الميزان التجاري ضد الواقع السياسي.. الصدمة الصينية الثانية تربك الحسابات الاقتصادية للقارة العجوز

في أعقاب اضطرابات لحقت بالصناعات الاستراتيجية الأوروبية العام الماضي عندما منعت الصين صادرات المعادن النادرة، الضرورية للتقنيات الخضراء وقطاع الدفاع، بالإضافة إلى الرقائق الإلكترونية المستخدمة في صناعة السيارات، يستعد الاتحاد الأوروبي لتحذير مواطنيه وشركاته من حرب تجارية محتملة مع الصين، في الوقت الذي بدأ فيه التكتل بدراسة إجراءات تقييدية جديدة ضد بكين تهدف إلى إعادة ضبط علاقة اقتصادية مختلة.

وتستعد المفوضية الأوروبية لإطلاق أداة جديدة للحد من اعتماد الاتحاد الأوروبي على الصين، حيث صرح رئيس قسم التجارة في الاتحاد الأوروبي، ماروش شيفكوفيتش، الجمعة الماضي، بأنه قد يطلب من الشركات التوريد من ثلاثة موردين مختلفين على الأقل، وبحث منع نقص المواد الحيوية من الصين، على الرغم من أنه لم يحسم بعد كيفية التعامل مع المقترح القانوني.

وقال “شيفكوفيتش” في منتدى بروكسل للأمن الاقتصادي، الذي نظمه مركز السياسات الأوروبية بالشراكة مع يورونيوز:” يتطلب التنويع الآن أداة مخصصة، وقد عززت القضايا الصناعية الأخيرة، ولا سيما إمدادات الرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة، قناعتي بضرورة إحداث تغيير جذري”.

وفي بادرة نادرة من الوحدة، يتفق العديد من سياسيي الاتحاد الأوروبي وصناع القرار وكبار المفكرين على نظرة متشائمة لمستقبل التكتل، فإنه إذا لم يتطور سريعًا لتعزيز تنافسية صناعاته وإنشاء قاعدة دفاعية حديثة، فسيجد نفسه متخلفًا وخاضعًا لهيمنة الولايات المتحدة والصين.

مع ذلك، قد تؤجج هذه الخطوة التوترات مع بكين، التي هددت بالفعل بالرد إذا أغلق الاتحاد الأوروبي سوقه أمام الشركات الصينية، كما أن شركات الاتحاد الأوروبي قد تحجم عن دعم مثل هذا الإجراء إذا ما زاد من تكاليف الإنتاج.

توتر الاتحاد الأوروبي
لا يقتصر التهديد الذي يواجه أوروبا على إمدادات الرقائق الإلكترونية فحسب، بل ينبع أيضًا من اعتماد المفوضية الأوروبية على المعادن الأرضية النادرة الصينية، التي تكرر وتصنع 90% منها في الصين، وخلال التوترات التجارية مع الولايات المتحدة العام الماضي، أوقفت الصين أيضًا صادرات المعادن الأرضية النادرة، استؤنفت الشحنات بعد أسابيع من المفاوضات، لكن الهدنة لم تقر إلا لمدة عام واحد، أي حتى أكتوبر 2026، مما يترك أوروبا تحت تهديد دائم.

وتزداد العلاقات بين الصين والاتحاد الأوروبي توترًا مع استعداد بروكسل لآليات جديدة لحماية نفسها من فائض الإنتاج الصيني المتزايد، حيث يواجه الاتحاد الأوروبي عجزًا تجاريًا قياسيًا بلغ 359.9 مليار يورو، ويواصل الاتحاد الأوروبي سعيه الحثيث لاستعادة تكافؤ الفرص مع بكين رغم الجهود المتواصلة للحوار.

كما تشتكي الشركات الأوروبية من ممارسات تجارية صينية غير عادلة، بينما حثت عدة دول أعضاء، من بينها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وليتوانيا، المفوضية الأوروبية على اتخاذ موقف أكثر صرامة من خلال أدوات جديدة لحماية التجارة.

وحذر ماريو دراجي، الذي ترأس البنك المركزي الأوروبي، خلال أزمة اليورو، من أن الفشل في المنافسة الاقتصادية مع الولايات المتحدة والصين سيؤدي إلى “معاناة بطيئة” يفقد فيها التكتل “سبب وجوده”.

كما أوصى “دراجي” بإنفاق إضافي يتراوح بين 700 مليار يورو و800 مليار يورو، أي ما يعادل 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، لتمويل الاستثمارات الضخمة اللازمة لسد فجوة الابتكار مع الولايات المتحدة والصين، وخطة لإزالة الكربون نظرًا لارتفاع تكاليف الطاقة التي تدفعها الشركات الأوروبية، مما يؤثر سلبًا على النمو، وتعزيز الأمن وتقليل الاعتماد على مصادر أخرى كإنتاج الرقائق الإلكترونية، حيث يتم تصنيع ما يصل إلى 90% من رقائق السيليكون عالميًا في آسيا.

وأظهر أحدث استطلاع أجرته غرفة التجارة التابعة للاتحاد الأوروبي في الصين أن 68% من الشركات الأوروبية اختارت البقاء في الصين أو توسيع أعمالها فيها.

سباق الدعم بين بكين وبروكسل
قدمت بكين دعمًا حكوميًا للشركات المحلية يفوق ثمانية أضعاف ما تلقته الشركات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “OECD” بين 2005 و2024، مما عزز حصتها السوقية في قطاعات تشمل الطاقة الشمسية وبناء السفن والصلب والألومنيوم، ومعدات الاتصالات وتوربينات الرياح، والفضاء والدفاع والسيارات.

ويعود ما يقرب من 60% من مكاسب الشركات الصينية في الحصة السوقية العالمية إلى الدعم الحكومي، وفقاً لتقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا الأسبوع، وعادة ما ترفض الصين اتهامات الدعم الحكومي، قائلة إن استخدامه ممارسة شائعة في جميع أنحاء العالم، وأن نهجها يتوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية.

وعلى نطاق أوسع تنظر بكين إلى إجراءات بروكسل كجزء من مسعى تقوده الولايات المتحدة لاحتواء صعود الصين من خلال تقييد وصولها إلى سلع مثل رقائق التكنولوجيا المتقدمة التي تحتاجها بكين لتحقيق أهدافها التنموية.

وصرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، في بكين الأسبوع الماضي، بأن مصطلحات كـ “تقليل المخاطر” و “تقليل الاعتماد” و “اختلال التوازن التجاري” ليست سوى مسميات مختلفة للحمائية، مضيفة أن المستهلكين في أوروبا سيتضررون، كما  ستواجه الشركات الصينية ارتفاعًا في التكاليف وتراجعًا في القدرة التنافسية على المدى الطويل.

الشراكة بين الصين والاتحاد الأوروبي
وفقًا لوزارة الخارجية الصينية، كان الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر سوق تصدير للصين العام الماضي، وتشير البيانات الصينية الرسمية إلى أن الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي نمت بنسبة 19% حتى الآن في عام 2026 مقارنةً بالعام الماضي، بعد أن ارتفعت بنسبة 8% في عام 2025 بأكمله.

وفي الوقت نفسه أفاد تقرير حديث صادر عن ” روديوم جروب” أن الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في أوروبا والذي يشمل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، ارتفع بنسبة 67% ليصل إلى 16.8 مليار يورو في عام 2025، مسجلاً أعلى مستوى له في سبع سنوات.

الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي
تتمثل إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجه الاتحاد الأوروبي في صعوبة التوصل إلى موقف موحد، حيث تسعى دول مثل فرنسا إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الصين، بينما لا ترغب دول تعتمد على التصدير مثل ألمانيا في استعداء بكين، وعلى الرغم من تضارب المصالح، بدأت ألمانيا تنفتح على فكرة اتخاذ إجراءات تجارية أكثر صرامة ضد الصين، وفقًا لمصدر مطلع على توجهات المستشار فريدريش ميرز، يتمثل الموقف الألماني في الحاجة إلى أدوات أقوى لحماية التجارة، وأن ألمانيا منفتحة على مناقشة آلية لمعالجة فائض الطاقة الإنتاجية.

وفي قمة الاتحاد الأوروبي التي ستعقد في بروكسل في وقت لاحق من هذا الشهر، سيقيم القادة ما إذا كان هناك أرضية مشتركة كافية لمنح رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، تفويضًا لصياغة مقترحات تجارية جديدة.

خلافات مستقبلية
هناك مشروعي قانون مقترحين من الاتحاد الأوروبي، ما يعرف بقانون تسريع الصناعة “IAA”، حيث يفرض سقفًا للملكية بنسبة 49.5% ونقلًا إلزاميًا للتكنولوجيا للاستثمارات الجديدة من دولة تساهم بنسبة 40% من الإنتاج العالمي في هذه الصناعة، وقانون الأمن السيبراني، يهدفان إلى تشديد وصول الشركات الصينية إلى سوق الاتحاد الأوروبي، كما تناقش المفوضية إمكانية استخدام أقوى أدوات الاتحاد الأوروبي التجارية، وهي آلية مكافحة الإكراه، التي قد تؤدي إلى فرض تعريفات جمركية، أو ضرائب جديدة على شركات التكنولوجيا، أو قيود محددة على الاستثمارات في الاتحاد الأوروبي.

وقد أثارا بالفعل تهديدات بالانتقام من بكين، وعقب اجتماع يوم الجمعة الماضي تعهدت الصين بالرد إذا أقدم الاتحاد الأوروبي على اتخاذ تدابير تجارية تقييدية جديدة.مما يزيد من احتمالية نشوب حرب تجارية إذا ما اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات إضافية.

حوادث سابقة
في عام 2025 استحوذت السلطات الهولندية على شركة “نيكسبيريا لصناعة الرقائق الإلكترونية” وسط مخاوف من احتمال قيام مالكها الصيني “وينغتك تكنولوجي” بنقل عمليات رئيسية وملكية فكرية إلى الصين، لترد بكين بحظر مؤقت لصادرات الرقائق الإلكترونية الأساسية لمنتجات شركة نيكسبيريا ولصناعة السيارات الأوروبية.

يتوقع أن تكثف الولايات المتحدة جهودها الرامية إلى منع أوروبا من التقارب مع بكين استراتيجياً أو اقتصاديًا، وتنظر واشنطن بشكل متزايد إلى النفوذ الصيني في أوروبا ليس فقط كتحدي اقتصادي، بل أيضاً كقضية جيوسياسية وأمنية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتوازن القوى المستقبلي داخل منظومة التحالف الغربي.

ويشكل هذا الأمر معضلة جديدة لأوروبا الوسطى والشرقية، فبينما لا تزال روسيا تمثل التهديد العسكري المباشر، قد تصبح الصين تدريجيًا أحد أهم التحديات الاستراتيجية طويلة الأمد التي تشكل مستقبل أوروبا السياسي والاقتصادي.

فعندما انضمت بكين إلى منظمة التجارة العالمية في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، نجت أوروبا من “الصدمة الصينية 0.1” ، وهي موجة الألعاب الرخيصة والمنسوجات والإلكترونيات الأساسية التي أضعفت الصناعات التحويلية منخفضة التكلفة في جميع أنحاء العالم المتقدم من خلال الارتقاء في سلسلة القيمة، هذه المرة لا يوجد مجال للتراجع فقد حذت الصناعات التحويلية الصينية حذو الصناعة الأوروبية في الارتقاء في تلك السلسلة، وهي الآن تنافس ما تبقى منها وهو ما يخلق “الصدمة الصينية 0.2″، والتي تتحول عالميا نحو الصين بعد أن سيطرت على نماذج الذكاء الاصطناعي الرخيصة وتعلبها في موازين التجارة والاقتصاد، وفي حال فشل أوربا في تعديل هذا الميزان لن تصمد أمام الصين وأمريكا.