فن ومنوعات

في ذكرى رحيل فاروق شوشة.. حكاية «لغتنا الجميلة» ورحلة نصف قرن مع الكلمة

في تاريخ الإذاعة المصرية هناك أصوات ارتبطت ببرامج بعينها حتى أصبح من الصعب الفصل بينهما، ويأتي الشاعر والإعلامي فاروق شوشة في مقدمة هذه الأسماء، بعدما نجح عبر برنامجه الشهير «لغتنا الجميلة» في تحويل اللغة العربية إلى مساحة يومية للاكتشاف والتأمل مقدمًا نموذجًا للإعلام الثقافي الذي يجمع بين المعرفة وجمال الأداء.

وفي ذكرى رحيله، التي توافق 14 أكتوبر، تعود مسيرته لتكشف عن تجربة جمعت بين الشعر والإعلام والعمل الثقافي وتركت بصمتها في وجدان أجيال من المستمعين.

فاروق شوشة
فاروق شوشة


من قرية الشعراء إلى الإذاعة المصرية

وُلد فاروق شوشة عام 1936 في قرية الشعراء بمحافظة دمياط، ونشأ في بيئة ارتبطت بالتعليم وحفظ القرآن الكريم، قبل أن يلتحق بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، التي تخرج فيها عام 1956، ثم حصل على دبلوم التربية من جامعة عين شمس.

بدأ حياته المهنية مدرسًا للغة العربية، قبل أن يلتحق بالإذاعة المصرية عام 1957 وفقًا لسيرة مجمع اللغة العربية، لتبدأ رحلة مهنية امتدت عبر عدد من المواقع الإعلامية والثقافية، وتدرج خلالها في المسؤوليات حتى تولى رئاسة الإذاعة المصرية في تسعينيات القرن الماضي.

شكّل برنامج «لغتنا الجميلة» إحدى أبرز المحطات في مسيرة فاروق شوشة، إذ بدأ تقديمه عام 1967، واستمر لعقود في تناول قضايا اللغة العربية، مستعرضًا نماذج من الشعر القديم والحديث ومقدمًا للمستمعين جوانب من ثراء العربية ومرونتها وجمال تعبيراتها.

لم يعتمد البرنامج على تقديم المعلومات اللغوية بصورة تقليدية، بل استند إلى ثقافة شوشة الشعرية وإلقائه المميز، ليجعل من القصيدة مدخلًا إلى اكتشاف اللغة

ومن الكلمة وسيلة للتواصل مع التراث الأدبي. وبذلك تجاوز «لغتنا الجميلة» حدود البرنامج الإذاعي ليصبح العنوان الأكثر التصاقًا باسم صاحبه في الذاكرة الثقافية المصرية.

ولم تتوقف تجربته عند الإذاعة، فقد قدم برنامج «أمسية ثقافية» على شاشة التلفزيون المصري منذ عام 1977، واستضاف خلاله عددًا من رموز الأدب والفكر والثقافة العربية، في تجربة أسهمت في توثيق جوانب مهمة من الحياة الثقافية.

فاروق شوشة
فاروق شوشة

رئاسة الإذاعة.. محطة في مسيرة إعلامية وثقافية

تدرج فاروق شوشة في المناصب الإذاعية، فتولى مسؤوليات في البرامج الثقافية، وعمل مديرًا عامًا للبرامج الثقافية، كما شغل مناصب قيادية داخل الإذاعة قبل وصوله إلى رئاستها.

ومثّل توليه هذا المنصب امتدادًا لمسيرة بدأت من خلف الميكروفون، وانتقلت إلى إدارة العمل الإعلامي بالتوازي مع اهتمامه بالشعر واللغة العربية. كما ارتبط اسمه بعدد من المؤسسات والهيئات الثقافية، من بينها مجمع اللغة العربية بالقاهرة ولجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، وجمعية المؤلفين والملحنين.

وتكشف هذه المحطات عن شخصية لم تحصر دورها في تقديم البرامج، وإنما جمعت بين الإبداع الأدبي والمشاركة في العمل الثقافي المؤسسي.

بالتوازي مع عمله الإعلامي امتلك فاروق شوشة تجربة شعرية امتدت لعقود، وصدرت له دواوين تناولت الحب والإنسان والوجدان العربي، من بينها «إلى مسافرة» الذي صدر عام 1966 و«العيون المحترقة» عام 1972 و«لؤلؤة في القلب» عام 1973 و«في انتظار ما لا يجيء» عام 1979 و«الدائرة المحكمة» عام 1983.

كما تضم تجربته دواوين «لغة من دم العاشقين» الصادر عام 1986 و«يقول الدم العربي» عام 1988 و«هئت لكِ» عام 1992 و«سيدة الماء» عام 1994 و«وجه أبنوسي» عام 2000، إلى جانب «الجميلة تنزل إلى النهر».

ولم تقتصر أعماله على الشعر الموجه للكبار، بل امتدت إلى الكتابة للأطفال، ومن أعماله في هذا المجال «حبيبة والقمر» كما قدم عددًا من الدراسات والمختارات الأدبية التي عكست اهتمامه بالشعر العربي وقضايا اللغة، من بينها «لغتنا الجميلة» و«لغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة» و«العلاج بالشعر» و«عذابات العمر الجميل».

حظيت تجربة فاروق شوشة بتقدير مؤسسات ثقافية وأدبية، فحصل على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 1986، وجائزة كفافيس الدولية للشعر، وجائزة محمد حسن فقي، كما نال جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1996، وتُوّجت مسيرته بحصوله على جائزة النيل في مجال الآداب عام 2016.

وتعكس هذه الجوائز تنوع تجربته بين الشعر والعمل الثقافي، وتؤكد حضور اسمه في المشهد الأدبي المصري والعربي، بوصفه شاعرًا لم ينفصل مشروعه الإبداعي عن انشغاله باللغة

فاروق شوشة
فاروق شوشة

ذكرى رحيل تتجدد معها قيمة الكلمة

رحل فاروق شوشة في 14 أكتوبر 2016، لكن تجربته بقيت حاضرة من خلال دواوينه وبرامجه وإسهاماته في الحياة الثقافية. وبعد سنوات من غيابه، لا تزال سيرة صاحب «لغتنا الجميلة» تستدعي سؤالًا يتجاوز استعادة الماضي كيف يمكن للإعلام أن يجعل الثقافة جزءًا من الحياة اليومية، وأن يقدم اللغة والأدب إلى الجمهور دون أن يفقدهما عمقهما وجمالهما؟.

ربما تكمن أهمية تجربة فاروق شوشة في إجابته العملية عن هذا السؤال، فقد جمع بين شاعرية الكلمة وحضور الإعلامي، وبين الاحتفاء بالتراث والانفتاح على الشعر الحديث، ليترك وراءه إرثًا يذكّر بأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل بل ذاكرة وهوية ومساحة مفتوحة للإبداع، وفي ذكرى رحيله، يبقى فاروق شوشة واحدًا من الأسماء التي ارتبطت في الوجدان.

زر الذهاب إلى الأعلى