
أعادت جريمة مقتل سيدة على يد طليقها القاضي السابق، فتح نقاشًا واسعًا وجدلا حول طريقة تناول بعض وسائل الإعلام لقضايا القتل خاصة ضد النساء، خصوصا عندما يرتبط ذلك بإدعاءات “الشرف”، “الخيانة”،”الدوافع الأسرية”، بدلا من التركيز على فعل الواقعة ذاته من القتل الذي يخضع للعقاب وفقاً للقانون، واتجهت التغطيات الإعلامية إلى إعادة سرد رواية القاتل بشكل تفصيلي، مع منح مساحة واسعة لتبريراته دون النظر في صوت ودفاع الضحية التي غابت ولم تعد موجودة للدفاع عن نفسها.
يشكل نمط المعالجة والتناول الإعلامي للسردية من وجهة واحدة “تحيزًا”، ما أثار انتقادات حقوقية وقانونية واسعة لم تكتف بفقدان التوزان المهني، بل وساهمت بشكل غير مباشر في “تطبيع” العنف ضد النساء والتبرير له، وخلق التعاطف مع الجاني حتى وإن كان ذلك الدافع، رُغمًا عنه، بحد وصفه إلا أنه يشكل تحيزًا، عبر ربط الجاني لمفاهيم الشرف أو الغضب أو الاستفزاز.
محاكمة الضحية
الادعاءات التي أكد عليها الجاني، حولت المسار من النظر في حادثة القتل كجرم إلى التركيز والانصراف نحو سلوك الضحية وحياتها الشخصية، أكثر من الانصراف في واقعة القتل نفسها، رغم أن كثير من المعلومات المتواردة على لسان الجاني ليس لها دليل مثبت.
يُعرف هذا السرد الإعلامي في الأدبيات الإعلامية والحقوقية بمفهوم “تشوية الضحية” أي نقل جزء من المسؤولية الأخلاقية أو الاجتماعية إلى الضحية نفسها، بما يخلق انطباعًا عامًا بأن الجريمة متوقعة أو ردفعل مفهوم أو أنه تبرير على ما حدث.
الخطورة لا تكمن في ظلم الضحية، بل في إعادة خطاب مجتمعي سائد يعتبر أن بعض النساء يمكن أن يتحملن المسؤولية والعنف الواقع عليهن.
تقول المحامية إيناس فخر الدين أن ماحدث من تلقي الإعلام للواقعة من لسان المتهم وتنقل حديثه دون استماع لدفوع المجني عليها يُشكل تحيزا لمسار القضية، حيث أن معظم ما قيل على لسان القاضي المتهم هو محض الادعاءات وليس هناك مايثبت ذلك من صحة الوقائع.

الدفاع عن الشرف
تُعد قضية الدفاع عن الشرف أكثر النقاط المُحاطة بالجدل وسط الخطابات الإعلامية والشعبية، لتقديم الجريمة باعتبارها دفاعًا عن النفس، لكن قانونيًا، لايعد الشرف مبررًا للقتل، ولايمنح لأي شخص إنهاء حياة الآخر خارج إطار القانون والقضاء.
من جهة أخرى فإن المعلومات المتواردة على لسان الجاني القاضي لم يتم التحقق منها ما يعد تحويلها إلى حقيقة إعلامية أمرًا أشد خطورة، بخاصة أن القضية لا تزال محل التحقيق والنظر القانوني.
يرى متخصصون في الإعلام أن تحويل مزاعم غير مثبتة إلى مادة لعناوين رئيسية في المواقع الإلكترونية يفتح الباب أما صناعة رأي عام منحاز، ويؤثر على فهم المجتمع للجريمة، بل وقد يخلق تعاطفا مع الجناة في المستقبل وتبرير تعديهم على المرأة وخاصة في قضية مثل قضية القاضي الذي قتل طليقته -ذلك قبل انتهاء الاجراءات القضائية-.
في نفس السياق، تشير نتائج بحثية من ضمنها دراسة تحليل خطاب الجريمة في الإعلام الرقمي حول قتل النساء عام 2025، ضمن أدبيات الإعلام والعنف القائم على النوع الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، في تحليل تغطية الجرائم وتفاعل الجمهور على وسائل التواصل الإجتماعي، أن طريقة التغطية الإعلامية تؤثر بشكل مباشر على نظرة المجتمع للضحية والجناة وتتسم بتفاعل التعليقات على السرديات والتي تتضمن لومًا للضحية وتؤثر على إدراك الجريمة وتجعل المتابعين أكثر تقبال لتبريرات الجانيً
ولحساسية تلك التغطيات، فإن المجلس الأعلى عمل على تنظيم التغطية الإعلامية وفق قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، إضافة إلى الأكواد المهنية الخاصة بتغطية الحوادث والجريمة والعنف الأسري، والتي تشدد على الدقة وعدم التشهير أو الانحياز.
كما أكد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في أكثر من مناسبة ضرورة الالتزام بالمعايير المهنية والأكواد الإعلامية عند تغطية الجرائم، وعدم نشر ما يؤثر على سير التحقيقات أو ينتهك الحياة الخاصة أو يتضمن تحريضًا أو تمييزًا ضد المرأة.

غياب صوت الضحية وهيمنة رواية واحدة
تعد المشكلة الرئيسية في القضية هيا غايب الضحية عن الحياة، وعدم استطاعتها الدفاع عن نفسها، بينما يمتلك الجاني القدرة على تقديم السردية كاملة، وفي بعض الحالات يستخدم الجاني خطابا عاطفيا لتبرير القتل بدافع الشرف مثلما حدث مع القاضي زوج شيماء جمال بإدعائه أنه كان يحافظ عن شرفه مبررا قتلها-وثبت عدم صحة إدعائه عليها-، لذا تشدد مواثيق الشرف الإعلامي في عدد من الدول ضرورة الفصل بين النقل وبين إعادة خطاب الجريمة أو منحها غطاءً إعلاميًا.
يرى الباحث الأكاديمي والإعلامي سامح عبد الرحيم أن السرد المنحاز في تغطية جرائم قتل النساء يحول رواية الجاني إلى “حقيقة اجتماعية” قبل اكتمال المسار القضائي، بما قد يساهم في تبرير العنف وتشويه صورة الضحية أمام الرأي العام.
وفي سياق متصل، أظهرت دراسة دولية حول تغطية العنف ضد النساء أن معظم المواد الصحفية تركز على “تفاصيل الإثارة” أكثر من التركيز على تحليل الظاهرة نفسها أو جذورها الاجتماعية والقانونية،كما أشار تقرير إعلامي عالمي نُشر عام 2026 إلى أن تغطية العنف ضد النساء في الإعلام الرقمي العالمي لا تزال “متدنية ومشوهة”، حيث لا تتجاوز نسبة القصص التي تتناول العنف ضد النساء 1.3% من إجمالي المحتوى الإخباري المنشور عالميًا، مع هيمنة أصوات الرجال والروايات المبررة للعنف في عدد كبير من التغطيات.
الأطفال صامتون
وسط الجدل الإعلامي، يغيب الأطفال عن الحديث والذين يجدون أنفسهم وسط صدمة نفسية وإجتماعية وإنسانية وفقدان للأب والأم، فهم فقدوا الأم ويواجهوا أيضًا تداولا إعلاميا مكثفا لتفاصيل حياتهم قد يبقى أثره لسنوات طويلة.
متخصصو الصحة النفسية يحذروا من أن نشر النزاعات الأسرية والاتهامات الأخلاقية في القضايا التي يمكن يكون بها الأطفال طرفًا غير مباشر قد تسبب أضرارًا نفسية عميقة خصوصًا إذا كانوا في سن صغيرة.
بينما يعتبر خبراء القانون أن إغلاق باب الاستماع الإعلامي للأطفال في هذه الحالة هو حماية لهم في قضايا لا يملكون القدرة على مواجهتها وقد تؤثر عليهم على المدى البعيد.
يؤكد أحمد عبد الوهاب باحث في علم النفس وسيكولوجيا الجريمة، أن تداول تفاصيل الحياة الخاصة أو الاتهامات المتعلقة بالشرف والخيانة بشكل واسع قد يدفع الأطفال لاحقًا إلى العزلة أو اضطرابات القلق وفقدان الشعور بالأمان، خصوصًا في المراحل العمرية المبكرة التي تتشكل فيها الهوية النفسية والاجتماعية. كما يشير إلى أن بعض وسائل الإعلام لا تراعي في تغطيتها ما يسمى “الصدمة الثانوية”، وهي الأضرار النفسية الناتجة عن إعادة تداول المأساة بصورة مستمرة أمام الأطفال ودوائرهم الاجتماعية،كما تشير الدراسات النفسية أن مررتكبي وقائع القتل في هذه الحالات يحملون أنماط متكررة من السلوكمنها النرجسية، السيطرة ، التملك، رفض الانفصال أو اضطراب نفسي انفعالي وإن ثبت لايلغي أو يمنح شرعية أخلاقية للفعل.
يرى عبد الوهاب أن المهنية الإعلامية في مثل هذه القضايا لا تعني فقط نقل الوقائع، بل حماية الأطراف الأكثر هشاشة، وعلى رأسهم الأطفال، عبر الامتناع عن نشر تفاصيل قد تتحول لاحقًا إلى عبء نفسي أو وصمة اجتماعية تلاحقهم لسنوات.

وقائع مشابهة
ليست هذه المرة الأولى التي تثير تغطية جرائم قتل النساء جدلا واسعا حول طريقة التناول الإعلامي للقضايا المرتبطة بالعنف الأسري، فقد شهدت السنوات الماضية عدة وقائع تحولت فيها الضحية صاحبة الحق إلى طرف يخضع للمساءلة والمحاكمة دون تواجدها للدفاع عن نفسها، عبر التركيز على حياتها الشخصية أو نشر روايات الجناة دون تحقيق كاف.
من أبرز تلك الوقائع واقعة مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها القاضي أيمن حجاج عام 2022 حيث شهدت التغطيات الإعلامية تداول ورايات تتعلق بسلوكها الشخصي دون سند حقيقي، بينما حاول المتهم تبرير الجريمة بدوافع مرتبط بالشرف والدفاع عن النفس والحفاظ على السمعة، لاحقا أثبتت التحقيقات أن تلك الإدعاءات لم تكن مبررا قانونيا للجريمة، وصدر الحكم بإدانته وإعدامه.
كما أثارت قضية طالبة المنصورة نيرة أشرف، التي قُتلت أمام جامعتها، نقاشًا مشابهًا، بعدما اتجه جزء من المحتوى المتداول على مواقع التواصل وبعض المنصات الإعلامية إلى إعادة نشر رسائل شخصية وصور ومعلومات لا ترتبط بالفعل الجنائي نفسه، بما اعتبره حقوقيون شكلًا من أشكال انتهاك خصوصية الضحية وإعادة إنتاج خطاب يحمّل النساء مسؤولية العنف الواقع عليهن.
تكررت الواقعة ولكن بشكل مختلف في قضية سلمى بهجت التي قتلت في الزقازيق على يد زميلها في شهر أغسطس عام 2022، وانشغل الرأى العام والخطاب الإعلامي بطبيعة العلاقة بين الجاني والمجني عليها بدلا من التركيز في واقعة مقتلها والجريمة التي أُرتكبت في حقها باعتبارها جريمة مكتملة الأركان، حيث خلق ذلك حالة من التعاطف مع الجاني عبر اعتبارهم ضحايا لحظة الغضب والاستفزاز.
تتشابهة وقائع القتل والتعدي على النساء وتناولها الخطاب الإعلامي بدوافع الدفاع عن الشرف أو غيره من الادعاءات التي تُظهر استقواء الذكور على النساء بدعوى “لحظة الغضب”، وأعتبره مختصون اختزالا للجريمة في رواية أحادية مصدرها الجاني قبل إكتمال التحقيقات وصدور الحكم النهائي، وذلك لإستغلال المادة المنشورة والمذاعة لمزيد من المشاهدات والمتابعات دون النظر في الشرخ المتعمق في جذور المجتمع وترسيخ تبريرات العنف ضد النساء.
هذه الوقائع دفعت منظمات حقوقية وخبراء إعلام إلى المطالبة بوضع معايير أكثر وضوحًا لتغطية جرائم قتل النساء، تقوم على عدم نشر اتهامات غير مثبتة، وحماية كرامة الضحايا وأسرهم، خاصة الأطفال.

التغطية وخطر التطبيع مع العنف
قضية قتل قاضي لطليقته، أعادت أيضًا طرح سؤال جوهري: ما الفرق بين نقل المعلومات وخدمة الجمهور، وبين صناعة خطاب يبرر العنف أو يعيد إنتاجه، والذي يشير لضرورة المعالجة المهنية عند تناول مثل تلك القضايا وتجنب تحويل الاتهامات غير مثبتة الحقائق، عدم استخدام لغة التبرير العاطفي لتبرير انتهاج العنف بدعوى الدفاع عن الشرف – والذي يعني أن أي شخص لديه خصومة مع أنثى يتحول إلى سافكًا لدمائها وأنه سوف ينجو بفعلته مع مجتمع يتسامح مع القتل بدعوى تبرير الدفاع عن الشرف-، و يرى متابعون أن هناك حاجة أكبر لتدخل الهيئات المنظمة للإعلام لوضع ضوابط أوضح للتغطيات المتعلقة بالعنف الأسري وجرائم قتل النساء، خصوصًا في ظل التأثير الكبير للإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.

الخطر الأكبر في بعض التغطيات لا يتمثل فقط في انحيازها، بل في مساهمتها غير المقصودة في “تطبيع” فكرة أن القتل قد يكون مفهومًا أو مبررًا في ظروف معينة، وهذا النوع من الخطاب قد يعزز ثقافة اجتماعية ترى في العنف حلًا للنزاعات الأسرية أو الأخلاقية.
في المقابل، فإن التغطية المسؤولة لا تعني إخفاء الوقائع أو تجاهل الدوافع، بل تعني تقديمها في إطار قانوني وإنساني متوازن، دون تحويل الجاني إلى ضحية، أو الضحية إلى متهمة بعد وفاتها.
في لحظة تتزايد فيها النقاشات حول العنف الأسري وحقوق النساء، تبدو طريقة تناول هذه القضايا أخطر أحيانًا من القضية نفسها، لأنها تشكل وعيًا عامًا قد يحدد كيف يرى المجتمع الضحية، وكيف يرى القاتل، وبين حق المجتمع في المعرفة، وحق الضحية في الكرامة، وحق الأطفال في الحماية النفسية، تظل المسؤولية الأكبر على الإعلام: هل ينقل الحقيقة بمهنية، أم يعيد إنتاج خطاب يبرر العنف ضد النساء بصورة غير مباشرة؟.





