الجزء الثاني من الأعمال الفنية.. هل فقر في الورق أم تلعب شركات الإنتاج على المضمون؟

في عالم السينما المصرية، أصبح السؤال الأكثر تداولًا مع كل إعلان عن مشروع جديد، هل أصبحت العودة إلى تقديم جزء ثانٍ أو ثالث من الأعمال الناجحة دليلًا على فقر الأفكار والنصوص الجديدة؟ أم أنه مجرد استثمار مضمون لنجاحات قديمة، للعب في المساحة الآمنة والرهان على المضمون بدلًا من المخاطرة؟
بين الأرقام وشباك التذاكر من جهة، وتعليقات النقاد من جهة أخرى، نجد المشهد السينمائي منقسمًا إلى قسمين؛ فهناك أعمال تحولت بالفعل إلى سلاسل ممتدة وحققت حضورًا جماهيريًا لافتًا، مثل «ولاد رزق»، و«الفيل الأزرق»، و«عمر وسلمى»، و«حريم كريم»، وكذلك التجارب الشبابية والجديدة كفيلمي «هيبتا» و«الحريفة»، فضلًا عن المحطات الكلاسيكية مثل «بخيت وعديلة» و«الكنز».
لكن في المقابل، يظل العجز في الشغف والتنفيذ حاضرًا دائمًا، إذ تقف عشرات المشاريع التي تم الإعلان عنها مجرد كلام على ورق أو حبيسة التصريحات الصحفية دون أن ترى النور، كما هو الحال مع أجزاء ثانية معطلة لأفلام «صعيدي في الجامعة الأمريكية»، و«غبي منه فيه»، و«كده رضا»، و«كازابلانكا»، و«العارف»، و«أوقات فراغ»، و«وقفة رجالة»، و«سهر الليالي».
فتارةً يتعطل المشروع بسبب غياب النص القوي والمضمون، وتارةً أخرى بسبب تشتت القائمين على العمل وصناعة السينما، ليظل التساؤل قائمًا، هل ننظر إلى الأجزاء الجديدة كتطور طبيعي للصناعة وقواعد التوزيع الحديثة، أم كاعتراف غير مباشر بضعف الإبداع، يجعل المنتج يفضل «إعادة تدوير النجاح»؟
ماجدة خير الله لـ«ليبرالي»: استنساخ الأجزاء الثانية بعد عقود «رهان خاسر»
أوضحت الناقدة الفنية ماجدة خير الله، أن اللجوء إلى تقديم أجزاء ثانية أو ثالثة من الأعمال السينمائية الناجحة ليس دليلًا بالضرورة على وجود فقر في النصوص أو عجز في الأفكار الإبداعية لدى صناعها، بل هي ظاهرة متعارف عليها ومطبقة بكثرة في مختلف السينمات العالمية واستوديوهات هوليوود، حيث يستثمر المنتجون النجاح الجماهيري الذي حققته النسخة الأولى لضمان وجود قاعدة جماهيرية مسبقة.
وعلقت «خير الله» بأن المشكلة الحقيقية في السوق المصرية تكمن في غياب الذكاء في اختيار العمل المناسب وتوقيت استكماله، فتقديم جزء ثانٍ بعد مرور عقود طويلة يُعد رهانًا غير محسوب من المنتج، لأن الفجوة الزمنية الكبيرة تفقد الجمهور اهتمامه وحرصه على متابعة مصير الشخصيات.
وضربت الناقدة الفنية المثل بمشروع فيلم «صعيدي في الجامعة الأمريكية 2»، مشيرة إلى أن أغلب أبطاله لم يعودوا مناسبين لتقديم أدوارهم السابقة، بعد أن تجاوز معظمهم سن الأربعين والخمسين.
وفي المقابل، فإن جيل الشباب الحالي، الذي يهتم بالتردد على صالات السينما، هو جيل جديد تمامًا، بذائقة ومقاييس مختلفة، بل إن بعضهم لم يشاهد الجزء الأول من الأساس.
وأضافت ماجدة خير الله، أن الرهان على إعادة تدوير النجاح يصطدم بتغير الذائقة الجماهيرية، فالطرح والكوميديا التي كانت تضحك الجماهير قبل 20 أو 25 عامًا لا يمكن أن تُضحك شباب اليوم أو تثير اهتماماته، مما يجعل محاولة مواكبة العصر بالأدوات القديمة نفسها أمرًا في غاية الصعوبة ويؤدي إلى الفشل.

وتطرقت «خير الله» إلى عقبة أخرى مهمة تواجه هذه المشاريع الجديدة، وهي غياب جزء كبير من طاقم العمل الأصلي، كما هو الحال في الحديث عن جزء ثانٍ لفيلم «سهر الليالي»، فمع عدم ظهور أو اعتذار عدد من نجومه، مثل علا غانم، وجيهان فاضل، وخالد أبو النجا، يتساءل الجمهور عن الجدوى وعامل الجذب الذي يدفع المشاهد لشراء تذكرة لمتابعة فيلم غاب عنه نصف أبطاله الذين ارتبط بهم في الجزء الأول.
وتختتم الناقدة الفنية رؤيتها بالتأكيد على أن صناعة الأجزاء الثانية تحتاج إلى حسابات دقيقة وتخطيط سريع يتناسب مع الوقت والمرحلة الزمنية، فالصانع الذي يرغب في استثمار نجاح عمله لا ينتظر عقدين من الزمن ليتخذ القرار، بل يجب أن تكون الخطوة محسوبة بذكاء وفي توقيت مناسب يضمن استمرار شغف الجمهور واحتفاظ الفكرة بحداثتها.
عماد يسري لـ«ليبرالي»: جيل الـ17 عامًا لا يعرف «سهر الليالي»
يرى الناقد الفني عماد يسري أن هناك تمييزًا جوهريًا بين نوعين من تقديم أو الرغبة في تقديم جزء ثانٍ في السينما؛ فهناك أفلام تكون فكرة تقديم أجزاء متتابعة منها مخططًا لها من البداية ومرسومة ضمن بنية السيناريو، كما حدث في أفلام مثل «الفيل الأزرق» و«ولاد رزق»، وهي تجارب حققت نجاحًا لأنها بُنيت كفكرة متكاملة.

أما عندما ينجح فيلم بشكل غير متوقع، فيسارع صناعه إلى استغلاله بعد مرور سنوات عليه، دون وجود خطة سابقة، فهذا يُعد نوعًا من «الفقر الإبداعي والاستثمار الخاطئ للنجاح».
وصرح «يسري» بأن أغلب الأعمال التي لم يكن مخططًا لها تقديم أجزاء ثانية، وتُفرض فرضًا بعد نجاح الجزء الأول، غالبًا ما تسقط في فخ الفشل، نظرًا لاعتمادها على استثمار اسم الفيلم ونجاحه السابق فقط، دون تقديم قيمة جديدة.
وأضاف أن هذه الظاهرة لا تقتصر على السينما، بل تمتد إلى الدراما التلفزيونية أيضًا، حيث يؤدي غياب التخطيط المسبق للأجزاء التالية إلى تراجع مستوى العمل وفشله عند العرض.

ويتساءل عماد يسري عن الجدوى من محاولة إحياء أفلام مرّ على عرضها أكثر من 20 عامًا، مثل «صعيدي في الجامعة الأمريكية» أو «سهر الليالي»، مشيرًا إلى أن جيل الشباب الحالي، في سن الـ17 عامًا تقريبًا، وهو القوة الضاربة والشريحة الأساسية من جمهور شباك التذاكر، لم يتعايش مع هذه الأفلام وقت طرحها، بل إن الكثير منهم لم يشاهدوها من الأساس، أو لا يتعاطفون مع تفاصيلها التي لا تتناسب مع زمنهم الحالي.
وأشار «يسري» إلى أن الذائقة الجماهيرية تغيرت تمامًا، فالسينما كانت ولا تزال صناعة يحركها جيل الشباب، واستنساخ أفكار وقضايا كانت تناسب أواخر التسعينيات أو أوائل الألفية، وتقديمها لجمهور اليوم تحت مسمى «جزء ثانٍ»، هو رهان غير منطقي، لأن العصر والاهتمامات ومفهوم الكوميديا والدراما اختلفت كليًا بالنسبة لجيل لم يتابع حتى النسخ الأولى.

وتابع الناقد الفني أن محاولة صياغة قصة جديدة كليًا تدور حول أبناء أو أقارب الأبطال الأوائل، كما يُطرح في بعض المشاريع، تعني تقديم فيلم جديد بفكرة جديدة، وبالتالي يصبح استخدام اسم الفيلم القديم مجرد «استثمار للاسم».
ويستشهد بالتدرج السينمائي الطبيعي الذي شهدته الكلاسيكيات قديمًا، مثل التحول المنطقي بين فيلمي «أم العروسة» و«الحفيد»، مشددًا على أن النجاح الحقيقي لأي جزء جديد يستلزم الاعتماد على جودة الفكرة المطروحة، وليس مجرد استغلال عنوان نجح في الماضي.






