عربي ودولي

أزمة ما بعد بريتوريا.. تحولات موازين القوى واتساع الصراع في شمال إثيوبيا

تدخل الأزمة الإثيوبية مرحلة جديدة مع تصاعد المواجهات في شمال البلاد، واتساع نطاقها من إقليم تيجراي إلى مناطق في عفر وأمهرا، بالتزامن مع تشكيل تحالف مسلح يضم سبع قوى كانت تنتمي إلى ساحات صراع ومصالح متعارضة.

ولا تبدو أهمية التطورات الحالية في حجم الاشتباكات وحده، وإنما في تزامنها مع أزمة سياسية وأمنية أوسع باتت تضغط على الترتيبات التي تأسست عقب اتفاق بريتوريا عام2022.

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن التصعيد الحالي هو الأخطر منذ انتهاء الحرب الإثيوبية التيجرانية السابقة، حيث شهدت الأيام الأخيرة مواجهات في جنوب تيجراي ومناطق حدودية مع عفر وأمهرا.

وأفادت مصادر دولية بسيطرة قوات تيجراي على عدد من المطارات في الإقليم وتعليق الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى تيجراي، كما امتد القتال إلى مناطق مثل أباالا وإيريبتي في عفر، غير أن قراءة المشهد باعتباره مجرد عودة للحرب السابقة، ستكون قاصرة؛ فتركيبة الصراع تغيرت بصورة جوهرية.

ففي 20 سبتمبر، أعلنت سبع جماعات مسلحة تشكيل «تحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، بهدف معلن يتمثل في إزاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية شاملة، ويضم التحالف الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، والحركة الوطنية لفانو في أمهرا، وجيش تحرير أورومو، إضافة إلى مجموعات من عفر وبني شنقول ـ قمز ومنطقة الصومال الإثيوبية.

تحالف غير مسبوق بين خصوم الأمس

تكمن أهمية التحالف الجديد في أنه يعكس تغييرًا في خريطة الاصطفافات أكثر مما يعكس مجرد إضافة تشكيل عسكري جديد، فالجبهة الشعبية لتحرير تيجراي وفصائل فانز ،خاضتا الحرب السابقة على جانبين متعارضين، قبل أن تتغير علاقاتهما مع الحكومة الفيدرالية بعد اتفاق بريتوريا، كما أن جيش تحرير أورومو يخوض منذ سنوات صراعًا منفصلاً مع الحكومة في أوروميا.

وبذلك أصبح العامل المشترك بين هذه القوى هو معارضتها للنظام السياسي القائم، رغم استمرار خلافاتها حول قضايا جوهرية، من بينها شكل الدولة، وترتيبات الحكم الفيدرالي، والمناطق المتنازع عليها، ومستقبل الأقاليم وصلاحيات المركز .

وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن هذه الخلافات قد تمثل تحديًا أمام تحول التحالف إلى قيادة عسكرية وسياسية موحدة.

ومن ثم؛ فإن التحالف يمكن فهمه في مرحلته الحالية باعتباره إطارًا لتنسيق الخصوم أكثر من كونه حبهة موحدة ذات قيادة عملياتية متكاملة، وهذه نقطة مهمة في تقييم قدرته على تغيير ميزان القوى؛ فالتوسع الجغرافي للأطراف المشاركة لا يعني بالضرورة وجود قدرة عسكرية مشتركة أو خطة سياسية متفق عليها.

عفر.. الجبهة التي توسع نطاق الصراع

يمثل انتقال المواجهات إلى عفر أحد أكثر التطورات دلالة، فالمعارك التي أُبلغ عنها في أباالا وإيريبتي تعني أن نطاق الاشتباك لم يعد محصورًا داخل الحدود الإدارية لتيجراي، بل بدأ يتصل بالممرات والمناطق الواقعة شرق الإقليم.

وقد أكدت مصادر إنسانية وأمنية وقوع قتال في المنطقتين، بينما تبقي تفاصيل السيطرة على المواقع وحجم الخسائر محل تضارب بين الأطراف.

وتزداد أهمية عفر بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط شمال إثيوبيا بممرات استراتيجية باتجاه جيبوتي والبحر الأحمر، ولذلك فإن استمرار العمليات في الإقليم لا يحمل تداعيات أمنية محلية فقط، وإنما يمكن أن يرفع حساسية الأزمة بالنسبة إلى دول الجوار والمصالح التجارية والنقل الإقليمي.

أما التقارير التي تتحدث عن سقوط إيريبتي بالكامل أو تقدم قوات التحالف باتجاه سمرا، عاصمة عفر، فتحتاج إلى التعامل معها بحذر، إذ لم تتوافر حتى الآن أدلة مستقلة كافية تسمح بتحويل كل هذه الادعاءات إلى حقائق عسكرية نهائية، لكن مجرد انتقال القتال إلى هذه المنطقة يمثل في حد ذاته مؤشرًا على اتساع مسرح العمليات.

أمهرا ورايا.. عودة العقدة القديمة 

 في الاتجاه الغربي؛ تكتسب المواجهات حول ألاماطا وولديا أهمية خاصة بسبب ارتباطها بالخلافات التاريخية حول المناطق الواقعة بين تيجراي وأمهرا،  وقد تحدثت تقارير حديثة عن قتال على المحور الممتد  ألاماطا وولديا، فضلًا عن محاولات للتقدم باتجاه مناطق أخرى في أمهرا.

وتظهر هنا إحدى أخطر سمات الأزمة الحالية، تداخل البعد العسكري مع نزاعات الهوية والحدود والإدارة المحلية، فما تقدم عسكري، في هذه المناطق يمكن أن يحمل معنى سياسيًا يتجاوز السيطرة المؤقتة على موقع جغرافي، خصوصًا أن قضية الأراضي المتنازع عليها كانت من الملفات التي لم يحسمها اتفاق بريتوريا بصورة نهائية.

وفي هذا السياق، تصبح ألاماطا أكثر من مجرد نقطة على خريطة العمليات؛ فهي تقع ضمن منطقة تتقاطع فيها الحسابات التيجرية والأمهرية مع حسابات الحكومة المركزية، ولذلك فإن استمرار القتال حولها يمكن أن يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة.

أزمة المعلومات.. حرب موازية 

من أبرز سمات التصعيد الحالي أيضًا صعوبة التحقق من المعلومات الميدانية، فالحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي تقدمان روايتين متعارضتين بشأن الجهة التي بدأت التصعيد الأخير، بينما تتداول منصات موالية لأطراف مختلفة أرقامًا متباينة بشأن الخسائر والسيطرة على المواقع، وقد زادت صعوبة التحقق بعد تسجيل انقطاعات في خدمات الإنترنت والاتصالات في شمال إثيوبيا بالتزامن مع تصاعد المعارك.

وتكتسب هذه المسألة أهمية سياسية؛ لأن فراغ المعلومات في بيئة الحرب يسمح بتحول الادعاءات العسكرية إلى أدوات للتعبئة السياسية. 

ومن ثم، فإن الحديث عن أعداد القتلى أو تدمير وحدات عسكرية أو السيطرة الكاملة على مدن ومواقع ينبغي ألا يُعتمد بحثيًا إلا إذا دعمته مصادر مستقلة متعددة.

وينطبق ذلك على التقارير المتداولة بشأن خسائر وحدات تابعة للجيش الإثيوبي، وكذلك المعلومات المتعلقة بالقصف وسقوط مدنيين في ألاماطا، فوجود تقارير عن وقوع أضرار أو ضحايا يستحق المتابعة والتحقق، لكنه لا يسمح وحده بإثبات الأرقام أو تحديد المسؤولية النهائية.

السودان يدخل مجددًا في الحسابات السياسية

يتزامن التصعيد الإثيوبي مع عودة السودان إلى الخطاب الأمني والسياسي في أديس أبابا، فقد تضمنت التصريحات المتداولة اتهامات لأطراف خارجية، من بينها السودان، بدعم جماعات مناوئة للحكومة الإثيوبية.

ويجب التعامل مع هذه الاتهامات باعتبارها مواقف سياسية صادرة عن أطراف في الصراع وليست حقائق مثبتة بذاتها، إلا أن إدخال السودان في الخطاب الرسمي والأمني الإثيوبي يحمل دلالة مهمة، بالنظر إلى تعقيدات الحدود والعلاقات بين البلدين، والحرب المستمرة في السودان، والتنافس الإقليمي الأوسع في منطقة القرن الأفريقي.

ويخشى أن يؤدي تدويل رواية الصراع إلى توسيع دائر الاتهامات المتبادلة، بحيث لا يعود النزاع محصورًا في العلاقة بين المركز والأقاليم، وإنما يصبح جزءًا من تنافس إقليمي متعدد المستويات.

هل انهار اتفاق بريتوريا؟

التطور الأخطر سياسيًا هو أن اتفاق بريتوريا لم يعد يواجه مجرد انتهاكات أو توترات محدودة، بل يواجه اختبارًا يتعلق بقدرته على البقاء كإطار سياسي ناظم للعلاقة بين الحكومة الفيدرالية وتيجراي.

فالاتفاق أنهى الحرب الكبرى التي اندلعت عام 2020، لكنه ترك ملفات حساسة دون تسوية نهائية، من بينها الترتيبات السياسية في تيجراي، وقضية الأراضي المتنازع عليها، ونزع السلاح، وإعادة الإعمار، والعلاقات بين الإقليم والحكومة المركزية.

ومع عودة القتال، تتحول هذه الملفات من قضايا تفاوضية إلى عناصر تغذي المواجهة العسكرية، وقد وصفت تقارير دولية التطورات الأخيرة بأنها أخطر تحدٍ يواجه اتفاق بريتوريا منذ توقيعه.

لكن انهيار الاتفاق بصورة كاملة ليس نتيجة محسومة حتى الآن. 

فحتى مع التصعيد العسكري، لا تزال هناك مساحة للوساطة السياسية، خصوصًا إذا أدركت الأطراف أن إعادة إنتاج حرب 2020–2022 ستكون أكثر تكلفة من الوصول إلى ترتيبات جديدة.

الحكومة الإثيوبية أمام معادلة أكثر تعقيدًا

التحدي الأساسي أمام الحكومة الفيدرالية لم يعد يتمثل في احتواء جبهة واحدة، وإنما في إدارة بيئة أمنية متعددة الجبهات، فوجود صراع في تيجراي، واستمرار التوتر مع فانز في أمهرا،  والنشاط المسلح في أجزاء من أوروميا، إلى جانب التوتر مع إريتريا، يفرض على الدولة توزيع مواردها العسكرية والسياسية على مساحات جغرافية واسعة.

وفي المقابل، فإن اتساع التحالف المناوئ للحكومة لا يعني تلقائيًا أن خصوم أبي أحمد أصبحوا قادرين على إسقاط النظام، فالقوى المنضوية تحت التحالف تختلف في أهدافها وقدراتها ومناطق نشاطها، كما أن التنسيق السياسي لا يساوي بالضرورة تنسيقًا عسكريًا فعالًا.

وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للتحالف خلال المرحلة المقبلة لن يكون عدد الجماعات التي أعلنت الانضمام إليه، بل قدرته على تحويل هذا الإعلان إلى تنسيق سياسي مستمر، وآليات قيادة واضحة، وأجندة انتقالية قابلة للتطبيق.

ما الذي يعنيه التصعيد إقليميًا؟

إذا استمر القتال في تيجراي وعفر وأمهرا، فإن التداعيات لن تظل داخل الحدود الإثيوبية، فامتداد العمليات إلى عفر يرفع أهمية الأزمة بالنسبة إلى أمن طرق التجارة المتجهة إلى جيبوتي والبحر الأحمر، بينما يؤدي استمرار الحرب السودانية إلى زيادة حساسية الحدود الغربية لإثيوبيا.

كما أن تدهور العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة يمثل عاملًا إضافيًا في الحسابات الإقليمية، خاصة في ظل الاتهامات المتبادلة بشأن دعم جماعات مسلحة، وفي هذه البيئة، يصبح خطر سوء التقدير أكبر من خطر الحرب المحلية نفسها، لأن كل طرف قد يبدأ في تفسير تحركات الآخر باعتبارها جزءًا من مشروع إقليمي أوسع.

وبذلك تقف إثيوبيا أمام مرحلة لا يمكن اختزالها في سؤال من يسيطر على مدينة أو جبهة، وإنما في سؤال أعمق يتعلق بقدرة النظام الفيدرالي على استيعاب التناقضات القومية والسياسية والأمنية المتراكمة منذ سنوات.

إن التطورات الحالية لا تثبت وحدها أن إثيوبيا عادت بالفعل إلى حرب أهلية شاملة على غرار 2020–2022، لكنها تشير بوضوح إلى أن بنية الصراع التي أنتجت الحرب السابقة لم تُعالج بالكامل. 

وما يضاعف المخاطر هذه المرة هو ظهور قنوات تنسيق بين جماعات كانت متصارعة، واتساع الجغرافيا العسكرية، وعودة قضايا الحدود والهوية إلى واجهة المواجهة، بالتوازي مع تراجع القدرة على الوصول إلى معلومات مستقلة من مناطق القتال.

ومن ثم، فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان التصعيد الحالي سيتحول إلى حرب واسعة متعددة الجبهات، أم سيبقى ضمن موجة عسكرية يمكن احتواؤها عبر التفاوض.

 وفي الحالتين، فإن اتفاق بريتوريا لم يعد قادرًا على أداء دوره السابق دون إعادة فتح الملفات السياسية التي ظلت عالقة منذ انتهاء الحرب، بينما أصبحت كلفة تجاهلها أعلى بكثير مما كانت عليه قبل أسابيع.

المشهد الإثيوبي الجديد لا يعكس فقط عودة القتال، بل يكشف أزمة أعمق في إدارة التوازن بين المركز والأقاليم، وكلما اتسعت الجبهات، أصبح الحل العسكري أكثر صعوبة، وأصبح البحث عن تسوية سياسية شاملة أقل قابلية للتأجيل.

زر الذهاب إلى الأعلى