعديل بعض المواد الدستورية إذا كانت هناك حاجة عملية واضحة.
هل ترى أن نسبة الـ25% المخصصة للمرأة في المجالس المنتخبة تحتاج إلى تعديل؟
لا أقول بإلغاء النسبة، لأن هناك حاجة لاستكمال تأهيل المرأة للعمل السياسي، لكن يمكن التفكير في خفضها تدريجيا إلى 10 أو 15% بدءا من انتخابات 2030، بما يسمح بتوسيع مساحة القوائم النسبية والفردي.
الفكرة أن تكون هناك مرحلة انتقالية للتمييز الإيجابي، ثم نصل إلى مرحلة تصبح فيها المرأة مؤهلة لخوض الانتخابات بشكل مستقل دون الحاجة إلى الاعتماد الكامل على نظام القوائم المغلقة.
ماذا عن الجدل حول مدة الرئاسة وإمكانية تعديلها؟
القضية بالنسبة لي ليست مختزلة في مدة الرئاسة فقط، وإنما في جاهزية الأحزاب والقوى السياسية. أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى فتح المجال السياسي أمام الأحزاب وتأهيل كوادر وشخصيات سياسية قادرة على المنافسة، بحيث تكون هناك خيارات متعددة أمام الناخبين مستقبلا.
وأرى أن تمديد الفترة إلى 2036، بالتوازي مع فتح المجال السياسي وتأهيل الأحزاب، يمكن أن يمنح التيار المدني فرصة لبناء كوادر سياسية قادرة على خوض الانتخابات الرئاسية.
لماذا لم تتمكن الأحزاب من التأهل خلال الفترة السابقة؟
الظروف التي مرت بها مصر منذ 2014 كانت شديدة الصعوبة، من تحديات أمنية وإرهاب وأزمات اقتصادية وتحديات إقليمية وحدودية، ولذلك لم تكن البيئة السياسية مهيأة بالشكل الكافي لتأهيل الأحزاب لخوض منافسة واسعة على السلطة.






