مقالات

من يكتب قواعد العالم؟

نرمين مصطفى

باحثة في العلاقات الدولية

لم يعد العالم يتحرك وفق قواعد ثابتة كتبتها القوى الكبرى في مرحلة تاريخية سابقة، ثم استمرت بقية الدول في التعامل معها.

فخلال السنوات الأخيرة، ظهرت تحولات عميقة في توزيع القوة، وأصبح النظام الدولي أكثر تنافسًا وتعقيدًا، بينما تتسع المساحة التي تتحرك فيها قوى جديدة لإعادة صياغة المشهد العالمي.

ولم تعد القوة اليوم، مجرد تفوق عسكري، فمن يمتلك الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والموارد الاستراتيجية، ومن يستطيع بناء شبكات واسعة من الشراكات، يمتلك أدوات حقيقية للتأثير في القرار الدولي.

وهنا تبرز الصين بوصفها إحدى أهم القوى التي غيرت معادلة القوة العالمية، فقد تحولت من قوة اقتصادية صاعدة إلى طرف مؤثر في التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية والمؤسسات الدولية، ونجد أن الحضور الصيني أيضًا لم يعد  مقتصرًا على العلاقات الثنائية، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع حول شكل النظام الدولي وقواعده.

ولكن ما نجده من صعود الصين على جميع الأصعدة، لا يضعنا في وضع تجاهل لما تمتلكه  الولايات المتحدة  من أدوات واسعة للتأثير في الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا والتحالفات والمؤسسات الدولية.

ونتيجة لتطور مفهوم سيطره القوة  فإن العلاقة بين واشنطن وبكين أصبحت واحدة من أهم العوامل المؤثرة في اتجاهات النظام الدولي، ليس باعتبارها مواجهة بين دولتين فقط، وإنما باعتبارها تنافسًا على النفوذ والمعايير والتكنولوجيا ومصالح المستقبل.

هذا التطور جعل اختزال العالم في صراع أمريكي–صيني هو قراءة غير مكتملة للهيكلة الجديدة للنظام الدولي.

فنجد أن الهند ، والاتحاد الأوروبي، واليابان، وروسيا، والقوى المتوسطة، والدول ذات الأهمية الإقليمية، كلها تمتلك أوراقًا يمكن أن تؤثر في شكل العلاقات الدولية.

كما أن دول الجنوب العالمي أصبحت أكثر حرصًا على تنويع علاقاتها وعدم الاعتماد على  محور واحد، مستفيدة من التنافس بين القوى الكبرى لتحقيق مصالحها الوطنية.

وهنا تتغير طبيعة القوة نفسها، فنجد أن الدولة المؤثرة في النظام الدولي، ليست بالضرورة الدولة التي تمتلك أكبر جيش، وإنما الدولة التي تستطيع تحويل مواردها المختلفة إلى نفوذ سياسي، وقد يكون هذا النفوذ اقتصاديًا، أو تكنولوجيًا، أو دبلوماسيًا، أو مرتبطًا بالطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، أو حتى بالقدرة على التأثير في المؤسسات والمعايير الدولية.

ونجد أن تقدم والتكنولوجيا خير مثال على ذلك، فالذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والبيانات، والأمن السيبراني لم تعد قضايا تقنية بعيدة عن السياسة، بل أصبحت جزءًا مباشرًا من الأمن القومي والتنافس الدولي، ومن يشارك في وضع المعايير التي ستنظم هذه المجالات يشارك عمليًا في رسم جزء من مستقبل العالم.

كذلك أصبحت الأزمات الدولية اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الدولي على التعامل مع عالم متعدد المصالح، فالحروب والأزمات الاقتصادية وأمن الطاقة والغذاء والتغير المناخي والهجرة، كلها هي ملفات تتجاوز حدود الدولة الواحدة، وتحتاج إلى قواعد ومؤسسات قادرة على التعامل معها.

لكن المشكلة أن كثيرًا من مؤسسات النظام الدولي تأسس في مرحلة كانت فيها موازين القوة مختلفة، ومع تغير هذه الموازين، ظهر سؤال مشروع حول مدى قدرة المؤسسات الحالية على التعبير عن الواقع الدولي الجديد.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول من يمتلك القوة، وإنما حول من يستطيع تحويل القوة إلى قواعد.

فامتلاك اقتصاد قوي لا يعني تلقائيًا القدرة على تغيير النظام الدولي، كما أن امتلاك القوة العسكرية لا يعني بالضرورة القدرة على فرض قواعد مستقرة، التأثير طويل المدى يحتاج إلى مؤسسات، وتحالفات، وتكنولوجيا، واقتصاد، ودبلوماسية، ورؤية واضحة للمصالح.

ولهذا يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة لا يستطيع فيها طرف واحد أن يحدد وحده كل قواعد اللعبة، ولا تستطيع القوى الصاعدة أيضًا أن تغير النظام الدولي بمجرد امتلاكها عناصر قوة جديدة. ، فنحن أمام مرحلة تفاوض مستمر على شكل العالم القادم.

نحن اليوم في عالم متغير جديد، قد تتغير التحالفات، وقد تتغير موازين القوة، وقد تظهر قوى جديدة، لكن هذا السؤال سيظل حاضرًا.

من يكتب قواعد العالم؟

ربما تكون الإجابة في المستقبل أقل ارتباطًا بدولة واحدة، وأكثر ارتباطًا بقدرة مجموعة من القوى على بناء شراكات، وصياغة مؤسسات، ووضع معايير جديدة، وتحويل نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي إلى تأثير حقيقي في القرار الدولي.

إن العالم لا يتغير فقط عندما تنتقل القوة من يد إلى أخرى، بل عندما تتغير القواعد التي تحدد كيفية استخدام هذه القوة، وهنا تبدأ معركة النظام الدولي الجديد.

 

زر الذهاب إلى الأعلى