الرئيسيةملفات

سياسة بلا ثقافة.. أين اختفى المثقفون من الأحزاب؟

حسام بدراوي: لا تطالبوا الأحزاب بالثقافة فهي غائبة عن السياسة أولًا.. و«شعبان» وعمار علي حسن يكشفان أسباب تراجع الدور الثقافي للحياة الحزبية

من المفترض أن تكون السياسة نتاجًا للوعي، والوعي لا يُبنى إلا بالثقافة، لكن الواقع يطرح سؤالًا ملحًا: أين تقع الثقافة في أجندة الأحزاب السياسية؟ وهل تحولت الكيانات الحزبية إلى أجهزة تدير المشهد دون أن تمتلك رؤية فكرية قادرة على صياغته والتأثير فيه؟

ويشير التاريخ إلى أن كثيرًا من التحولات السياسية الكبرى ارتبطت بنشاط ثقافي ومجتمعي واسع؛ فحزب الوفد المصري في بدايات القرن العشرين لم يكتفِ بالعمل الحزبي والنيابي، بل كانت صحفه ومنابره حاضنة للنقاشات الفكرية والثقافية وأسهمت في تشكيل الوعي العام، وعلى الصعيد الدولي، ارتبط صعود العديد من التيارات السياسية الكبرى في أوروبا خلال القرن الماضي بنخب فكرية صاغت نظرياتها ورؤاها قبل أن تتحول إلى مشاريع سياسية.

لكن المشهد الحزبي الراهن يكشف تراجعًا واضحًا في هذا الدور؛ فلا الصالونات الثقافية للأحزاب تؤدي حضورها السابق، ولا اللجان الفكرية تنتج أدبيات منتظمة تتناول القضايا الثقافية والفكرية الكبرى، فهل أصبحت الأحزاب تفتقر إلى وجود النخب والمثقفين داخل أروقتها، أم أن الثقافة تحولت لديها إلى ملف هامشي أمام القضايا السياسية والاقتصادية؟

في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، نستعرض رؤى المفكر والسياسي الدكتور حسام بدراوي، والدكتور أحمد بهاء الدين شعبان، والمفكر والكاتب الدكتور عمار علي حسن، حول أسباب تراجع حضور الثقافة داخل الأحزاب وتأثير ذلك في قدرتها على إنتاج الأفكار والتواصل مع المجتمع.

حسام بدراوي: لا تطالبوا الأحزاب بالثقافة.. فهي غائبة عن السياسة أولًا

يرى السياسي والدكتور حسام بدراوي أن الحديث عن دور الثقافة داخل الأحزاب هو «سؤال في غير موضعه»، معتبرًا أن المشكلة الأساسية تسبق مسألة الثقافة، وتتعلق بغياب الأحزاب نفسها عن ممارسة العمل السياسي بصورة مؤثرة في الشارع.

ويؤكد «بدراوي» أن الأحزاب الراهنة لا تمتلك، في تقديره، البنية المؤسسية والجماهيرية التي تمكنها من التأثير الفعلي، مضيفًا: «القصة ببساطة أن الأحزاب لا مكان لها في الثقافة لأنها لا مكان لها في السياسة أساسًا، فكيف نطلب من مؤسسات لا تمارس العمل السياسي أن تقوم بدور ثقافي؟ هذا أمر في غاية الصعوبة».

أحمد بهاء الدين شعبان: السياسة بلا ثقافة «سمكة بلا ماء»

يضع الدكتور أحمد بهاء الدين شعبان الأزمة في إطار أوسع، مرتبطًا بحالة المجال العام وتراجع أدوات إنتاج الوعي والتواصل المباشر مع المجتمع.

ويقول «شعبان» إن العمل السياسي في مصر يعيش حالة من الحصار والإبعاد عن قواعده الجماهيرية، موضحًا أن السياسي أو التنظيم السياسي يحتاج إلى التواصل المباشر مع المواطنين، تمامًا كما تحتاج السمكة إلى الماء.

ويضيف أن الفجوة اتسعت مع تراجع التواصل المباشر مع قطاعات مختلفة من المجتمع، مثل الطلاب والعمال والفلاحين والمثقفين، معتبرًا أن أي محاولة لتجاوز هذه القيود قد تترتب عليها كلفة سياسية وقانونية.

ويرى «شعبان» أن هذه الحالة تنعكس على قدرة الأحزاب والقوى السياسية على بناء حضور جماهيري حقيقي، لأن العمل السياسي لا يمكن أن ينفصل عن المجتمع الذي يستهدف التأثير فيه.

الثقافة والوعي.. خط الدفاع عن الذاكرة الوطنية

ويربط «شعبان» بين تراجع الثقافة وأزمة الوعي، معتبرًا أن غياب الثقافة الرشيدة والوطنية يمثل أحد أسباب تدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية، وأن الحفاظ على الاستقلال الوطني يحتاج إلى وعي ثقافي قادر على حماية الذاكرة الوطنية.

ويستشهد بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن ملف «التطبيع الثقافي» كان حاضرًا في المفاوضات التي جرت بين مصر وإسرائيل، باعتباره أحد الملفات المؤثرة في طبيعة العلاقة بين المجتمعين.

ويرى «شعبان» أن الثقافة المصرية لعبت تاريخيًا دورًا في تشكيل الموقف المجتمعي من قضايا الصراع والتطبيع، معتبرًا أن هذا الوعي لم يكن نتاج الاتفاقات السياسية وحدها، وإنما ارتبط أيضًا بما ترسخ لدى قطاعات واسعة من المجتمع عبر عقود من الإنتاج الثقافي والتعليمي والإعلامي.

ومن هذا المنطلق، يعتبر أن إضعاف الثقافة لا يمثل أزمة ثقافية منفصلة، وإنما ينعكس على قدرة المجتمع على فهم قضاياه السياسية والحفاظ على ذاكرته تجاه الأحداث والتحولات الكبرى.

التعليم والنشر.. أزمة في صناعة الوعي

ويشير «شعبان» إلى أن أزمة الوعي تتضاعف مع التراجع الذي يشهده التعليم وعادات القراءة والنشر، لافتًا إلى الفارق بين الأجيال السابقة والأجيال الحالية في علاقتها بالكتاب والمجلات والأنشطة الثقافية.

ويقول إن طلاب المدارس في عقود سابقة كانوا أكثر ارتباطًا بقراءة أعمال كبار الأدباء، مثل طه حسين وتوفيق الحكيم، إلى جانب المشاركة في الإذاعة المدرسية وصحف الحائط والأنشطة الثقافية.

أما اليوم، فيرى أن ارتفاع تكاليف التعليم وتراجع قيمة المعرفة لدى قطاعات من المجتمع ساهما في إضعاف الإقبال على القراءة، حتى أصبحت لدى البعض «تضييعًا للوقت».

ويمتد هذا التراجع، بحسب «شعبان»، إلى سوق النشر والطباعة؛ فبعدما كان الكتاب يُطبع بأعداد كبيرة وتطرح الدولة إصدارات بأسعار في متناول الجمهور خلال فترات سابقة، أصبح الناشر يواجه صعوبة في تسويق الكتب، بالتزامن مع هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي وتغير أنماط استهلاك المحتوى.

من الثقافة إلى «ثقافة الشو».. أين اختفى العمق؟

ولا يقتصر تراجع الثقافة، وفق رؤية «شعبان»، على القراءة والتعليم، وإنما يمتد إلى الإعلام والمؤسسات الرسمية التي يرى أنها لم تعد تمنح المحتوى الثقافي الجاد المساحة نفسها التي تحظى بها الرياضة والترفيه.

ويرى أن الشاشات الإعلامية تخصص مساحات واسعة للرياضة والكرة والبرامج الترفيهية، في مقابل حضور محدود للبرامج الثقافية التي تستهدف بناء الفكر والوعي.

كما ينتقد ما يصفه بالتركيز على «ثقافة المهرجانات» والصورة الاحتفالية على حساب العمل الثقافي الذي يستهدف بناء الإنسان وتنمية وعيه، معتبرًا أن الثقافة تحتاج إلى رؤية تتجاوز المناسبات والفعاليات إلى مشروع مستدام لإنتاج المعرفة.

الأحزاب والشباب في مواجهة أزمة الثقافة

ويرى «شعبان» أن الواقع لا يبرر استسلام الأحزاب السياسية، وإنما يفرض عليها البحث عن أدوات جديدة للتواصل مع المجتمع، خصوصًا مع الأجيال الشابة.

ويطرح ضرورة تبني المبدعين والكتاب الشباب، وفتح مقرات الأحزاب أمام الأنشطة الثقافية، وتنظيم الندوات لمناقشة أعمالهم، وإتاحة المجال أمامهم للتعبير عن أفكارهم وإبراز إنتاجهم.

ويعتبر أن تحويل المقرات الحزبية إلى مساحات مفتوحة للحوار والنشر والأنشطة الثقافية يمكن أن يمثل إحدى الأدوات المتاحة لإعادة بناء العلاقة بين الأحزاب والمجتمع.

ويؤكد أن الحديث عن الديمقراطية والحرية والاستقلال الوطني أو النهضة الاقتصادية لا ينفصل عن وجود وعي ثقافي حقيقي، باعتباره أحد الأسس التي يمكن أن تستند إليها عملية بناء المستقبل.

عمار علي حسن: الأحزاب تعاني أزمة بنيوية وتهمش المثقفين

وفي زاوية أخرى، يرى المفكر والكاتب الدكتور عمار علي حسن أن أزمة الثقافة داخل الأحزاب المصرية ليست جديدة، موضحًا أن المعارضة، على غرار السلطة، لم تمنح الثقافة في كثير من الأحيان المكانة التي تستحقها.

ويشير إلى أن بعض أحزاب المعارضة في مراحل سابقة، مثل الوفد والأحرار الدستوريين وحزب الأمة قبل ثورة يناير، اعتمدت على وجود المثقفين والمفكرين إلى جانب السياسيين.

ويضيف أن حزب التجمع كان من أكثر الأحزاب اهتمامًا بالثقافة، نظرًا إلى وجود عدد كبير من المثقفين بين أعضائه، إلا أن هذا الاهتمام تراجع مقارنة بما كان عليه خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين.

كما يشير إلى أن حزب الوفد تراجع تدريجيًا عن هذا الدور مع اقتصار جزء كبير من نخبه على القانونيين، بينما لم تمنح الأحزاب الجديدة التي نشأت بعد ثورة يناير الثقافة المكانة نفسها، وفق رؤيته.

الثقافة كرافعة للعمل السياسي

ويشدد عمار علي حسن على أن إهمال الثقافة يمثل خطأً كبيرًا، لأن الثقافة، بحسب رؤيته، تمثل رافعة للعمل السياسي، وتمنح السياسيين الأفكار والتصورات والرؤى التي تساعدهم على فهم الواقع وربطه بالتطورات العالمية.

كما يرى أن الثقافة يمكن أن تمنح الأحزاب قدرة أكبر على جذب الجمهور من خلال الأدب والفن والفلسفة، وهي أدوات قادرة على الوصول إلى شرائح قد لا تنخرط مباشرة في النشاط الحزبي التقليدي.

ويضيف أن تراجع هذا الدور حرم الأحزاب من التواصل مع قادة الرأي والشخصيات المؤثرة في القرى والنجوع والمدن، وهو ما ساهم، في رأيه، في تحول بعض الأحزاب إلى كيانات محدودة الحضور الجماهيري، أو ما وصفها بأنها أقرب إلى «البوتيكات السياسية».

لماذا تضيق الأحزاب بالمثقفين؟

ويرى عمار علي حسن أن هناك قاسمًا مشتركًا بين السلطة والأحزاب السياسية يتمثل في تراجع الاهتمام بالثقافة واعتبارها ملفًا يمكن الاستغناء عنه، لافتًا إلى أن انخراط المثقفين في العمل السياسي قد يثير مخاوف لدى بعض القيادات الحزبية.

ويفسر ذلك بأن المثقف بطبيعته يطرح الأسئلة ويناقش الأفكار ويضع التصورات والسياسات محل اختبار، وهو ما قد يتعارض مع أنماط إدارية تقوم على الانضباط والسمع والطاعة.

ويضيف أن بعض الأحزاب تُدار، بحسب تعبيره، بآليات تشبه التنظيمات المغلقة، سواء كانت ذات طابع أمني أو ديني أو تنظيمي شديد الصرامة، وهو ما يجعلها تضيق بالمثقفين الذين يفضلون النقاش وإعادة النظر في الأفكار والسياسات.

زر الذهاب إلى الأعلى