في وقت يشهد فيه الشارع السياسي المصري حديثًا متزايدًا عن مستقبل المدد الرئاسية وتداول السلطة، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 14 أكتوبر 2026، خلال الندوة التثقيفية الـ44 للقوات المسلحة، أن للدولة دستورًا وافق عليه المصريون ولن يمسه أحد، وكرر العبارة مرتين. والدستور الحالي لا يتيح له الترشح بعد انتهاء ولايته في عام 2030.
ويطرح هذا المشهد تساؤلًا حول مدى إمكانية امتداد فكرة تداول السلطة التي أكدها رئيس الجمهورية إلى الأحزاب السياسية، باعتبارها أحد المداخل الرئيسية لتجديد الحياة العامة وإعداد كوادر جديدة قادرة على تولي المسؤولية. فكما يمثل تحديد مدد القيادة وإتاحة الفرصة أمام أجيال جديدة ضمانة لتجدد المؤسسات، يمكن للأحزاب أن تستفيد من تبني قواعد واضحة للتداول الداخلي، وإجراء انتخابات تنافسية شفافة، وتحديد مدد شغل المناصب القيادية، بما يتيح الفرصة أمام الكفاءات الشابة للصعود إلى مواقع صنع القرار.
ولا يتعلق الأمر بمنع أبناء القيادات من ممارسة العمل السياسي، وإنما بضمان أن تكون الكفاءة والاختيار الحر، لا الروابط العائلية وحدها، أساس الوصول إلى المناصب، بما يعزز ثقة المواطنين في الأحزاب وقدرتها على تقديم بدائل سياسية وبرامج قابلة للتنافس.
الاصلاح والتنمية الحالة الأبرز
أعادت واقعة انتقال رئاسة حزب الإصلاح والتنمية هذا الملف إلى دائرة النقاش. فقد أعلن الحزب في 20 يونيو 2026 فوز النائب سامح السادات برئاسته خلفًا لوالده محمد أنور السادات، مؤسس الحزب ورئيسه السابق.
وقال الحزب إن انتخابات 2026 خُصصت لاختيار القيادات وشغل المناصب التنفيذية العليا، وأسفرت عن تولي سامي فاروق عطا الله منصب نائب الرئيس وعبير محمد منصب الأمين العام، إلى جانب رئاسة سامح السادات.
وتكتسب الحالة أهميتها من أن المنصب المنتقل هو رئاسة الحزب نفسها، لا موقع تنفيذي إلى جانب القيادة القائمة. ومع ذلك فإن وجود انتخابات داخلية يفرض التمييز بين انتقال القيادة داخل الأسرة عبر إجراءات انتخابية، وبين احتكار المناصب أو إقصاء المنافسين. والحكم على التجربة يتوقف على طبيعة المنافسة، وفرص المرشحين الآخرين، وشفافية الإجراءات.
المحافظين وإرادة جيل.. الأب والأبن في الحزب نفسه
في حزب المحافظين، يرأس المهندس أكمل قرطام الحزب بعد فوزه في انتخابات الجمعية العمومية في مارس 2026 بنسبة 83.7% من الأصوات، مقابل 15.73% لمنافسه مجدي حمدان. وفي أبريل من العام نفسه أعلن الحزب تشكيل المجلس الرئاسي للدورة من 2026 إلى 2030، وضم النائب إسلام قرطام، نجل رئيس الحزب، إلى جانب قيادات أخرى، موضحًا أن الأسماء عُرضت على الهيئة العليا ونالت موافقتها وفقًا للوائح.
أما في إرادة جيل فيتولى تيسير مطر رئاسة الحزب، بينما يشغل نجله النائب محمد تيسير مطر منصب الأمين العام، مع استمرار عضويته في مجلس النواب،. ويطرح هذا النموذج تساؤلات عن توزيع المسؤوليات بين القيادة السياسية والإدارة التنظيمية، ومدى إتاحة الفرصة أمام بقية الكوادر لتولي المواقع العليا.
الجيل الديمقراطي.. أب رئيسا وابن في الأمانة العامة
في حزب الجيل الديمقراطي، يترأس ناجي الشهابي، عضو مجلس الشيوخ، الحزب، بينما يشغل نجله الدكتور مصطفى الشهابي منصب الأمين العام المساعد، وهو أيضًا عضو في تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، وقد حضر اجتماعات قيادية للحزب برئاسة والده.
ومن ثم فإن ظاهرة التوريث العائلي داخل الأحزاب تتعارض مع التوجه الذي تؤكده القيادة السياسية، وهو أن العمل العام لا يورث، وأن المناصب ليست مفتوحة بلا نهاية. فالمسؤولية العامة تكليف مؤقت يخضع للكفاءة والمساءلة، وليست حقًا مكتسبًا ينتقل بالنسب أو القرابة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفعيل آليات واضحة للانتقال السلس للسلطة، لا في رأس الدولة وحده، بل في الحياة العامة والسياسية بأكملها، من خلال انتخابات داخلية حقيقية، وتحديد مدد للمناصب القيادية، وإتاحة الفرصة للكوادر الشابة. فالأحزاب التي تجدد دماءها وتحتكم إلى قواعد ديمقراطية داخلية تكون أقدر على كسب ثقة الناس، وأجدر بأن تكون شريكًا فعليًا في بناء الدولة الحديثة.





