في جلسة «حكايتها الخاصة» بالجونة.. هنا شيحة تكشف كيف اختارها محمد خان لـ«قبل زحمة الصيف»
لم تكن مقاييس الجمال التقليدية هي المعيار الوحيد الذي استند إليه المخرج الراحل محمد خان في اختيار ممثلاته، بل كان يبحث عن امرأة تبدو طبيعية، وقادرة على التعبير عن الشخصية التي يريد تقديمها، هذا ما كشفته الفنانة هنا شيحة، خلال مشاركتها في جلسة «حكايتها الخاصة.. المرأة في سينما محمد خان» ضمن فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي في شهادة تعيد فتح النقاش حول نظرته إلى المرأة وعلاقته بالممثلات اللاتي عمل معهن.
واسترجعت هنا شيحة تجربتها مع «خان» في فيلم «قبل زحمة الصيف» موضحة أن بداية تعاونهما جاءت مصحوبة بشيء من الرهبة، قبل أن يتحول اللقاء الأول بينهما إلى جلسة امتدت نحو ست ساعات وأسهمت في بناء علاقة إنسانية تجاوزت حدود العمل السينمائي.
هنا شيحة.. حين تكون طبيعية الشخصية أهم من الصورة النمطية
ومن أبرز التفاصيل التي روتها هنا شيحة أن محمد خان كان يبحث عن امرأة جميلة بصورة طبيعية، بعيدًا عن التصنيفات التقليدية التي تحصر الممثلات في أنماط محددة من الجاذبية، موضحة أنها ناقشته في الأمر، بينما أكد لها أن طبيعتها هي ما يجعله يراها مناسبة للشخصية التي يريد تقديمها.
وتكشف هذه الواقعة جانبًا من طريقة تفكير خان في اختيار الممثلات إذ لم يكن المظهر الخارجي، وفقًا لهذه الشهادة، منفصلًا عن تصوراته للشخصية وواقعها، فالجاذبية السينمائية لا تتوقف بالضرورة عند معايير شكلية جاهزة، وإنما يمكن أن تنبع من طبيعة الشخصية وطريقة حضورها داخل الحكاية.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من أنها تربط رؤية المخرج باختياراته العملية بدل الاكتفاء بوصف سينماه بأنها واقعية أو قريبة من المجتمع.

من «قبل زحمة الصيف» إلى «فتاة المصنع».. المرأة في قلب الحكاية
تتسع هذه القراءة عند العودة إلى أفلام محمد خان، التي وضعت شخصيات نسائية في قلب تجاربها الإنسانية والاجتماعية، ففي «فتاة المصنع» تظهر هيام، الشابة العاملة التي تجد نفسها في مواجهة أحكام المجتمع وتدخلاته في حياتها الخاصة، ولا تقتصر الحكاية على علاقة عاطفية، بل تمتد إلى نظرة المحيطين بالمرأة، وتأثير هذه النظرة في حياتها وقراراتها.
وفي «أحلام هند وكاميليا» يقترب خان من حياة امرأتين تنتميان إلى الطبقة الشعبية متتبعًا تفاصيل يومهما وطموحاتهما والظروف الاجتماعية المحيطة بهما، أما «بنات وسط البلد» فيمنح تجارب شابتين داخل القاهرة مساحة للتعبير عن أحلامهما وعلاقاتهما وتفاعلهما مع المدينة.
وعلى اختلاف هذه الشخصيات وظروفها، فإنها تتيح قراءة المرأة باعتبارها صاحبة تجربة مستقلة، لا مجرد امتداد لحكاية رجل، ومع ذلك فإن تقييم مدى استقلال كل شخصية يتطلب النظر إلى قراراتها ومصيرها داخل الفيلم، لا الاكتفاء بوجودها في مركز الأحداث.
ليلى علوي.. تفاصيل الواقع تصنع صدق الشخصية
ومن جانب آخر، تحدثت الفنانة ليلى علوي خلال الجلسة عن تجربتها في فيلم «خرج ولم يعد» مستعيدة تفاصيل من كواليس التصوير، من بينها تنفيذ مشاهد واقعية مرتبطة بالتعامل مع البط والحمار واستخدام الجرار.
وأشارت «علوي» إلى أن هذه التجربة علمتها أهمية روح الفريق والعمل بتلقائية، كما تحدثت عن حرص محمد خان على إدخال تفاصيل مستمدة من الواقع إلى الفيلم.
وتساعد هذه الشهادة على فهم جانب من أسلوب خان الإخراجي؛ فالتفاصيل اليومية لم تكن مجرد خلفية للأحداث، وإنما جزءًا من بناء العالم الذي تتحرك داخله الشخصيات، ومن هنا يمكن قراءة الواقعية باعتبارها عنصرًا يمنح الشخصيات مصداقيتها، ويجعل سلوكها أكثر اتصالًا بالبيئة التي تنتمي إليها.
ما الذي يجعل تجربة محمد خان قابلة لإعادة القراءة؟
تطرح جلسة «حكايتها الخاصة» سؤالًا يتجاوز الاحتفاء بمسيرة المخرج الراحل، وهو كيف يمكن للسينما أن تقدم المرأة بعيدًا عن القوالب الجاهزة؟ وتكشف شهادة هنا شيحة عن جانب من الإجابة من خلال تجربة اختيار الممثلة، بينما تقدم ذكريات ليلى علوي مدخلًا لفهم اهتمام خان بالتفاصيل الواقعية.
لكن أهمية التجربة لا تعني أن جميع شخصياته النسائية متشابهة أو أنها تمتلك الدرجة نفسها من الحرية والاستقلال، فكل شخصية تتحرك داخل ظروفها الخاصة، وتكشف اختياراتها وعلاقاتها ونهايتها عن طبيعة العالم الذي صاغه المخرج.
وبين المظهر الطبيعي الذي بحث عنه في اختيار ممثلاته والتفاصيل اليومية التي حرص على حضورها أمام الكاميرا، تظل سينما محمد خان مساحة مناسبة لإعادة التفكير في صورة المرأة المصرية على الشاشة كيف تُرى، وكيف تحكي تجربتها وإلى أي مدى تستطيع أن تصنع مصيرها داخل الحكاية؟.






