القطن والقمح.. القصة الكاملة للمحو الوراثي وتدمير السلالات الزراعية المصرية

في أحد الحقول الممتدة في دلتا النيل، حيث كانت الأرض يوما ما تحتضن عشرات الأصناف المحلية من القمح والأرز والذرة، استمر المزارعون في الحديث عن “التقاوي الجديدة” و”الهجن عالية الإنتاج”، خلف هذا التحول الزراعي الهادئ ظاهريا تختبئ قصة أعمق وأكثر تعقيدا وهي قصة المحو الوراثي وتغير السلالات الزراعية في مصر.

يكشف التقرير المعمق التحولات الزراعية أسباب تراجع مستوى بعض المحاصيل الزراعية أو استبدالها واستيرادها من الخارج مثل القمح والقطن واستيراد التقاوي الهجينة وتأثيرها على الزراعات المحلية وجودتها والإنتاج، في هذا التقرير لـ”ليبرالي” تم استخدام أداة التحليل الشبكي والنمذجة الإحصائية والتنبؤ كنموذج من نماذج الهندسة الجنائية.

التحليل الشبكي ونمذجة التقاوي

تم توظيف التحليل الشبكي لرسم خريطة العلاقات بين شركات استيراد التقاوي، ومسارات سلاسل الإمداد الزراعي، والجهات الوسيطة في السوق المحلي، بهدف تتبع الاعتماد المتزايد على الأصناف المستوردة مقارنة بالمحلية.

واعتمدت النمذجة الإحصائية على بيانات رسمية من تقارير التجارة الزراعية وبيانات وزارة الزراعة و”الفاو”، والتي تشير إلى أن واردات مصر من القمح تتراوح بين 10 إلى 12 مليون طن سنويًا، مقابل إنتاج محلي يقارب 9 إلى 10 ملايين طن، بينما يتجاوز الاستهلاك 20 مليون طن سنويًا.

وفي ملف القطن، انخفضت المساحات المزروعة من أكثر من 2 مليون فدان تاريخيًا إلى نحو 300–350 ألف فدان في بعض المواسم، ما يعكس تراجعًا كبيرًا في الاعتماد على السلالات التقليدية.

كما أظهرت بيانات التقاوي أن الاعتماد على الأصناف الهجينة المستوردة ارتفع بشكل تدريجي في محاصيل الخضر والذرة خلال العقدين الأخيرين، بالتوازي مع انخفاض واضح في زراعة الأصناف البلدية.

وقد كشف التحليل الشبكي عن وجود تركز في سلاسل التوريد لدى عدد محدود من الشركات والموردين في سوق التقاوي، ما أدى إلى تقليل تنوع مصادر البذور المتاحة للمزارعين.

وتشير النماذج التنبؤية، بناء على اتجاهات الاستيراد الحالية، إلى احتمال استمرار تراجع التنوع الوراثي للمحاصيل المحلية إذا لم يتم توسيع الاعتماد على البذور البلدية وبرامج حفظ الجينات الزراعية.

المحو الوراثي

وفقا لتعريف منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” فإن المقصود بالمحو الوراثي”Genetic Erosion” هو تراجع أو اختفاء السلالات المحلية لصالح عدد محدود من الأصناف التجارية في مصر، لم يحدث ذلك فجأة، بل عبر عدة عوامل متراكبة منها: توسع استخدام التقاوي الهجينة المستورد، سياسات تشجع الإنتاج الكثيف بدل التنوع الزراعي، تراجع الاهتمام بحفظ البذور البلدية، واعتماد المزارعين على الشركات بدل إعادة استخدام البذور التقليدية.

مع الوقت، اختفت أصناف كانت شائعة مثل بعض سلالات القمح البلدي والأرز المحلي، أو أصبحت تُزرع في مساحات ضيقة جدًا أو في محطات بحثية فقط، كما تأثرت بعض الزراعات في إنتاجها مثل الذرة.

بداية القصة؟

يشير المهندس الزراعي حسام رضا في كتابه”السلالات الصهيونية” إلى أن القطاع الزراعي في مصر شهد تراجعا خطيرا خلال الفترة من 2000 إلى 2010، خاصة في محصول القطن المصري طويل التيلة، نتيجة استيراد سلالات أجنبية، وخاصة من إسرائيل أدت -بحسب الدراسة – إلى تدهور إنتاجية الفدان وحدوث ما وصفه بـ”المحو الوراثي” لبعض السلالات المصرية الشهيرة، ما ساهم في تراجع مكانة القطن المصري عالميا، كما تناول الكتاب تداول بعض المبيدات المحظورة والخطيرة، مثل “كاردريل” و”تترا كلورفينوس”، المرتبطة بأمراض وأورام سرطانية، إضافة إلى الحديث عن استخدام هرمونات زراعية رغم حظرها قانونيًا وفق القانون رقم 590 لسنة 1984، ويرى الكاتب أن هذه الممارسات أثرت سلبًا على الأمن الزراعي المصري والمحاصيل الاستراتيجية على المدى البعيد.

يقول المهندس أسامة مراغي، الاستشاري الهندسي والخبير الزراعي، إن توريد الحبوب أو السلالات الأصلية من المحاصيل المصرية لا يمنح أي دولة القدرة على إنتاج نفس الجودة أو الخصائص الوراثية بشكل مستدام، موضحًا أن البيئة الزراعية ليست مجرد “بذور” فقط، بل منظومة متكاملة تشمل المناخ، ونوعية التربة، وتركيب المياه، والرطوبة، ودرجات الحرارة، والعوامل البيئية المتراكمة عبر عقود.

يضيف” المراغي” أن هذه العناصر مجتمعة هي التي تمنح بعض المحاصيل المصرية، وعلى رأسها القمح، خصائصها المميزة، ولذلك فإن نقل الحبوب إلى بيئة مختلفة قد يؤدي إلى إنتاج محصول مشابه شكليًا، لكنه لا يحمل بالضرورة نفس الصفات الإنتاجية أو الجينية أو الغذائية التي تميز السلالة الأصلية في بيئتها المصرية.

تأثير السلالة الجديدة

من جهة أخرى، يقول المهندس محمود المرغني خبير زراعي، تبدو السلالات الجديدة المستوردة والقادمة إلى مصر كحلًا مثاليًا في نظر بعض المزراعين، فهي تحوي بإنتاج أعلى، شكل موحد، ونضج أسرع، لكن هذا المكسب السريع حمل معه خسارة بطيئة لا تظهر فورًا، التقاوي الحديثة غالبًا ما تكون، أقل تنوعًا وراثيًا، أكثر اعتمادًا على الأسمدة والمبيدات، أقل قدرة على التكيف مع التغير المناخي المفاجئ، ومع تكرار الزراعة من نفس النوع، تصبح المحاصيل أكثر هشاشة أمام أي مرض جديد أو موجة مناخية قاسية.

يُشير”مرغني” إلى المؤثر السلبي لاستيراد التقاوي أو الحبوب أو الهجين المستورد وهو إصابات الزراعات بالأمراض، مثل ما حدث وانتشر مرض الأرجوت في زراعة القمح، وانتقل عن طريق استيراد القمح من روسيا وأوكرانيا، كما تُعاني ثمرة الطماطم من إنتشار “ديدان” موطنها الأساسي من البرازيل، وكل تلك المؤثرات تؤدي إلى تقليل وضعف الإنتاج للزراعات المحلية المصرية.

يستطرد “المرغني” لقد حدث تدهور زراعي وراثي أثر على سلالات القمح والقطن، وأثر على بعض الزراعات، وهذا بسبب ضعف الإرشاد الزراعي وإهمال ودور المجتمعات الزراعية التي تركت المزراع فريسة للاجتهاد الشخصي دون توجيه لأفضل التقاوي، فأصبح المزراعين يتناقلون الخبرة الشخصية دون اللجوء لهم .

“تضعف الزراعات المحلية واحدة تلو الأخرى، عام وراء العام ويُصبح الإنتاج هشًا” هكذا يصف المرغني جودة التقاوي المستوردة”، أما عن المنتجات الهجينة فتتم عن طريق إنتاجها بأفضل الأصناف والتهجين فيما بينها للحصول على صفات القوة من الصنفين، مثل الزراعات التي تتحمل الملوحة مع كبر حجم الحبة، ويتم إنتاج صنف يحمل صنفين من القوة وهو ما يسمى”هجين”.

يتحدث”مرغني” عن ضعف الرقابة و استمرار تصدير البذور المصرية الأصيلة للخارج، حيث قامت الدول المستوردة بإنتاج هجين للحبة المصرية فنهضت زراعتها، مثلما فعلت دولة الهند من استيراد لبذرة القطن طويل التيلة من مصر.

يُشير المرغني، لوجود فجوة للوصول بين المراكز الحثية والمزارع وهي “الجمعيات الزراعية”، والتي تحول بين عملية الإنتاج ووضع فرص لأصناف جديدة من الهجين المحلي قيد التجربة على نطاق واسع بدلا من التقاوي المستوردة.

يؤكد “مرغني” من الضروري تنفيذ الحقول الإسترشادية ليرى الفلاح والمزراع بعينه قوة الإنتاج المحلي من الهجين والصفات الوراثية وقة الحمض النووي للإنتاج المحلي بديلا من الهجين المستورد، مشيرا إلى امتلاك مصر مراكز بحثية زراعية متقدمة منها مركز البحوث الزراعية والبنك الزراعي الوراثي، وكمثال محلي في محافظة سوهاج مركز بحث شندويل الزراعي يعملون بجهد في الإنتاج الزراعي” السنبلة كبيرة والحبة تُقارب الفول”.

شهد القطاع الزراعي تحولًا كبيرًا من الاعتماد على السلالات البلدية التقليدية إلى التقاوي والهجن التجارية المستوردة، خاصة في الخضر والذرة، وسط تحذيرات دولية من تراجع التنوع الوراثي الزراعي وتدهور بعض الأصناف المحلية القديمة.

القطن والقمح

الاستيراد المكثف في القطاع الزراعي أدى إلى تراجع الاعتماد على المحلي، ما أدى إلى تدهور وتراجع مستوى السلالات الزراعية مثل القمح والقطن وفقدت جزءًا من من نقاؤها التاريخي والجيني، مع تراجع المساحات الزراعية، بسبب اختلاط السلالات وانخفاض الجودة، يمكن تحسين جودة البذرة عن طريق البحوث الزراعية وبنك الجينات الزراعية، و إعادة إحياء الأصناف القديمة.

أكدت وزارة الزراعة المصرية خلال السنوات الأخيرة تنفيذ خطط للتوسع في زراعة القمح وزيادة إنتاجية الفدان عبر استنباط أصناف جديدة مثل “جيزة 171” و”سخا 95″، مع التوسع في التقاوي المعتمدة وتقليل الفجوة الاستيرادية. كما أعلنت الوزارة رفع سعر توريد القمح المحلي لتشجيع المزارعين على زيادة المساحات المزروعة.

شددت وزارة الزراعة على تنفيذ برامج لإحياء القطن المصري طويل التيلة والحفاظ على نقاء السلالات ومنع خلط التقاوي، مع تطبيق منظومة تداول حديثة لتحسين الجودة واستعادة مكانة القطن المصري عالميا بعد سنوات من التراجع في المساحات والإنتاج.

في ملف القطن، تراجعت المساحات المزروعة من مستوياتها التاريخية التي تجاوزت 2 مليون فدان (100% من الذروة) إلى نحو 300–350 ألف فدان فقط، أي ما يعادل 15%–18% من تلك المستويات، بما يعكس انكماشًا يتجاوز 80% من الرقعة المزروعة تاريخيًا.

وفي ملف القمح، تراجع معدل الاكتفاء الذاتي من نحو 60%–70% في منتصف القرن الماضي إلى حوالي 45%–50% حاليًا، مع اعتماد الدولة على استيراد أكثر من 50% من الاحتياجات السنوية، ما يجعلها ضمن أكبر الدول المستوردة للقمح عالميًا.

رغم هذا الاتجاه، لا تزال هناك محاولات للحفاظ على ما تبقى من التنوع الوراثي، توجد بنوك جينات زراعية ومراكز بحثية تعمل على حفظ وتوثيق الأصناف المحلية، كما بدأت بعض المبادرات الزراعية في العودة إلى الزراعة العضوية والتقاوي التقليدية.

القصة ليست مجرد تغيير في نوع القمح أو القطن أو غيره من الأصناف، بل هي تحول عميق في علاقة الإنسان بالأرض. فبينما تحقق السلالات الحديثة إنتاجا أعلى في المدى القصير، يظل التنوع الوراثي هو “صندوق الأمان” الحقيقي للزراعة في مواجهة المستقبل غير المتوقع.