كواليس أفلام 6 أكتوبر.. حكايات من خلف الكاميرا صنعت ذاكرة السينما المصرية
لم تُكتب حكاية أفلام حرب أكتوبر كاملة أمام الكاميرا؛ فخلف مشاهد العبور والمعارك والجنود، توجد قصص أخرى بدأت قبل التصوير واستمرت أحيانًا لسنوات بعد انتهاء العمل، ما بين تجارب إنتاجية استثنائية، واختيارات فنية غيّرت شكل بعض الأفلام، ومشروعات ظلت حبيسة الأدراج قبل أن تجد طريقها إلى الجمهور.
ومع مرور السنوات، لم تعد أفلام أكتوبر مجرد أعمال تستعيد ذكرى الانتصار، بل أصبحت جزءًا من الذاكرة السينمائية المصرية، ولكل تجربة منها حكاية خاصة صنعتها ظروف المرحلة، وطبيعة الموضوع، والقرارات التي اتخذها صناعها.
وفي ذكرى انتصارات 6 أكتوبر، نستعيد 5 أفلام، لا من زاوية مشاهد الحرب التي يعرفها الجمهور، وإنما من خلال الحكايات التي جرت خلف الشاشة، وغيّرت شكل التجربة أو مسارها قبل أن تصل إلى الجمهور.
«أبناء الصمت».. عندما خرجت الكاميرا من الاستوديو إلى قلب التجربة
لم يكن التحدي أمام المخرج محمد راضي في «أبناء الصمت» مجرد تقديم قصة تدور خلال الحرب، وإنما محاولة الاقتراب بصريًا ودراميًا من أجواء المواجهة نفسها.
ولهذا اتجه فريق العمل إلى مواقع حقيقية مرتبطة بالحرب، بدلًا من الاكتفاء بالديكورات والاستوديوهات، واستفاد من ترتيبات وإمكانات عسكرية في تنفيذ عدد من المشاهد، وهو ما منح الفيلم طبيعة مختلفة عن الأعمال التي كانت تعتمد بالكامل على إعادة بناء أجواء المعارك داخل مواقع التصوير.
واستمر العمل على مشاهد الحرب لفترات طويلة، وسط ظروف تصوير لم تكن سهلة، لتصبح عملية صناعة الفيلم نفسها جزءًا من التحدي الذي واجهه فريقه.
لكن القيمة الحقيقية لـ«أبناء الصمت» لم تكن في حجم المشاهد الحربية فقط، وإنما في اختياره الاقتراب من الجنود باعتبارهم أصحاب حياة ومشاعر وانتظارات، وليسوا مجرد شخصيات تتحرك داخل مشهد معركة.
الفيلم، الذي عُرض عام 1974، جمع محمود مرسي ونور الشريف وأحمد زكي ومحمد صبحي وميرفت أمين، وقدم الحرب من منظور إنساني يضع حياة الجنود في مقدمة الحكاية.
«الرصاصة لا تزال في جيبي».. كيف تحولت الحرب إلى حكاية إنسانية؟
ارتبط «الرصاصة لا تزال في جيبي» في ذاكرة الجمهور بصورة مباشرة بانتصار أكتوبر، لكن الفيلم لم يتعامل مع الحرب باعتبارها مجموعة من مشاهد المعارك فقط.
وبطولة محمود ياسين وحسين فهمي وصلاح السعدني ويوسف شعبان ونجوى إبراهيم، وإخراج حسام الدين مصطفى، جاء العمل في محاولة للانتقال بالشخصيات من آثار الهزيمة إلى لحظة الانتصار، وهو ما منح الفيلم بُعدًا نفسيًا يتجاوز الحدث العسكري.
أما خلف الكاميرا، فكان تنفيذ مشاهد الحرب تحديًا خاصًا، خاصة مع الحاجة إلى صناعة صورة مقنعة لحدث وقع قبل فترة قصيرة من إنتاج الفيلم.
وتكشف شهادات مرتبطة بالعمل عن الاستعانة بإمكانات مختلفة لتنفيذ المؤثرات والمشاهد الحربية، فيما تحدثت نجوى إبراهيم في تصريحات سابقة عن مشاركة أكثر من مخرج في تنفيذ أجزاء من الفيلم، من بينهم حسام الدين مصطفى وخليل شوقي، إلى جانب مخرج إيطالي تولى مشاهد المعارك.
وبذلك لم يكن الرهان على الفيلم في استعادة لحظة النصر فقط، وإنما في تحويل الحرب إلى حكاية عن جيل عاش الهزيمة، ثم وجد نفسه أمام لحظة تاريخية غيّرت المشهد بالكامل.
«العمر لحظة».. الحرب من وجهة نظر مختلفة
اختار «العمر لحظة» أن يبتعد نسبيًا عن المعالجة المباشرة للحرب، وأن ينظر إليها من خلال الإنسان الذي يعيش على هامشها ويتأثر بها.
الفيلم، الذي قامت ببطولته ماجدة وأخرجه محمد راضي، تناول شخصية صحفية تقترب من حياة الجنود وتتابع ما يحدث على الجبهة، لتصبح الصحافة والحياة المدنية جزءًا من الحكاية إلى جانب المواجهة العسكرية.
لكن أحد أكثر جوانب التجربة خصوصية ارتبط بالفنان محمد خيري، الذي شارك في البطولة وكان يمتلك خلفية عسكرية قبل دخوله مجال الفن.
هذه الخلفية أضافت بُعدًا مختلفًا إلى تعامله مع الشخصية وأجواء الفيلم، خصوصًا أن العمل تناول حرب الاستنزاف ومقدمات حرب أكتوبر والساعات الأولى من المواجهة.
كما خاضت ماجدة التجربة من موقع يتجاوز التمثيل، بعدما شاركت في إنتاج الفيلم، وارتبط تصوير عدد من مشاهده بظروف صعبة في سيناء.
وهنا تكمن أهمية «العمر لحظة»؛ فالفيلم لم يسأل فقط، ماذا حدث في الحرب؟ وإنما حاول أن يطرح سؤالًا آخر، ماذا تفعل الحرب بالإنسان وحياته وعلاقاته؟
«أيام السادات».. أحمد زكي لم يكتفِ بتجسيد شخصية قائد النصر
رغم أن «أيام السادات» ليس فيلمًا حربيًا بالمعنى التقليدي، فإن حرب أكتوبر تمثل واحدة من أهم محطاته، باعتبارها اللحظة التي يقدم خلالها الفيلم جانبًا أساسيًا من سيرة الرئيس الراحل أنور السادات.
لكن خصوصية التجربة تبدأ من صاحب الدور نفسه؛ فأحمد زكي لم يتعامل مع الفيلم باعتباره بطولة فقط، وإنما دخل أيضًا في تجربة إنتاجية جعلت المشروع يحمل مخاطرة شخصية ومادية بالنسبة له.
وكان التحدي أمامه أكبر من مجرد الوصول إلى الشبه الخارجي مع السادات؛ فالشخصية تمتد عبر مراحل زمنية وسياسية مختلفة، وكان عليه أن يقدم تحولات الشخصية وصولًا إلى مرحلة حرب أكتوبر، بما تحمله من قرارات وأحداث سياسية وإنسانية.
واستغرق تصوير الفيلم نحو ثلاثة أشهر، وشارك في بطولته ميرفت أمين ومنى زكي، وأخرجه محمد خان.
ومن هنا يختلف «أيام السادات» عن بقية الأفلام الموجودة في هذه القائمة؛ فالحرب داخله ليست الهدف الوحيد، وإنما جزء من سيرة رجل ارتبط اسمه بأحد أهم القرارات في تاريخ مصر الحديث.
«حائط البطولات».. الفيلم الذي خاض معركته الخاصة قبل أن يصل إلى الجمهور
إذا كانت حرب أكتوبر نفسها استمرت أيامًا، فإن «حائط البطولات» خاض رحلة أطول بكثير قبل أن يراه الجمهور.
الفيلم، الذي أخرجه محمد راضي، وتناول دور قوات الدفاع الجوي خلال حرب الاستنزاف والاستعداد لحرب أكتوبر، بدأ إنتاجه في أواخر التسعينيات، لكنه لم يصل إلى الشاشة في الموعد المتوقع، وظل لسنوات بعيدًا عن الجمهور.
وبعد فترة طويلة، عُرض الفيلم، لتصبح قصة إنتاجه وتأخر عرضه جزءًا من تاريخه.
لكن اللافت أن الفيلم نفسه اختار زاوية مختلفة عن عدد كبير من أعمال أكتوبر؛ فلم يركز فقط على لحظة العبور، وإنما عاد إلى مرحلة حرب الاستنزاف وتطور قوات الدفاع الجوي والاستعداد للمعركة، ليقدم صورة عن السنوات التي صنعت الطريق إلى النصر.
وبذلك أصبح «حائط البطولات» حالة سينمائية لافتة؛ فيلم يتناول معركة عسكرية انتهت في أيام، بينما احتاج هو نفسه إلى سنوات طويلة حتى يخوض معركته الأخيرة مع العرض.
5 أفلام.. و5 حكايات خلف الشاشة
عند إعادة النظر في هذه الأعمال، تظهر صورة مختلفة عن سينما أكتوبر؛ فالقيمة لا تكمن فقط في مشاهد المعارك التي حفظها الجمهور، وإنما في القصص التي صاحبت صناعة كل فيلم.
«أبناء الصمت» اختار الاقتراب من أجواء الحرب والجنود، بينما حوّل «الرصاصة لا تزال في جيبي» آثار الهزيمة والانتصار إلى حكاية إنسانية، أما «العمر لحظة» فقدم الحرب من نافذة الصحافة والحياة المدنية، في حين جعل «أيام السادات» من أكتوبر محطة أساسية في سيرة قائد النصر، بينما امتلك «حائط البطولات» حكايته الخاصة خارج الشاشة، بعدما انتظر سنوات طويلة قبل أن يصل إلى الجمهور.
لم تكتفِ السينما المصرية بتسجيل لحظة النصر، وإنما قدمت عبر أكثر من فيلم صورًا مختلفة للجندي، والأسرة، والصحفي، والقيادة، والمجتمع، لتتحول هذه الأعمال بمرور السنوات إلى جزء من الذاكرة البصرية المرتبطة بذكرى 6 أكتوبر.
وربما لهذا السبب تحديدًا تعود هذه الأفلام إلى الواجهة كل عام؛ ليس لأنها تحكي حدثًا يعرفه الجميع فقط، وإنما لأن وراء كل مشهد منها قصة إنتاجية وفنية تستحق أن تُروى من جديد.






