«صراع الممرات».. كيف يُعاد رسم خريطة النفوذ العالمي؟ (1-10)
أصبح الصراع على الطرق التي تتحرك عبرها الطاقة والتجارة والغذاء والتكنولوجيا، وعلى الممرات التي تربط أجزاء العالم بعضها ببعض، أكثر أهمية هذه الأيام من الصراعات التي تُنفذ على الأرض.
ومن مضيق هرمز وباب المندب إلى قناة السويس وبنما، ومن مضيق ملقا وتايوان إلى البحر الأسود والقطب الشمالي وجرينلاند، تتشكل أمامنا خريطة جديدة لمناطق القوة والنفوذ.
إنها ببساطة حرب الممرات.
يُعد مضيق هرمز مثالًا واضحًا على ذلك؛ فالممر الضيق الذي يربط الخليج بالعالم يمكن أن يؤثر في أسواق الطاقة العالمية بأكملها، كما أن باب المندب لا تقتصر أهميته على اليمن والبحر الأحمر، بل يرتبط مباشرة بالطريق المؤدي إلى قناة السويس، وبالتالي بحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
وهنا تظهر أهمية مصر؛ فقناة السويس ليست مجرد مصدر لإيرادات العبور، وإنما واحدة من أهم عقد التجارة العالمية، ويرتبط أمنها بما يحدث في البحر الأحمر وباب المندب، كما أن موقع مصر يمنحها فرصة استثنائية إذا استطاعت تحويل هذا الموقع إلى منظومة متكاملة من الموانئ والخدمات اللوجستية والصناعة والطاقة.
ولو نظرنا بصورة أشمل إلى خريطة العالم، بعيدًا عن الشرق الأوسط الذي نعيش فيه، سنجد أن القصة أكبر كثيرًا، رغم أهمية المنطقة، فقناة بنما أصبحت جزءًا من المنافسة الأمريكية الصينية، بينما تحولت جرينلاند إلى نقطة اهتمام أمريكي متزايد بسبب موقعها في القطب الشمالي، الذي أصبح طريقًا بحريًا جديدًا ومهمًا نتيجة للتغيرات المناخية، فضلًا عن أهميتها العسكرية ومواردها الطبيعية.
وفي آسيا، يصبح مضيق تايوان والبحر الأصفر ومضيق ملقا جزءًا من صراع أكبر على التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، بينما يحتفظ مضيقا البوسفور والدردنيل بأهمية استثنائية في حركة الملاحة عبر البحر الأسود.
المعنى هنا أن الجغرافيا نفسها أصبحت سلاحًا.
وقد لا تحتاج دولة إلى احتلال ممر حتى تستخدمه كورقة ضغط؛ إذ يكفي أحيانًا أن يصبح المرور فيه خطرًا، فتتغير طرق السفن، وترتفع تكلفة التأمين والنقل، وتمتد آثار أزمة إقليمية إلى أسعار السلع والطاقة في دول تبعد آلاف الكيلومترات.
لهذا، لم يعد السؤال فقط: من يملك أكبر جيش؟ بل أصبح: من يملك مفاتيح الطريق؟
من هرمز إلى بنما، ومن باب المندب إلى جرينلاند، يتنافس الكبار على مفاتيح الحركة في العالم.
وقد يكون الصراع القادم أقل ارتباطًا بالسيطرة على الأرض، وأكثر ارتباطًا بالسيطرة على الطرق التي تجعل الاقتصاد العالمي ممكنًا.
وهذا هو صراع الممرات.
هذا الصراع الذي سنتناوله بالتفصيل في سلسلة جديدة من المقالات، نستعرض خلالها أهم الممرات والمضايق والقنوات والمواقع الجيوسياسية التي أصبحت اليوم جزءًا من صراع النفوذ العالمي، وكيف يمكن أن تؤثر التحولات حولها في مستقبل الاقتصاد والسياسة والأمن الدولي، كما نستعرض موقع مصر من هذه الخريطة المهمة والمتغيرة.





