
مع اقتراب بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في الأول من أكتوبر، يعود ملف الحبس الاحتياطي إلى الواجهة، بعدما وضع القانون تنظيمًا جديدًا لمدده، واستحدث بدائل للحبس، وأتاح للمتهم استئناف أوامر الحبس ومدها، لكن مع دخول القانون حيز التنفيذ، وسط انتقادات من منظمات حقوقية وقانونيين لعدد من مواده، بسبب مخاوف تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة، والحبس الاحتياطي، والخصوصية، وحقوق الدفاع.
وهنا لا يتعلق السؤال فقط بما نص عليه القانون الجديد، وإنما بما إذا كان بدء تطبيقه سيُحدث تغييرًا فعليًا في أوضاع المحبوسين الموجودين بالفعل خلف القضبان، وما الآلية التي ستُحسم بها أوضاع من تجاوزوا مدد الحبس المقررة.
وبينما لا يوجد رقم رسمي دقيق ومعلن بشكل شامل من قبل الحكومة المصرية لإجمالي عدد المحبوسين احتياطيًا في مصر حاليًا، تشير تقديرات بعض المنظمات والشبكات الحقوقية المستقلة إلى وجود آلاف المحبوسين احتياطيًا على ذمة قضايا متنوعة، مع رصد حالات تجاوزت المدة القانونية المقررة للحبس الاحتياطي.
قانون مناهض للحريات
قال كمال أبو عيطة، النقابي المصري البارز ووزير القوى العاملة والهجرة الأسبق في مصر، إن قانون الإجراءات الجنائية الجديد مليء بالمواد المناهضة للحريات في مصر، لافتًا إلى أن حديثه يخص الحريات المتعلقة بكل من يتعرض للقانون، سواء كان سياسيًا أو جنائيًا أو غير ذلك، إلا أن ما يعنيه بشكل خاص هو مدد الحبس الاحتياطي، التي وصفها بأنها أقل من تلك المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية القديم.
واستنكر «أبو عيطة»، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، عدم الالتزام بمدد الحبس الاحتياطي في القانون القديم، قائلًا إن هناك العديد من الأشخاص الذين يحضر معهم ويرى أنهم تجاوزوا أقصى مدة للحبس الاحتياطي، مؤكدًا أنه لا يتحدث عن واقع افتراضي أو عن مواقع التواصل الاجتماعي، بل يحضر مع أشخاص تجاوزوا أقصى مدة للحبس الاحتياطي.
مطالب بالإفراج عن المتضامنين مع فلسطين
وأشار إلى أن الأمر ينطبق بشكل خاص على المتضامنين مع فلسطين، قائلًا: «وكأنه ثأر مع المتضامنين مع فلسطين»، مضيفًا: «المتضامنون مع فلسطين في قضاياهم المتعددة، هناك قضايا خرجت طبعًا، مثل 2468، ولا تزال هناك 2469 وغيرها وغيرها، وقضايا عديدة للتضامن مع فلسطين، وإن سميت بأسماء مختلفة».
وتابع أن هذه القضايا تجاوزت مدة الحبس الاحتياطي، والمفروض أنهم الآن محبوسون خارج نطاق القانون، موضحًا أنه سجل هذا الاعتراض في الجلسات، وانسحبوا من الدفاع، قائلًا: «قلنا إننا نربأ بالدفاع أن يشارك في عمل غير قانوني، لأن حبسهم عمل غير قانوني وخارج إطار القانون، بل بالعكس، من المفترض أن يُحاسب من يستمر فيه، أو من يوافق عليه، أو من يرفض إخلاء سبيلهم»، مضيفًا أنهم انسحبوا من الجلسات عدة مرات.
وأشار أبو عيطة إلى أن بعض القضايا شهدت إحالتها إلى مراحل أخرى، دون أن يرى مبررًا لذلك، متسائلًا: «لجأوا إلى شيء جديد، وهو إحالة القضايا دون داعٍ للإحالة، فلماذا تُخلى سبيل قضية تظاهر في ميدان التحرير، بينما التظاهر في الإسكندرية لا يُخلى سبيل أصحابه؟ وإذا تحدثنا عن الأهمية، فالعاصمة الأولى القاهرة والعاصمة الثانية الإسكندرية، فلماذا يُخلى سبيل القاهرة والإسكندرية لا؟».
وأكد أن مبدأ وحدة المراكز القانونية متوفر وموجود وقائم، ولم يتم ولا يتم إخلاء سبيلهم، مشيرًا إلى أن الأمر يشمل من وصفهم بـ«الناس الشرفاء المحترمين، الذين وقفوا على سلم النقابة تضامنًا مع فلسطين».
ولفت إلى أن الدعوة منذ البداية جاءت من الرئيس، لكن الشرطة المصرية، بحسب تعبيره، «عز عليها أن الناس تخرج وتعبر عن تضامنها، فقبضت عليهم وقامت بحبسهم»، مضيفًا: «حتى الآن نحاول بكل وسائل الدفاع إخلاء سبيلهم».
وتابع: «المتضامن مع فلسطين لا يستحق الحبس، المتضامن مع إسرائيل هو الذي يستحق الحبس، الذين يصدرون الفحم المصري لإسرائيل لكي تدخله في الصناعات الحربية، هؤلاء يستحقون الحبس، والذين يعملون في التطبيع مع العدو الصهيوني، هذه خيانة تستحق العقاب، أما من تضامن، فهذه مسألة طبيعية».
وأوضح أن هناك متهمين لا يمكن وصف قضاياهم بالإرهاب، قائلًا: «أنا اليوم أتحدث عن المحبوسين، والتضامن مع فلسطين ليس إرهابًا، وطوال عمرنا ونحن نتضامن مع فلسطين، ونُحبس مددًا بسيطة إذا حُبسنا، وأكبر فعاليات التضامن مع فلسطين قبل ذلك، أيام السادات وأيام مبارك، لم يكن أحد يُحبس فيها من الأساس، والحبس كان بسيطًا».
وتساءل: «لماذا الإصرار على هذا؟ هناك محبوسون جنائيون يخرجون بالزوفة، ونحن نُحبس بالجملة، والإفراجات أو الإخلاءات تكون بالقطاعي».
حبس خارج نطاق القانون
وأكد أبو عيطة أنه يعتبر كل أصحاب الرأي الذين تجاوزوا المدة القانونية للحبس الاحتياطي محبوسين خارج نطاق القانون، قائلًا: «أنا أعتبر القضايا كلها، وأصحاب الرأي كلهم، ولا أتحدث فقط عن فلسطين، كل أصحاب الرأي الآن، أعتبر من تجاوز مدة الـ18 شهرًا المنصوص عليها في الحبس القديم، هو الآن محبوس خارج نطاق القانون».
وأضاف: «مدة الحبس الاحتياطي معمول بها، وفيها اختلاف فقهي، لكن أنا رأيي فيها أن أقصى مدة للحبس الاحتياطي حتى يُحاكم المتهم ويصدر ضده حكم هي الـ18 شهرًا، والأقصى من الأقصى في حالة القتل، وفي حالة الاتهامات أو الجرائم التي يُعاقب عليها بالإعدام، سنتان».
وتساءل: «هل أنتم تنوون أن تحكموا على أولادنا المتضامنين مع فلسطين بالإعدام أم ماذا؟ ولو تنوون ذلك، احكموا عليهم بالإعدام، وعدّت السنتان، فالقضية 2469 عدى عليها شهران وسنتان ونصف، والقضية وغيرها شهران وسنتان وشهر، أي تجاوزوا مدة الحبس الاحتياطي».
وقال: «أنا أرى، أرى لمصلحة البلد، وأنا جالس على مقاعد الاحتياط للسفر النهائي، أن لمصلحة البلد هذه أن يُخلى سبيل المحبوسين، اتركوا الناس، اتركوا الناس الموجوعة، اتركوا الشباب الذين دمرتم مستقبلهم ولوثتم مستقبلهم. ماذا يعني أن شخصًا متضامنًا مع فلسطين تلصق به تهمة الانضمام إلى تنظيم إرهابي؟».
وأشار إلى أن بعض المحبوسين أعضاء في أحزاب شرعية، معتبرًا أن «هذه هي الجريمة من وجهة نظر الأمن المصري، أن المحبوس الذي يقول رأيًا مخالفًا لرأي النظام من خلال حزب آخر غير موالٍ للنظام، هذا مجرم يجب حبسه، ونتجاوز القانون في حبسه، ونتجاوز مدة الحبس الاحتياطي».
وأعرب عن أمنيته في أن يجد في صباح أحد الأيام خبرًا يقول إنه تم إخلاء سبيل جميع من تجاوزوا الـ18 شهرًا، بصرف النظر حتى عن القانون الجديد، لأن القانون القديم أيضًا تم تجاوزه، مشددًا على أن اتخاذ مثل هذا القرار، من وجهة نظره، يصب في مصلحة الدولة والحكومة القائمة، وليس لصالح المعارضة، لأنه يخفف من احتقانات الناس وأوجاعها ومشاكلها في الحياة اليومية ومعاناتها من الأكل والشرب والأسعار والمصاريف والغاز والكهرباء والمياه، فلا تبقى الهموم كلها متراكمة على رأس الناس.
بارقة أمل
وحول ما إذا كان القانون الجديد يحمل أملًا في تغيير وضع المحبوسين حاليًا، قال أبو عيطة: «عملي النقابي، الذي هو في تقديري أساسي أكثر من العمل السياسي، جعلني متعلقًا بالأمل، وجعلني في عز الظلمة أرى ثقبًا بسيطًا، وهذا الفرق بين النقابي والسياسي».
وأضاف: «من أجل ذلك، أنا أقول إن الذي يريد أن يخرج من المحنة التي نحن فيها، والأزمة التي البلد فيها، والأوضاع الموجودة، على الأقل نسمع خبرًا جيدًا في هذا الملف، فنحن نسمع أخبارًا سوداء فيما يتعلق بالأسعار والأوضاع الاقتصادية، فأعطونا خبرًا في أي شيء، فرحونا بأي شيء، كان يمكن أن تفرحونا بالكرة، وفرحنا بالكرة عندما دخلنا دور الـ8 وما إلى ذلك، أعطونا شيئًا، فأخرجوا لنا هؤلاء الناس».

وذكر عبارة يرددها الفلسطينيون دائمًا: «نحن مشاريع شهادة»، قائلًا: «أنا أعلم أننا في مصر، في ظل هذه السلطة الحالية، نحن مشاريع حبس»، واصفًا الوضع بأنه «وضع مقلوب لم يحدث عبر التاريخ. ولا أيام الإنجليز، أنا لم أحضرها، فأنا ولدت بعد تحرير البلد بعد ثورة 23 يوليو، لكن هذا الكلام، حسب ما أقرأ وأسمع، لم يحدث من قبل».
وحذر من الوضع الحالي، قائلًا: «ندائي الأخير قبل أن تقلع طائرة الحياة نفسها، احرصوا على البلد من الانفجار القادم، حلوا شيئًا، حلوا شيئًا، ابدأوا بهذه المسألة وكملوا على بقية المسائل، الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية متفجرة».
وحول ما إذا كان تجاوز مدد الحبس الاحتياطي في ظل القانون القديم، وقبل إجراء التعديلات على قانون الإجراءات الجنائية، يطرح تساؤلًا حول الآلية التي ستحسم هذه المسألة في القانون الجديد، وما إذا كانت هناك ضمانات لتفعيلها، قال أبو عيطة: «إذا توافرت الإرادة السياسية، فالأمن المصري يقدم نفسه للسلطة على أنه حامي حمى الدارين ومانع البلاوي عن السلطة، لا، أقول لهم: لا، أنتم تفجرون الأوضاع في البلد، والشرطة، أنا أعتبرها أكبر ملهم للثورات في مصر».
مزايا القانون الجديد
سلط إيهاب الطماوي، وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب السابق، ورئيس اللجنة الفرعية التي أعدت قانون الإجراءات الجنائية، وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، الضوء على عدد من مزايا قانون الإجراءات الجنائية الجديد، فيما يخص قضايا الحبس الاحتياطي.
وأوضح الطماوي، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن القانون حافظ على الطبيعة الاحترازية الوقائية للحبس الاحتياطي، ضمانًا لسلامة التحقيقات، من خلال تخفيض مدده ووضع حد أقصى لها، حيث أصبحت مدة الحبس الاحتياطي في الجنح 4 أشهر بدلًا من 6 أشهر، وفي الجنايات 12 شهرًا بدلًا من 18 شهرًا، و18 شهرًا بدلًا من سنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة السجن المؤبد أو الإعدام.
وأشار إلى تحديد حد أقصى للحبس الاحتياطي من محكمة النقض في الجرائم المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد، إذ لها أن تأمر بحبس المتهم احتياطيًا لمدة 45 يومًا قابلة للتجديد لمدد أخرى بما لا يجاوز سنتين، بعد أن كانت المدة مطلقة وغير محددة في القانون الحالي.
التعويض المادي
وأوضح أن القانون وضع تنظيمًا متكاملًا ومنضبطًا لحالات التعويض المادي عن الحبس الاحتياطي، والمتحمل به على وجه الدقة، وآلية المطالبة به، إعمالًا للمادة 54 من الدستور، وكذلك تنظيم حالات التعويض عن الحبس كعقوبة سالبة للحرية إذا ثبتت براءة المتهم من التهمة التي عوقب بشأنها، ومن أمثلة ذلك ثبوت عدم صحة الواقعة أو كون الواقعة غير معاقب عليها.
وأشار إلى أن القانون أقر التعويض المعنوي والأدبي عن الحبس الاحتياطي الخاطئ، حيث ألزم مشروع القانون النيابة العامة بنشر كل حكم بات ببراءة من سبق حبسه احتياطيًا، وكل أمر صادر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبله، في جريدتين يوميتين واسعتَي الانتشار على نفقة الحكومة، وذلك لتحقيق جبر معنوي للضرر الذي وقع على المحبوس احتياطيًا.
تطبيق النص المستحدث في ملف الحبس الاحتياطي
قالت فاطمة سراج، المحامية الحقوقية، إن المطالب في ملف المحبوسين احتياطيًا تتركز على تطبيق النص المستحدث فيما يتعلق بالحبس الاحتياطي، موضحة أن الحد الأقصى أصبح سنتين، إلا أن التعديلات لم تكن كبيرة جدًا في موضوع الحبس الاحتياطي مقارنة بالقانون القديم.
وأضافت سراج، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»: «الفكرة هنا هي التطبيق، نحن نضع نصوص القوانين بشكل جيد جدًا، ولكن المشكلة في التطبيق نفسه، والمشكلة في إرادة العدالة نفسها لدى النيابة العامة والنظر في ملفات المحبوسين احتياطيًا»، موضحة أن المشكلة ليست في النص بقدر ما هي في الجهات المعنية بتطبيق النصوص القانونية، وهذا هو جوهر المطالبة في هذا الملف.
وحول إمكانية تحسن أوضاع المحبوسين احتياطيًا على هامش تطبيق القانون الجديد، قالت: «نأمل في ذلك، لكن ليس لدينا تأكيدات بوجود انفراجة، لكننا نأمل أن يكون نص القانون الجديد وتطبيقه بشرة خير لآلاف المحبوسين احتياطيًا وأهاليهم، الذين يتمنون أن يتم تطبيق القانون ومحاكمة ذويهم من خارج السجون».
وأضافت أن هناك آلاف القضايا التي تنظر حاليًا أمام دوائر الإرهاب، وأن الأهالي لديهم أمل في أن تطبيق القانون الجديد يعطيهم فرصة لأن تتم المحاكمات عن بُعد، أو أن يخرج المحبوسون والمتهمون على ذمة القضايا والمحاكمات، ويحضروا من خارج السجون.
إطلاق سراح كل المحبوسين احتياطيًا
وحول رسالتها في هذا الملف، أكدت سراج أن المطلب الأساسي هو إطلاق سراح كل المحبوسين احتياطيًا، وإطلاق سراح كل المتهمين الذين يحاكمون حاليًا على ذمة قضايا، مؤكدة أن ذلك سيعطي أملًا كبيرًا وانفراجة للناس، ويجعلهم يثقون أكثر في تطبيق العدالة ونظام العدالة.

وعن الآلية التي يمكن أن تحسم وضع من تجاوزوا المدة القانونية للحبس الاحتياطي وفقًا للقانون القديم، وما إذا كان هناك ما يحسم وضعهم بعد خفض مدد الحبس في القانون الجديد، أكدت أن من يحسم المسألة بشكل جذري هي النيابة العامة، عندما تنظر في ملفات الناس مرة أخرى وبشكل إنساني، وليس فقط بشكل إجرائي، موضحة أنه لا توجد مادة قانونية واحدة يمكن أن تحسم الأمر، لأن كل قضية وكل متهم له طبيعته المتعلقة بتواريخ القبض وتواريخ الحبس الاحتياطي، والتدوير، وما إذا كان المتهم قد تم تدويره في قضايا أخرى أم لا.
ولفتت إلى أن هناك عددًا كبيرًا من المتهمين تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي لسنوات، ولكن على ذمة أكثر من قضية، موضحة: «هناك شخص، على سبيل المثال، متهم منذ 10 سنوات، لكنه قضى 10 سنوات حبسًا احتياطيًا على ذمة أربع أو خمس قضايا»، موضحة أن هذا الشخص استنفد كل المدد القانونية في القضايا التي تم اتهامه فيها، لكنه ما زال داخل الحبس، وما زال مصيره غير معلوم.
ويظل السؤال الأهم متعلقًا بمن ينتظرون خلف القضبان على ذمة قضايا بدأت قبل سريانه: أي قواعد ستنظم أوضاعهم؟ وهل تمتد إليهم الضمانات الجديدة، أم تظل مراكزهم القانونية خاضعة للإجراءات التي بدأت في ظل القانون القديم؟






