وراء ألحان البهجة حكاية مأساوية.. كيف خسر محمد فوزي مشروع عمره؟
في مثل هذا اليوم، رحل الفنان محمد فوزي، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا صنع البهجة في وجدان أجيال متعاقبة، بألحانه المميزة وأغانيه الخالدة للأطفال، إلى جانب حضوره اللافت على شاشة السينما، لكن خلف هذه الصورة المبهجة، تختبئ حكاية أخرى أكثر درامية، تكشف جانبًا مختلفًا من مسيرة فنان لم يكتفِ بصناعة الموسيقى، بل خاض معركة مبكرة من أجل استقلال الصناعة الموسيقية المصرية والتحرر من هيمنة الشركات الأجنبية واحتكارها لسوق الأسطوانات.
لم يكن محمد فوزي مجرد مطرب وملحن استثنائي، بل كان أيضًا رجل أعمال صاحب رؤية، أدرك أن نهضة الفن لا تكتمل بالإبداع وحده، وإنما بامتلاك أدوات إنتاجه وتوزيعه، ومن هنا بدأت رحلته في تأسيس صناعة موسيقية وطنية، وهي التجربة التي حملت في طياتها طموحًا كبيرًا وصراعًا اقتصاديًا وقانونيًا انتهى بفصل مأساوي في حياته، ليظل السؤال حاضرًا: كيف تحوّل مشروع فني رائد إلى واحدة من أكثر الحكايات درامية في تاريخ الموسيقى المصرية؟.

ثورة «مصر فون» وكسر الاحتكار
حتى منتصف الخمسينيات، كانت صناعة الأسطوانات في مصر تحت رحمة الشركات الأجنبية الكبرى، وكانت الأسطوانة تُباع للمستهلك بأسعار باهظة تصل إلى 90 قرشا، وهو ما كان يحصر الاستماع الموسيقي في طبقات معينة ويحرم الفنانين المصريين من العائد الحقيقي لمجهودهم.
من هنا ولدت فكرة مصنع الشرق الأوسط للأسطوانات «مصر فون» الذي أسسه محمد فوزي رسميا في أبريل 1959، برأس مال وطني وشراكة مع شركة «فيليبس» العالمية، ولم تكن الخطوة مجرد مشروع تجاري، بل كانت إعلانا لاستقلال الهوية الموسيقية المصرية أمام احتكار الشركات الأجنبية.
وأكد الكاتب الصحفي أشرف عبد الشافي، في دراسات توثيقية حول «فوزي»، أن المصنع أحدث فارقًا كبيرًا في السوق الفني، إذ استطاع «فوزي» إنتاج أسطوانات بمواصفات جودة عالمية، وبسعر زهيد لم يتجاوز 35 قرشا للأسطوانة الواحدة، هذا الفارق الهائل في السعر والتحكم خلق «ديمقراطية حقيقية» للاستماع، وفتح أبواب التسجيل لأجيال من المطربين المصريين والعرب الذين كانوا عاجزين عن تحمل تكاليف الإنتاج الأجنبي.
ولم تقتصر «مصر فون» على الإنتاج التجاري، بل امتدت لدعم التحرر العربي، فقد وضع فوزي ألحان نشيد الجزائر الوطني “قَسَماً” عام 1956، وقام بتسجيله وتوزيعه على أسطوانات عبر شركته دون أن يتقاضى أجرا، ليكون سندا صوتيا للثورة الجزائرية في محافلها الدولية.

معركة الملكية الفكرية
وبحسب شهادات مقربة ووثائق الأرشيف الإذاعي التي جمعها الكاتب الراحل وجدي الحكيم، نجح محمد فوزي بفضل مشروعه في استقطاب قامات الغناء العربي الكبرى، حيث سُجلت أعمال خالدة مثل أغنية «أنساك» لكوكب الشرق أم كلثوم عبر مصنعه، ما أثبت كفاءة البنية التحتية الوطنية التي أقامها.
وتزامن هذا النجاح مع سعي دائم من فوزي لإرساء قوانين واضحة تحمي الملكية الفكرية والمصنفات الفنية في مصر، محاربا القرصنة واحتكار الشركات الأجنبية لجهود المؤلفين والملحنين والمطربين، ليضع اللبنات الأولى لتنظيم سوق حقوق المبدعين.

مصر فون والتأميم
لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي سفن «فوزي»، ففي صيف يوليو 1961، وفي خضم موجة القرارات الاشتراكية وتأميم الشركات الكبرى، صدر قرار بتأميم مصنع مصر فون وتحويله إلى شركة حكومية أصبحت لاحقا شركة «صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات».
هذا التحول لم يكن مجرد خسارة مالية لفوزي بل كان طعنة في القلب، حيث روي الدكتور منير محمد فوزي، والمهندس نبيل فوزي، في لقاءات أرشيفية، أن تحويل مكتبه ومصنعه الذي سهر على بناءه وسعيه الدائم أن تكبر هذة الشركة إلى مجرد مكاتب حكومية، وتحويله هو نفسه إلى موظف يتقاضى راتبا ضئيلا لإدارة مشروعه السابق، قد كسر طموحه.
وأشار الشاعرجمال بخيت، في قراءاته لتلك المرحلة، إلى القسوة القانونية والنفسية التي واجهها فوزي جراء إجراءات التأميم، وكيف غاب الإنصاف المعنوي لرائد استثنائي لم يطلب سوى خدمة وطنه وفنه، وهذا الأثر النفسي المدمر إلى جانب شعوره بالجحود كان السبب في تدهور حالته الصحية واكتشافه لمرضه النادر «تليف خلف البريتون» الذي أنهى حياته بصمت في أكتوبر 1965 عن عمر ناهز 47 عاما فقط.

ينظر كل من هو مهتم بمشهد صناعة الموسيقى الرقمية وحقوق الملكية الفكرية اليوم عبر منصات البث الرقمي وأزمات المنتجين والمؤلفين، فيرى بوضوح كم كان محمد فوزي سباقا ومبتكرا قبل عقود طويلة عن غيره.
رحل فوزي مبكرا، وظلت أغانيه تملأ الدنيا بهجة، لكن تقرير اليوم يذكرنا بأن وراء الوجه الضاحك لـ «مامي سيتا» و«ذهب الليل»، كان يختبئ فنان وطني فذ ورجل مؤسسات، دفع ثمن ريادته من روحه وعمره، فهل نُنصف سيرته اليوم باعتباره المؤسس الحقيقي لصناعة الموسيقى في مصر الحديثة؟.






