المحلل السياسي الإريتري سليمان آدم لـ”ليبرالي”: تحركات إسرائيل في القرن الأفريقي تهدف لإعادة رسم الخرائط ولابد من تحرك عربي

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع هشاشة الداخل في القرن الأفريقي، تبرز خطوة تعيين إسرائيل سفيرًا غير مقيم في أرض الصومال كإشارة تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية، لتفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول إعادة رسم خرائط النفوذ في محيط البحر الأحمر.

فهذه المنطقة، التي تمثل شريانًا للتجارة العالمية عبر باب المندب وصولا إلى قناة السويس، لم تعد مجرد ساحة تفاعل إقليمي، بل تحولت إلي نقطة ارتكاز لصراعات جيوسياسية معقدة، تتداخل فيها حسابات الأمن والسيادة والطموحات الاستراتيجية.

في هذا السياق المتشابك، أجريت “ليبرالي”، حوارًا مع الكاتب والمحلل السياسي الإريتري سليمان آدم، لقراءة معمقة لدلالات التحرك الإسرائيلي، وانعكاساته على توازنات المنطقة، وحدود تأثيره على مستقبل الاستقرار في واحدة من أكثر البقع حساسية على خريطة العالم.

إليكم نص الحوار:

بداية ما دلالة تعيين إسرائيل سفيرًا غير مقيم في أرض الصومال؟

في تقديري، لا يتعلق الأمر بخطوة دبلوماسية عادية أو مجرد رسالة رمزية، بل نحن أمام خطوة سياسية واستراتيجية خطيرة، هذه الخطوة تأتي ضمن محاولة أوسع لإعادة هندسة المنطقة بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية ومن يدعمها، خاصة في إطار السعي لإيجاد موطئ قدم قريب من المدخل الجنوبي لـباب المندب، لذلك يجب قراءة هذه الخطوة من زاوية أمن البحر الأحمر، وليس فقط في إطار العلاقات الثنائية.

هل يمكن فهم هذه الخطوة كاعتراف غير مباشر بأرض الصومال؟

في الواقع، لا يمكن وصفها باعتراف غير مباشر، لأن الاعتراف قد تم بالفعل، إسرائيل اعترفت بأرض الصومال في ديسمبر الماضي، ثم جاءت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي في يناير، إضافة إلى سلسلة من الاتصالات والزيارات، وعليه، فإن تعيين سفير غير مقيم يمثل حلقة جديدة ضمن مسار يهدف إلى ترسيخ وجود فعلى في هذا الإقليم ذي الأهمية الاستراتيجية.

كيف كان رد فعل الصومال؟

الصومال بدأ بالفعل تصعيد تحركاته الدبلوماسية على عدة مستويات، ويمكن قراءة زيارات الرئيس الصومالي إلى مصر والسعودية وتركيا في هذا الإطار، كما أدانت الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي هذه الخطوة، واعتبرتاها انتهاكَا لسيادة الصومال ووحدة أراضيه ومخالفة للقانون الدولي.

هل هناك أطراف تدعم هذا التوجه؟

بالتأكيد، لا يمكن تصور أن إسرائيل تتحرك منفردة في ملف بهذه الحساسية، هناك أطراف إقليمية ودولية تدعم هذا المسار، بعضها بشكل معلن وأخرى من خلف الكواليس، وهنا لا بد من الإشارة إلى دور إثيوبيا، التي كانت من أوائل من حركوا هذا الملف عبر مذكرة التفاهم مع أرض الصومال في يناير 2024، والتي تضمنت منحها منفذًا بحريًا مقابل الاعتراف بها، ورغم تعثر هذه الخطوة بفعل التحرك الدبلوماسي الصومالي، فإن الطموح الإثيوبي لا يزال قائمًا، ويمكن  فهمه في إطار محاولات أوسع لإعادة رسم الخريطة السياسية في القرن الأفريقي.

ما أهمية الموقع الجغرافي لأرض الصومال؟

الموقع هو جوهر القضية، فأرض الصومال تطل على خليج عدن وقريبة من باب المندب، وهو أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية، الممتد بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس، من يملك نفوذا في هذه المنطقة يقترب من التحكم في شريان حيوي للطاقة والتجارة العالمية، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بها.

أين يأتي دور إريتريا في هذا المشهد؟

إريتريا معنية بشكل مباشر، لأن أي مساع إثيوبية للحصول على منفذ بحري سيادي تمثل تهديدًا لها ولغيرها من دول المنطقة، لذلك تنظر أسمرا إلى ملف أرض الصومال كجزء من محاولات أوسع لتغيير موازين القوى، ومن هنا يمكن فهم التقارب بينها وبين مصر ودول أخرى مطلقة على البحر الأحمر، باعتباره تحركًا استباقيًا لحماية السيادة والأمن الإقليمي.

ماذا عن تأثير انسحاب إريتريا من إيجاد؟

منظمة إيجاد لم تعد فاعلة كما كانت، وخروج إريتريا زاد من ضعفها ما خلق فراغًا إقليميًا،  هذا الفراغ يفتح المجال أمام تحركات منفردة، سواء من دول داخل المنطقة أو قوى خارجية، بعيدًا عن إطار جماعي قادر على ضبط التوازنات.

هل نحن أمام إعادة تشكيل لخريطة النفوذ في المنطقة؟

نعم ، هناك مؤشرات واضحة على ذلك، الاعتراف بأرض الصومال، وما يحدث في السودان، والمساعي الإثيوبية للحصول على منفذ بحري، كلها ملفات تبدو منفصلة، لكنها في الواقع مترابطة، لأنها تدور حول السيطرة على الممرات البحرية والموانئ ومناطق النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ما السيناريوهات المتوقعة؟

من الصعب التنبؤ بدقة، لكن السيناريو الأقرب هو استمرار التصعيد السياسي والدبلوماسي، وليس مواجهة عسكرية مباشرة في المدى القريب، ومع ذلك يبقي خطر تحول أرض الصومال إلى ساحة صراع بالوكالة قائمًا، خاصة إذا ارتبط الأمر بوجود أمني أو استخباراتي إسرائيلي.

كيف سنعكس ذلك على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية؟

أي وجود إسرائيلي بالقرب من باب المندب قد يجعله هدفًا لقوى معادية مثل الحوثيين، ما قد يؤدي إلى تصاعد التوتر في البحر الأحمر، ويؤثر سلبًا على الملاحة الدولية وحركة التجارة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل البحري.

ماذا عن تأثير ذلك على المواطن العادي؟

أي اضطراب في البحر الأحمر سينعكس مباشرة على اقتصادات الدولة المطلة عليه، بما يعني ارتفاع أسعار السلع وتكاليف النقل وتراجع حركة التجارة، وربما زيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، في النهاية، المواطن هو من يتحمل كلفة هذه الصراعات.

هل تتجه المنطقة نحو الاستقرار أم الفوضي؟

الاحتمالان قائمان، لكن الاتجاه الحالي يميل إلى مزيد من السيولة وعدم الاستقرار، ما لم يحدث تنسيق جاد بين الدول المعنية، وعلى رأسها مصر والسعودية وإريتريا والسودان والصومال. 

فإذا نجحت هذه الدول في بناء موقف مشترك يحترم السيادة ويرفض تغيير الحدود بالقوة، قد تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء نظام إقليمي أكثر توازنًا.