محسن محيي الدين في أجرأ حوار لـ«ليبرالي»: اعتزلت الفن بسبب «آيات ورسائل من الله».. ورفضت احتكار يوسف شاهين لي

- محسن محيي الدين: الفن أصبح تجارة أكثر من كونه رسالة.. وكل عمل يجب أن يحمل قضية
- وفاة هالة فؤاد جعلتني أدرك أن الدنيا يمكن أن تنقلب في لحظة
- الممثل الذي يكرر نفسه يحترق فنيًا.. والاختلاف أساس المهنة
- نسرين اختارت البيت والأسرة.. والعمل في الفن كان عبئًا عليها
- الألقاب مثل نمبر وان والزعيم يصنعها الصحفيون.. والجمهور يعنيه العمل فقط
- شربت الفن من أيدي محمود المليجي وفؤاد المهندس ويوسف وهبي وفاتن حمامة
- الذكاء الاصطناعي يهدد الإبداع.. وقد يتسبب في اختفاء مهن فنية كاملة
- نصيحتي للجيل الجديد: لا تعيشوا يومًا بيوم.. المستقبل يتغير بسرعة
يعيش الفنان الكبير محسن محيي الدين، حالة من النشاط الفني، بالتزامن مع تقديمه أدوارًا مختلفة تكشف عن مساحات جديدة في موهبته، كان أحدثها دور طبيب الغلابة في مسلسل «بنج كلي»، إلى جانب مشاركته في مسلسل «عمرة رمضان».
وبين الحاضر ومحطات مشواره الطويل، يفتح محسن محيي الدين قلبه في حوار خاص لـ«ليبرالي»، يتحدث خلاله عن أسباب ابتعاده عن الفن وعودته، وعلاقته بجيله والأجيال الجديدة، وخلافه الفني مع يوسف شاهين، ورؤيته لتحولات المهنة، كما يكشف كواليس وأسرارًا من محطات فارقة في حياته الفنية والإنسانية، تُكشف لأول مرة وإلى نص الحوار:
في البداية.. ما الذي حمسك لدورك في مسلسل «بينج كلي»؟
أولاً، العمل يقدم دراما تتناول حياة الأطباء ومشاكلهم، والحالات التي يمرون بها، والصعوبات داخل المستشفيات بشكل جديد، وفي الوقت نفسه، ألعب دور مدير المستشفى، وهي شخصية تشبه تقريبًا شخصية الدكتور مشالي (طبيب الغلابة)، حيث يتعاطف مع المرضى، ويتبنى مبدأ أن الطب ليس تجارة، بل هي حالة إنسانية سامية وأسمى مهنة، لذلك، فرّغ حياته كلها لمهنته؛ فلم يتزوج ولم ينجب، وباتت المستشفى ومشاكلها وكيفية حلها، ومراعاة الظروف الصعبة للمستشفيات العامة هي محور حياته، وهذا الدور كان مغريا جدا بالنسبة لي.
تحب دائمًا الوجوه الجديدة، وتُشيد بسلمى أبو ضيف ودياب وغيرهم ممن تعمل معهم، ما الذي يميز هذا الجيل عن جيلكم؟
جيلنا يختلف تماما عن أي جيل جاء بعدنا، لأننا تعاملنا مع كبار الممثلين من العصر الذهبي مثل محمود المليجي ويوسف وهبي وغيرهم، وتعلمنا منهم الأسس الصحيحة، عندما تجد اليوم مواهب شابة في ظل ظروف مختلفة، فإنك تتعاطف معهم.
في جيلنا، كان لدينا مخرجون يحبون الممثل ويهتمون به ويدرسونه، أما في هذه الأيام فتجد اهتماما أكبر بتكوين الصورة (Composition) والإضاءة وغيرها على حساب الممثل، وبعض المخرجين اليوم يرون أن الأداء مسؤولية الممثل وحده، رغم أنه من المفترض أن المخرج القوي هو من يصنع ممثلين أقوياء، وما ميز هذا المسلسل هو أن المخرجة “نادين” تحب الممثل، ولأنها تأسست بشكل صحيح، فهي تمسك بزمام الممثل جيدا، وهذا أمر مهم جعل الجمهور يشيد بأداء الممثلين.
قدمت دور المتصابي، والرجل اللعوب، وقدمت أيضا الرجل الطيب البشوش.. هل هذا تمرد فكري؟
ليس تمردا فكريا، بل هذا هو أساس المهنة، الممثل يجب أن يقدم أدوارا مختلفة، وألا يراه الناس في كل مرة بنفس الشكل، الاستمرار في قالب واحد يؤدي إلى “احتراق” الفنان؛ فأغلب الفنانين الذين احترقوا فنيا كان سبب ذلك نجاحهم في دور معين، فاستمر المنتجون والمخرجون في حصرهم فيه حتى ملّهم الجمهور، عندما يسعى الفنان للاختلاف من دور لآخر ومن أداء لآخر، سيقدر الناس الجهد الذي يبذله.
جيلك كان مليئا بالنجوم «مثل عبد الله محمود وأحمد سلامة وغيرهم»، من كان الأشطر في جيلكم من وجهة نظرك؟
جميعهم كانوا «شطار»، لأننا تأسسنا على يد الأستاذة إنعام الجريتلي، التي دربتنا لنكون ممثلين شاملين، تعلمنا الموسيقى والموسيقى العربية مع رتيبة الحفني، والرقص مع الأستاذ أحمد نديم، بالإضافة إلى الأداء، والشعر، وحتى الإخراج، كنا مجموعة كبيرة، نصفنا يمثل في حلقة، والنصف الآخر يساعد في الإخراج، تعلمنا كل النواقص، مما جعلنا نعمل ونحن ندرك جيدا فن الإلقاء، وكيفية الإمساك بالشخصية، وصنع تاريخ وأبعاد نفسية واجتماعية لها.
بعد غيابك وعودتك، هل ترى أن السينما المصرية لم تستفد من قدراتك الاستعراضية والغنائية؟
كل زمن له شكله الخاص الذي يُفرض على الساحة، السينما المتاحة، والموسيقى الموجودة، وذوق الجمهور الذي يشاهد، كلها تفرز “توليفة” خاصة تناسب هذا الجيل.
هل كان ابتعادك عن الساحة الفنية بسبب تعرضك للمحاربة؟
إطلاقا، لم أتعرض لأي محاربة، وأنا معتاد على مثل هذه الأمور ولم أبتعد بسببها، ابتعادي كان بسبب آيات ورسائل من الله سبحانه وتعالى، جعلتني أدرك أنه يجب عليّ التوقف وقراءة الموقف بتمعن.
هل كانت وفاة الفنانة هالة فؤاد أحد الأسباب؟
نعم، كانت من ضمن الأسباب، لكن السبب الأول كان نجاح فيلم “شباب على كف عفريت” رغم كل الظروف التي وقفت ضده؛ فقد عُرض في سينما واحدة، في توقيت صعب «امتحانات ثانوية عامة وشهر رمضان»، وكانت تذكرته مرتفعة الثمن، ورغم ذلك نجح.
كانت هذه آية من الله لتجعلني أقف وأدرك أن النجاح ليس بذكائي، ثم جاءت حرب الخليج، فتوقفت السينما واختفى موزعو الخارج، وتغيرت الأمور لتظهر وجوه جديدة، والذين حاولوا إلحاق الضرر بي تضرروا هم أيضًا، انقلبت الموازين في لحظة، بعد ذلك مرضت هالة فؤاد، وكانت صديقة مقربة جدا، وتوفيت، هذا الموقف جعلني أدرك أن الدنيا قد تنقلب، وأن الإنسان قد يموت فجأة، فسألت نفسي: ماذا بعد؟ كان يجب أن أتوقف لأتعلم.
لماذا عُدت أنت بينما لم تعد السيدة نسرين «زوجتك» للتمثيل؟
نسرين منذ البداية لم تكن تحب العمل بصعوبة أو تحت ضغط، كانت تعمل في البداية من أجل تربية ابنتها، فهي في الأساس “بيتوتية” تحب المنزل، وأم حقيقية، ورغم موهبتها الكبيرة، إلا أن العمل في المهنة كان يشكل عبئا عليها، حيث بدأت العمل منذ كانت في الرابعة من عمرها، ووصلت لمرحلة اكتفت فيها تماما.
صرحت سابقا مازحا بشأن زواجها من محمد ضياء، وقلت:«يعني ما كنتيش قادرة تستني شوية؟»
«ضاحكًا» نعم، قلت ذلك في نفسي، كنت حينها صغيرا في السن واعتبرتها فرصة العمر، هي تزوجت صغيرة وتُرملت صغيرة، وتحملت مسؤولية ابنتها ومصاريفها في سن مبكرة جدًا.
هل شكل الفن الذي أحببته قد انتهي؟ وهل اختلفت علاقتك بالفن كرسالة؟
نعم، الفن اختلف تماما، أصبح تجارة أكثر من كونه رسالة، في رأيي، أي عمل تقوم به يجب أن يحمل رسالة، حتى الصحفي يجب أن تكون لديه رسالة، الدنيا ليست مجرد «لقمة عيش»، فنحن لم نُخلق لنأكل ونموت فقط، رسالتك كإنسان هي تعمير الأرض، وتعمير الأرض لا يعني البناء فقط، بل تقديم الفكر والثقافة والتوجيه والعقيدة للناس.
من أين تعلمت الحرية؟
تربيت على ذلك، والمهنة نفسها شكلتنا هكذا، المهم أن تفهم الحرية بشكل صحيح، الحرية لا تعني الخروج عن الإطار أو تكسير القواعد، فهذا يُسمى “بلطجة” أو “فسادًا”.
هل كان خلافك مع المخرج يوسف شاهين فنيا أم شخصيا؟
كان خلافا فنيا بالطبع، عندما تتخرج من الجامعة تود إثبات نفسك كمخرج وممثل وكاتب، وقد رفضت الاحتكار، الأستاذ شاهين كان يطلب منك البقاء بجانبه لمدة عام كامل من أجل فيلم واحد، في وقت كانت تُعرض علي أعمال كثيرة وكنت أخسرها.
بعد فيلم “إسكندرية ليه”، جلست ثلاث سنوات دون عمل مما أصابني باكتئاب، فاشترطت عليه ألا يمنعني من العمل خلال فترات التحضير لأفلامه، أذكر ما حدث مع صلاح السعدني في فيلم «المهاجر» حين ترك «أرابيسك» بسببه وحدث بينهما هجوم متبادل، كنت أصور سهرات تلفزيونية وأركب سيارة أجرة لأسافر للإسكندرية للتصوير، وأنام في القطار، وهذا كان يرهقني.
هل القيود الفنية بدأت بعد فيلم «وداعا بونابرت» أم «حدوتة مصرية»؟
في “حدوتة مصرية” كان الدور صغيرًا، لكن “التكتيفة” الحقيقية بدأت في «وداعا بونابرت»، واشتد الخلاف في «اليوم السادس» كانت لدي وجهة نظر، بينما كان هو يحاول فرض شخصيته، المخرج يتخيل المشهد بصوته وإضاءته وحركته، وأنا كممثل كنت أريد أن أحول الشخصية المكتوبة إلى حقيقة حية من خلال إحساسي وخيالي، وهنا كان يحدث التصادم.
ما هي أفضل 5 أدوار في حياتك بالترتيب؟
قدمت أدواراً كثيرة، وعندما أقدم عملاً لا أتوقف عنده طويلاً، لكنني أحب دوري في «الإسكندرية ليه”، و«اليوم السادس»، و«ليلة القبض على فاطمة»، و«شباب على كف عفريت»، و«اللعب مع الشياطين»، هذه الأعمال منحتني مساحة من الحرية والتناقضات.
ما هي نصيحتك للجيل الجديد؟
نصيحتي هي ألا يضيعوا أوقاتهم في التفاهات، العالم يتطور بسرعة شديدة وتحدث تغيرات كبرى، لا توقفوا عقولكم ولا تتوقفوا عن تثقيف أنفسكم، ولا تعيشوا «يوما بيوم»، يجب أن تفكروا لتعرفوا كيف ستسيرون مستقبلاً، لأن الحياة تتغير، وإذا وقفتم عند نقطة معينة فلن تستطيعوا التحرك.
من هو أفضل ممثل عملت معه؟
عملت مع قامات كثيرة وكلهم عباقرة؛ محمود المليجي، فؤاد المهندس، يوسف وهبي، عبد الوارث عسر، أحمد مظهر، شكري سرحان، توفيق الدقن، يحيى شاهين، وفاتن حمامة، وقد شربت الفن من أيدي هؤلاء الكبار، كما عملت مع الأجيال التالية مثل أحمد مظهر، شكري سرحان، وتوفيق الدقن، وكمال ياسين، وعقيلة راتب في المسرح، وأفضل ممثلة عملت معها كانت بالطبع سيدة الشاشة فاتن حمامة.
ما رأيك في الألقاب الفنية مثل «نمبر وان، وحش الشاشة، الزعيم»؟
هي ألقاب تُسعد الشخص نفسه، لكن الجمهور لا يبتكرها، بل الصحفيون هم من يطلقونها من باب التسويق وعملهم، الجمهور العادي لا يهمه من هو الأول أو الثاني؛ هو يشاهد العمل، فإن أعجبه شاهده وإن لم يعجبه انصرف عنه.
بصفتك منتجًا، لو أردت الإنتاج اليوم، فما القضايا التي ستطرحها؟
سأنتج أعمالاً تتناول مشاكل المجتمع، وتحديداً قضية «الشباب الضائع»، لقد حذرت من ذلك في فيلم “شباب على كف عفريت”، واليوم أرى أن الشباب باتوا بلا أسس، رغم ذكائهم ووسائلهم السريعة، إلا أنهم يلغون عقولهم، فاستخدام «الذكاء الاصطناعي» اليوم يوقف العقل ويلغي الإبداع الذي وهبه الله للإنسان ليتخيل الغيب.
الذكاء الاصطناعي كارثة تهدد بانقراض مهن كاملة كالممثلين والمخرجين والكتاب، وحتى في فرنسا صرح الرئيس ماكرون بخطورة ذلك على الإبداع السينمائي والتلفزيوني، فالخيال نعمة وضعها الله فينا لنشعر ونبدع، والآلة تدمر هذه الأحاسيس.









