
لم تكن أزمة تأخر صرف المعاشات التي تصدرت المشهد خلال الأسابيع الماضية مجرد مشكلة عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات مؤقتة قبل إجازة العيد، بل بدت بالنسبة لآلاف المواطنين اختبارا جديدا لقدرة المنظومة التأمينية على التعامل مع التحول الرقمي وتحديث قواعد البيانات دون أن يدفع أصحاب المعاشات الثمن.
فعلى مدار الأيام التي سبقت العيد، تكررت شكاوى المواطنين من تعطل صرف المستحقات، وظهرت طوابير أمام مكاتب التأمينات، وبينما أعلنت الجهات المعنية التعامل مع نحو 41 ألف حالة، يرى برلمانيون أن الرقم المعلن لا يعكس الصورة الكاملة للأزمة.
في هذا السياق، تقدم رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل الدكتور محمد فؤاد، بمذكرة رسمية إلى رئيس لجنة القوى العاملة بالمجلس، النائب محمد سعفان، طالب فيها ببحث التطورات الأخيرة التي شهدتها منظومة التأمينات والمعاشات، مؤكدا أن الأزمة تجاوزت بكثير حدود الرقم المعلن.

وأشار “فؤاد” في مذكرته إلى أن المتضررين لم يقتصروا على الحالات التي تم الإعلان عنها رسميا، بل امتدت المشكلات إلى فئات أخرى من الأرامل والمطلقات والمستحقين وأصحاب معاشات العجز، الذين واجهوا عقبات مرتبطة بربط الملفات وإدخال البيانات وتعطل بعض الإجراءات الإدارية اللازمة لاستكمال الصرف.
وقال رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل لـ”ليبرالي” إن ما جرى قبل العيد من تدخلات وإجراءات استثنائية ساهم في تخفيف حدة الأزمة مؤقتا، إلا أنه لم يعالج الأسباب الحقيقية التي أدت إليها، فبحسب المذكرة، لا يتعلق الأمر فقط بتأخر صرف مستحقات مالية، وإنما بوجود مشكلات تشغيلية أوسع داخل المنظومة التأمينية نفسها.
وتكشف تفاصيل المذكرة عن سلسلة من التحديات المرتبطة بإدخال الاستمارات الجديدة، وربط الملفات إلكترونيا، وتحديث قواعد البيانات، وإجراءات التسوية والصرف، وهي خطوات كان يفترض أن تسهم في رفع كفاءة الخدمة، لكنها تحولت في بعض الحالات إلى مصدر لتعطيل الإجراءات وإرباك المواطنين.
وتأتي هذه الأزمة في وقت تعتمد فيه الدولة بصورة متزايدة على التحول الرقمي في تقديم الخدمات الحكومية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى جاهزية البنية الإدارية والفنية لاستيعاب هذه التحولات دون التأثير على الفئات الأكثر احتياجًا للخدمة، وعلى رأسها أصحاب المعاشات والمستحقون.
وكشفت أزمة المعاشات الأخيرة عن إشكالية أعمق تتجاوز حدود تأخر الصرف أو تعطل الإجراءات، تتمثل في وجود فجوة واضحة في دقة البيانات والإحصاءات المرتبطة بالمستفيدين من منظومة التأمينات، فبينما جرى الحديث رسميا عن نحو 41 ألف حالة متضررة، أظهرت الشكاوى الواردة من الأرامل والمطلقات وأصحاب معاشات العجز ومستحقين آخرين أن نطاق الأزمة قد يكون أوسع من الأرقام المعلنة.

وفي هذا السياق أكد وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، النائب إيهاب منصور، أن أزمة المعاشات الأخيرة كشفت عن خلل واضح في منظومة البيانات والإحصاءات، مشيرا إلى أن الحكومة لا تزال تتعامل في بعض الملفات بأرقام تفتقر إلى الدراسات والتقديرات الدقيقة، وهو ما ينعكس سلبا على أصحاب المعاشات والمستفيدين من خدمات التأمينات.
وأضاف أن أزمة المعاشات لم تكن سوى نموذج لمشكلة أوسع تتعلق بضعف الحصر ودقة المعلومات، موضحا أن أي منظومة تضم ملايين المواطنين تحتاج إلى قواعد بيانات محدثة ودراسات دقيقة حتى لا تتحول الأخطاء الإدارية أو التقنية إلى أزمات تمس أصحاب المعاشات ومستحقي الحقوق التأمينية.
وشدد “منصور” على أن مصر تعاني من أزمة حقيقية في البيانات، واصفًا الأمر بأنه “كارثة” تؤثر على كفاءة التشريع وصنع القرار، لافتًا إلى أن غياب الحصر الدقيق لا يقتصر على ملف التأمينات، بل يمتد إلى ملفات أخرى مثل العمالة غير المنتظمة والتصالح في مخالفات البناء والثروة العقارية.


