فن ومنوعات

في ذكرى ميلاد بليغ حمدي.. حكاية عبقري عشق الموسيقى وصنع تاريخًا

في السابع من أكتوبر عام 1931، شهد حي شبرا بالقاهرة ميلاد واحد من أبرز الأسماء التي صنعت تاريخ الموسيقى العربية، الملحن والموسيقار بليغ حمدي، فمنذ طفولته، ظهرت ملامح شغفه المبكر بالموسيقى، لتقوده موهبته لاحقًا إلى رحلة فنية حافلة بالألحان الخالدة والتجارب الموسيقية المتفردة.

نشأ بليغ حمدي وسط أجواء ثرية بالتراث الموسيقي الشرقي، وبدأ خطواته الأولى في دراسة الموسيقى بمدرسة «عبد الحفيظ إمام للموسيقى الشرقية»، قبل أن يتتلمذ على يد الشيخ درويش الحريري، الذي أسهم في تشكيل وعيه الموسيقي وتعريفه بأصول الموشحات والألحان الشرقية الأصيلة، لتبدأ من هناك ملامح رحلة فنان استطاع فيما بعد أن يترك بصمة لا تُمحى في وجدان الجمهور العربي.

ولم يكتفِ بليغ الصغير بإتقان العزف على العود في سن مبكرة، بل جمع بين الطابع الأكاديمي والمهني، فدرس بكلية الحقوق بالتوازي مع التحاقه بمعهد فؤاد الأول للموسيقى (المعهد العالي للموسيقى العربية حاليا)، مما صقل ذائقته وشكّل هويته الفنية.

التجديد والبصمة

لم يكن بليغ حمدي مجرد ملحن يمر في تاريخ الموسيقى، بل كان ثورة تجديدية نجحت في صهر الأصالة الفلكلورية مع الروح الشبابية المعاصرة، تميزت ألحانه بالجمل الموسيقية السلسة والشجية القريبة من وجدان الشارع والعاطفة الإنسانية التي تعبر عن الشارع، فلم يحصر نفسه داخل القالب الشرقي التقليدي، بل جَرُؤ على إدخال الآلات الحديثة ودمج الإيقاعات الفلكلورية المصرية والعربية ببراعة وذكاء.

ولم تقف حدود إبداعه عند الغناء الفردي، بل امتدت لمساته السحرية لتصنع الموسيقى التصويرية لأشهر الأفلام السينمائية، المسرحيات، والمسلسلات الإذاعية والتلفزيونية التي حفرت مكانة خالدة في الذاكرة العربية.

رحلته مع الكبار

حظيت مسيرة بليغ حمدي بتعاونات تاريخية أثمرت عن روائع لا تزال حية حتى اليوم، فقد شكل محطة فارقة مع كوكب الشرق أم كلثوم عبر أعمال خالدة مثل «حب إيه»، «أنساك»، «فكروني»، و«سيرة الحب».

كما أحدث نقلة استثنائية في تجربة العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ من خلال روائع عاطفية ووطنية كـ «زي الهوا»، «موعود»، و«أعز الناس»، واقترن اسمه فنيًا، وإنسانيًا، ورومانسيًا بالمطربة وردة الجزائرية، ليتوج هذا الزواج بسلسلة غنائية فريدة.

ولم تقف ألحانه عند هذا الحد، بل امتدت لتصنع أمجادا غنائية لنجوم الوطن العربي مثل شادية، نجاة الصغيرة، صباح، ميادة الحناوي، وعفاف راضي.

أثر مستمر

رحل بليغ عن عالمنا في الثاني عشر من سبتمبر عام 1993، لكنه ترك خلفه تركة موسيقية ثرية وممتدة تجاوزت حدود الزمن، وجعلت تلك الذخيرة الخالدة منه «ملك الموسيقى» و«صانع نجاحات الغناء العربي»، ليظل اسمه حاضرًا في كل نغمة، وتستعيد الأجيال المتعاقبة ألحانه حتى اليوم كعلامة فارقة وإرث لا يُنسى في تاريخ الفن العربي.

زر الذهاب إلى الأعلى