
-
عمر بطيشة: العصر الذهبي للإذاعة كان في البدايات مع جيل المؤسسين
-
كل الشخصيات التي اخترتها في البرنامج تصلح أن يطلق عليها شاهد على العصر
-
في لقاء بمكتبة بالزمالك مع مبارك.. طلب منا إغلاق الميكروفونات وقال: «دققوا في اختيار المصطلحات»
-
لا توجد وسيلة إعلام تلغي وسيلة أخرى.. والإذاعة قادرة دائمًا على التطور والمواكبة
-
كل الشخصيات كانت شاهدة على العصر.. لكن أحمد زويل من أغلى اللحظات في تاريخي.. وأهم ما يميز شخصيته البساطة الشديدة وتواضع العلماء
-
زويل اختارني بالاسم لأكون ضمن البعثة الإعلامية الرسمية المحدودة لتغطية حصوله على «نوبل»
بمناسبة صدور كتابه «شهادتي على العصر»، يفتح الإعلامي والشاعر الكبير عمر بطيشة صفحات رحلته الطويلة في الإذاعة المصرية، والتي امتدت لأكثر من 60 عامًا، مستعيدًا خلالها أبرز محطاته المهنية والإنسانية، وذكرياته مع كبار الشخصيات التي التقاها وحاورها.
وفي حوار خاص مع «ليبرالي»، يتحدث «بطيشة» عن كواليس الكتاب، وبداية فكرته التي انطلقت من رغبته في توثيق حكايته لأبنائه وأحفاده، قبل أن تتحول إلى شهادة على عصر كامل، كما يكشف جانبًا من الذكريات والمواقف التي عاشها خلال مسيرته الإذاعية، وإلى نص الحوار..
كيف كان شعورك وأنت تضع نفسك مكان الضيف وتكتب «شهادتك الخاصة»؟ وما الذي دفعك لاختيار هذا التوقيت بالذات لنشر مذكراتك بعد مسيرة حافلة بدأت منذ عام 1965؟
في البداية، كان من المفترض أن يكون الكتاب لأحفادي وأولادي، إلى أن اتسع الأمر، بمعنى أنني في البداية كنت «عايز أعرفهم نشأتي في دمنهور ودراستي وبدايتي إيه»، وكانت هذه هي فكرة الكتاب.
لكن العملية تطورت، ووجدت نفسي دخلت على الإذاعة والفن والسياسة، وكبر الموضوع كما يقولون، بدأت الفكرة من أولادي وأحفادي، ثم تطور الأمر ليصبح لكل المصريين والقراء في أنحاء الوطن العربي.
ماذا يتضمن كتاب «شهادتي على العصر»؟ وما أبرز المحطات التي حرصت على توثيقها في صفحاته؟
كتبت الفصل الأول عن النشأة الأولى في مدينة دمنهور، وأقول إنها مدينة ثقافية من الطراز الأول، وأنها من أقدم المدن في مصر، وبها معالم فرعونية، فهي ثالث مدينة في العالم أُنشئت، وهي مدينة النبي إدريس.
وأحكي عن النشأة باستفاضة، وأحكي أيضًا عن تشابه الأحياء في مدينتي دمنهور بأسماء الأحياء في القاهرة، فمثلًا فيها القلعة، وفيها شبرا، وفيها أبو الريش.
ومن معالمها أيضًا الأوبرا الملكية التي افتتحها الملك فؤاد عام 1932، والتي تحولت فيما بعد إلى سينما ومكتبة كبيرة، وكانت المنبع الأول لثقافتي.
ما الأسرار التي نشرتها في الكتاب؟
مرة من المرات، في أواخر سنوات الرئيس مبارك، دعا رموز الأدب والإعلام إلى مكتبة بالزمالك، بحضور فاروق حسني، وزير الثقافة وقتها، طلب منا إغلاق الميكروفونات، وقال لنا:« أنا ملاحظ إنكم بتستخدموا جملة حكم العسكر، وهذا غير صحيح، لا يجب أن يطلق على الحكم في مصر؛ لأنه مدني، هذا التعبير ينطبق أكثر على إسرائيل، وفيها العسكر يتحكمون في كل شيء، في التعليم والزراعة والصناعة، دققوا في اختيار المصطلحات».
من الشخصية التي حاورتها وتصلح أن تطلق عليها «شاهد على العصر»؟
كل الشخصيات التي اخترتها في هذا البرنامج تصلح أن يطلق عليها «شاهد على العصر»، هناك شخصيات تتصل بي وتقول لي:« أنا أنفع أن أكون شاهدًا على العصر»، وقد نال البرنامج عدة جوائز في مهرجان القاهرة الأول، وعدة جوائز أخرى.
كيف ترى العصر الذهبي للإذاعة؟
كان في البدايات من خلال جيل المؤسسين، وأعتبره جيل الآباء المؤسسين، وكان ذلك في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي.
كانت هناك برامج مهمة مثل «جرب حظك»، و«ما يطلبه المستمعون»، و«على الناصية»، وبرامج أخرى كثيرة، ثم «إلى ربات البيوت»، وبعد ذلك جاء جيل الوسط ثم جيلي أنا، فكنا نكمل بعضنا البعض.
كيف ترى دور الإذاعة؟ وكيف تستطيع منافسة وسائل العصر؟
الإذاعة متطورة مع العصر، والإذاعة موجودة طوال الوقت، البعض تصور اختفاء الإذاعة مع ظهور التليفزيون، لكن لا توجد وسيلة إعلام تلغي وسيلة أخرى.
وهذا الكتاب يوثق شهادات وصراعات ومصارع الإعلاميين، ومن وقت قيام ثورة يوليو، حصل أن كثيرًا من الإذاعيين عُصف بهم، مثلًا، لو تتخيل «جلال معوض»، أشهر مذيع في مصر، «يمشوه» من الإذاعة، لما سُمي بثورة، والصحيح أنهم ومجموعة من الإذاعيين تعرضوا لدسائس، وكان هناك مثلًا مذيع مشهور جدًا يقال إنه يعمل في مجال الأحذية، وآخر في وزارة التموين.
تدرجت في المناصب حتى وصلت إلى كرسي رئيس الإذاعة المصرية؛ هل ترى أن بريق الميكروفون تراجع في عصر «السوشيال ميديا»، أم أن الإذاعة قادرة على الاحتفاظ بريادتها؟
أحب أن أرد على الشكوك حول قدرة الإذاعة على المنافسة في ظل هيمنة السوشيال ميديا ووسائل الإعلام البديلة، أقول لك إن الإذاعة قادرة دائمًا على التطور والمواكبة، فلا توجد وسيلة إعلامية تلغي أخرى؛ فكما استمرت الصحافة الورقية والمجلات بعد ظهور التليفزيون، تظل الإذاعة حاضرة بقوة وتتعايش مع كافة الوسائط الحديثة.
برنامجك الشهير «شاهد على العصر» استضاف كبار الرموز، كالشعراوي، ومصطفى محمود، وأحمد زويل؛ فمن هو الضيف الذي شعرت وأنت تحاوره أنه يمثل «العصر» بأكمله؟
أشعر بلا شك أن كل الشخصيات كانت «شاهدة على العصر»، لكن هناك الكثير من الذكريات التي جمعتني بالعالم الجليل الراحل الدكتور أحمد زويل، والتي تعد من أغلى اللحظات في تاريخي الشخصي والتاريخ المصري، كما إنني أفتخر دائمًا بكونه ابن بلدي وصديقي، وأن يكون أكبر قامة علمية في مصر بتاريخها الحديث.
ومن الكواليس الخاصة بليلة حصول الدكتور زويل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999 بالعاصمة السويدية ستوكهولم، أن الدكتور زويل اختارني بالاسم لأكون ضمن البعثة الإعلامية الرسمية المحدودة المعنية بتغطية الحدث.
وعقب انتهاء حفل التكريم، توجهت إلى غرفته بالفندق وأجريت معه حوارًا إذاعيًا حيًا امتد لساعتين على الهواء مباشرة عبر شبكة «البرنامج العام»، تحت عنوان «وسام على صدر مصر».
كما أن زويل كان منبهرًا بشدة وقادرًا على التواصل المباشر مع اتصالات المستمعين من مختلف محافظات مصر إلى غرفته في ستوكهولم، وتفاعله الشغوف مع تهانيهم واستفساراتهم حول ابتكاره لتقنية «الفيمتو ثانية».
وأهم ما كان يميز شخصية الدكتور أحمد زويل هو البساطة الشديدة وتواضع العلماء، وأنا كنت أرتبط بعلاقة صداقة قديمة معه منذ الصغر في مدينة دمنهور وعلى متن قطار الإسكندرية، ثم امتدت الصداقة خلال زياراته للقاهرة، حيث كان يحرص على التجول ببساطة في أحياء الحسين وخان الخليلي، وزيارة الأندية الرياضية ومشاركة المصريين تفاصيل حياتهم اليومية.
كما أنه كان شديد الحرص على تنمية الشباب والنهوض بالعلم في مصر، وهو ما تجسد في إصراره الكبير على تأسيس «جامعة زويل» لتوريث خبراته وأبحاثه للأجيال القادمة، وإيمانه المطلق بأن التعليم القوي هو الأساس الذي يبني العلماء ويمهد الطريق لتحقيق طموحاتهم العالمية.






