«البرتقال في مرمى الآفة».. «الندوة العسلية» تُربك المزارعين وتهدد حصاد الشتاء
أرقام الموالح تترنح..3.7 مليون طن برتقال تواجه شبح «الآفة اللزجة»
على غير المعتاد، يستقبل شتاء هذا العام موسم البرتقال وسط مخاوف تهدد فرحة الحصاد، بعدما ألقت آفة «الندوة العسلية» بظلالها على بساتين الموالح، مهددةً جودة الثمار وسلامة المحصول، بفعل إفرازاتها اللزجة التي تتسبب في تشوه حبات البرتقال وبهتان مظهرها، فضلًا عن زيادة احتمالات تعرضها للعفن والسقوط، ومع اقتراب موعد جني المحصول، تتصاعد جهود المزارعين لمحاصرة الإصابة والحد من خسائرها، في سباق مع الزمن لإنقاذ الثمار قبل فوات الأوان.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة مع اقتراب مواسم حصاد أصناف البرتقال المختلفة؛ حيث يبدأ جني البرتقال «أبو سرة» عادةً خلال نوفمبر أو ديسمبر، ويستمر حتى فبراير أو مارس، فيما يمتد موسم البرتقال «البلدي» من ديسمبر حتى مارس أو أبريل من العام التالي، ما يضع المزارعين أمام تحدٍ للحفاظ على جودة المحصول وحمايته من التلف.
تخوف المزارعين، سرده الحاج متولي عبد العال، مزارع بقرية «بريم» بمركز كوم حمادة بمحافظة البحيرة، قائلًا:« إحنا بنصرف على الجنينة من دم قلبنا طول السنة، من كيماوي وري ومتابعة، وكل همنا نطلع محصول نضيف يفرحنا ويفرح الزبون في السوق، بس للأسف، السنة ديه شكلها ميطمنش».

الثمرة بدل ما تلمع بقت «مغبرة»
وأضاف «عبد العال» في حديثه لـ«ليبرالي»، أنه تفاجأ بتساقط أوراق الشجر والزرع في آن واحد متابعًا:«دخلنا على الشتاء وفجأة لقينا الزرع والورق كله مليان بالندوة العسلية دي، والثمرة بدل ما تلمع بقت مغبرة».
وبمرارة لفت «عبد العال» إلى ارتفاع مصاريف الإنفاق على الزرع، بينما الآفة ستُحد من بيع المحصول، قائلًا:« التاجر في السوق هيكون عاوز يشتري المحصول ببلاش بحجة إنها بايظة أو مش سليمة».
معاناة متواصلة تم سردها على لسان إبراهيم الشيمي، مزارع بقرية «شباس» بمركز دسوق بمحافظة كفر الشيخ، قائلًا:« الواحد بقى بيخاف يدخل الجنينة أصلاً من كتر ما المنظر يقطع القلب، والشجر كله لزق في بعضه والندوة العسلية مش بس بتأكل في الشجر، ده بتأكل في روح الفلاح إللي قاعد يستنى الشتاء من السنة للسنة عشان يفك ديونه».

بيع المحصول بثمن لا يكفي «المية إللي شربناها لشجر البرتقال»
وأكد «الشيمي» في حديثه لـ«ليبرالي»، أنه في حالة عدم إيجاد علاج سريع ومكافحة جيدة تقضي على مرض«الندوة العسلية»، سيُباع بثمن قليل لا يكفي ثمن «المية إللي شربناها لشجر البرتقال».
وفي السياق ذاته، قال الدكتور يوسف عطا الله، الباحث بمركز البحوث الزراعية، إن إصابة أشجار البرتقال بالندوة العسلية، تتمثل في ثلاثة عناصر، فالحشرات الماصة للعصارة تمثل أحد الأسباب المحتملة للإصابة، والندوة العسلية هي الإفراز السكري الناتج عن نشاط بعض هذه الحشرات، بينما يمثل العفن الهبابي الأثر الفطري الذي يظهر نتيجة تراكم تلك الإفرازات.
وأضاف «عطا الله» في حديثه لـ«ليبرالي»، مع اشتداد الإصابة، تتعرض الأوراق للاصفرار والتساقط، وتتأثر أحجام الثمار وجودتها وقيمتها التسويقية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن فاعلية برامج المكافحة، ومدى وصول الإرشاد الزراعي إلى المزارعين، وحجم الخسائر التي يمكن أن يتحملها أصحاب مزارع البرتقال في حال تأخر اكتشاف الإصابة أو التعامل معها بطرق غير مناسبة.

مصر تُنتج 3.7 مليون طن «برتقال» في الموسم
وأوضح الباحث بمركز البحوث الزراعية، أن خطورة الإصابة بالندوة العسلية على محصول البرتقال لا تقتصر على المظهر الخارجي للأشجار والثمار، وإنما تمتد إلى احتمالات تراجع جودة المحصول وقيمته التسويقية، خاصة في الحالات التي تنتشر فيها الحشرات المسببة للإفرازات السكرية على الأوراق والأفرع والثمار، وتسمح بظهور العفن الهبابي الذي يؤثر في المظهر الخارجي للثمار ويزيد من صعوبة تسويقها، لاسيما في الأسواق التي تشترط مواصفات محددة للجودة والشكل.
وتُعد مصر من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للبرتقال عالميًا، إذ بلغ إنتاجها نحو 3.7 مليون طن خلال الموسم التسويقي 2024/2025، ويُسجل الاستهلاك المحلي من البرتقال الطازج 1.15 مليون طن خلال الموسم ذاته، مع اتجاه كميات أكبر من المحصول إلى التصدير والتصنيع لإنتاج العصائر والمركزات
ووفقًا لبيانات التجارة الدولية لعام 2025، أظهرت البيانات تصدير قرابة الـ 1.66 مليون طن من البرتقال خلال الفترة من سبتمبر 2024 حتى نهاية يوليو 2025، بإجمالي 766.8 ألف طن من البرتقال بقيمة 857.4 مليون دولار.

عدم الاكتفاء بإزالة آثار العفن الظاهرة
وشدد «عطا الله»، على أن التعامل مع الإصابة يتطلب تحديد الحشرة المسببة لها بدقة، وعدم الاكتفاء بإزالة آثار العفن الظاهرة، لأن استمرار الحشرات التي تفرز الندوة العسلية يؤدي إلى تجدد المشكلة، منوهًا بأهمية الفحص الدوري للأشجار، ومتابعة العلامات المبكرة للإصابة، والاستعانة بمهندسي الإرشاد الزراعي لتحديد أسلوب المكافحة المناسب، مع الالتزام بالمبيدات المسجلة للمحصول والجرعات وفترات الأمان المقررة.
وأفاد الباحث بمركز البحوث الزراعية، بأن التأثير المحتمل لا يتوقف عند البرتقال وحده، إذ يمكن لبعض الحشرات التي تصيب الموالح أن تنتشر على أشجار اليوسفي والليمون وغيرها، وفقًا لنوع الآفة والظروف المحيطة بالمزرعة، لافتًا إلى أن ظهور الإصابة في بستان يستدعي فحص الأشجار المجاورة ومتابعة تطور الحالة، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مشكلة محدودة في شجرة أو مجموعة صغيرة من الأشجار.
وأوضح «عطا الله»، أن الأضرار الاقتصادية تظهر في صورة ارتفاع تكاليف المكافحة والعمالة، وزيادة احتياجات الفرز والتنظيف، واحتمال تراجع القيمة التسويقية للثمار المصابة، بحسب شدة الإصابة ومدى انتشارها وموعد اكتشافها، بخلاف أن تأخر التدخل يجعل السيطرة على الإصابة أكثر صعوبة، وهو ما يرفع الأعباء التي يتحملها المزارع مقارنة بالتعامل المبكر والمنظم.
ورصدت«ليبرالي»، أن البرتقال الأخضر هو المتاح حاليًا في بعض الأسواق، ويتراوح سعر الكيلو ما بين 25 و35 جنيهًا، حسب المنطقة ومستوى البيع، في حين قال عدد من التجار، إن باقي أصناف البرتقال لم تنتشر بعد بصورة واسعة، في ظل عدم طرح المحصول الرئيسي للموسم الجديد بكميات كبيرة، لافتين إلى أن الأسعار ستتحدد مع زيادة المعروض وانتشار الأصناف المختلفة من البرتقال في الأسواق.

تأخر التعامل مع بؤر الإصابة يسمح بانتقالها خلال فترة قصيرة
بدوره، قال الدكتور مهدي عبد الرؤوف عجوة، الخبير الزراعي وعضو معهد بحوث البساتين التابع لمركز البحوث الزراعية، إن العفن الهبابي الذي يصيب أشجار الموالح يرتبط بظهور الندوة العسلية الناتجة عن إصابة الأشجار بعدد من الآفات الحشرية، أبرزها المن والحشرات القشرية والبق الدقيقي، لافتًا إلى أن هذه الحشرات تفرز مواد سكرية على أجزاء الشجرة، تمثل بيئة مناسبة لنمو الفطريات التي تظهر في صورة طبقة سوداء على الأوراق والثمار.
وأضاف «عجوة» في تصريحه لـ«ليبرالي»، أن التعامل مع العفن الهبابي بمعزل عن الحشرات المسببة للندوة العسلية، لن يُعالج أصل المشكلة، إذ يمكن أن تعود الإصابة مع استمرار وجود الآفة وإفرازاتها على الأشجار، وهو ما يجعل تحديد الحشرة المسببة ومكافحتها خطوة أساسية في الحد من تكرار ظهور العفن.
وحذر الخبير الزراعي من سرعة انتشار بعض الآفات، خاصة حشرة «المن»، منوهًا بأن التأخر في التعامل مع بؤر الإصابة يسمح بانتقالها إلى أشجار أخرى داخل المزرعة خلال فترة قصيرة، الأمر الذي يتطلب المتابعة المستمرة لأشجار الموالح، والانتباه إلى العلامات الأولى لوجود الحشرات، وعدم الانتظار حتى تتسع رقعة الإصابة وتزداد صعوبة السيطرة عليها.

تبني برامج وقائية تستهدف الآفات المسببة للندوة العسلية
وشدد «عجوة»، على أن مكافحة العفن الهبابي لا ينبغي أن تقتصر على التعامل مع الطبقة السوداء الظاهرة على أجزاء الشجرة، بل يجب أن تنطلق من التعرف على مصدر الندوة العسلية والآفة المسؤولة عنها، لأن استمرار الحشرات في إفراز المواد السكرية يهيئ الظروف لتجدد نمو الفطريات، ومن ثم، فإن نجاح المكافحة يرتبط بالتعامل مع السبب الأساسي للإصابة، وليس الاكتفاء بمظاهرها الخارجية.
وأشار الخبير الزراعي إلى أهمية تبني برامج وقائية تستهدف الآفات المسببة للندوة العسلية، بدلًا من الانتظار حتى ظهور الأعراض بصورة واضحة على الأوراق والثمار، موضحًا أن التدخل المبكر يساعد على الحد من انتشار الحشرات وتقليل احتمالات تفاقم الإصابة، فضلًا عن تجنب ارتفاع تكاليف المكافحة التي قد يتحملها المزارع عندما تتسع الإصابة داخل المزرعة.
وأكد «عجوة» أهمية الالتزام بالتوصيات الفنية الخاصة بمكافحة الآفات، وعدم اللجوء إلى استخدام المبيدات بصورة عشوائية، إذ يتطلب اختيار وسيلة المكافحة تحديد نوع الحشرة المستهدفة ومدى انتشارها، إلى جانب مراعاة التوقيت المناسب للتدخل، كما تبرز أهمية الاستعانة بالإرشاد الزراعي عند الاشتباه في الإصابة، بما يساعد المزارعين على تحديد المشكلة بصورة أدق، وتطبيق برنامج مكافحة يستهدف الآفة المسببة ويحد من احتمالات تكرارها.






