من «سفاح الجيزة» إلى «لعبة جهنم» و«ما لم يُحكَ عن بني مزار».. لماذا تعود الجرائم الحقيقية إلى الشاشة؟

لم تعد بعض الجرائم تنتهي بمجرد انتهاء التحقيقات أو صدور الأحكام، فهناك جرائم تواصل حياتها بشكل آخر، حين تنتقل من صفحات الحوادث إلى السينما والدراما، وتتحول وقائعها وشخصياتها إلى مادة لحكايات يتابعها الجمهور على الشاشة.
هذا الملف عاد إلى الواجهة مجددًا بعد تعليق المخرجة كاملة أبو ذكري، على انتشار الأعمال التي تتناول السفاحين وجرائم القتل وإعادة سرد وقائع حقيقية معتبرة أن تكرار تقديم هذا النوع من القصص قد يساهم من وجهة نظرها، في زيادة انتشارها أو خلق حالة من الاعتياد والإثارة حولها، مؤكدة أن ما طرحته «مجرد رأي شخصي».
لكن بعيدًا عن الاتفاق أو الاختلاف مع وجهة نظر كاملة أبو ذكري، فإن الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة قدمت بالفعل أكثر من نموذج لجرائم حقيقية انتقلت من الواقع إلى الشاشة، وإن اختلفت طريقة المعالجة من عمل إلى آخر.
وهنا يظهر السؤال الأهم عندما تتحول الجريمة الحقيقية إلى مسلسل، هل تصبح القضية هي بطلة الحكاية، أم يتحول مرتكب الجريمة نفسه إلى محور اهتمام الجمهور؟.

«سفاح الجيزة».. عندما يتحول ملف الجريمة إلى شخصية درامية
من أبرز النماذج التي أعادت هذا النوع من الدراما إلى الواجهة مسلسل «سفاح الجيزة» بطولة أحمد فهمي والذي استلهم أحداثه من القضية الحقيقية لقذافي فراج، مع تقديم الأحداث والشخصيات في إطار درامي وليس باعتباره نقلًا حرفيًا لملف القضية.
اختار العمل أن يجعل الشخصية الإجرامية محورًا أساسيًا في الحكاية، وهو ما وضع الجمهور أمام شخصية تحمل اسمًا دراميًا مختلفًا وتفاصيل تمت معالجتها بما يخدم البناء الدرامي.
وهنا تحديدًا تظهر واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في هذا النوع من الأعمال الجريمة قد تكون حقيقية لكن الشاشة تعيد ترتيبها لتصبح قصة لها بداية وتصاعد ونهاية وشخصيات ودوافع، وبالتالي لا يعود المشاهد أمام خبر قصير عن جريمة وقعت بالفعل، وإنما أمام عمل درامي يمنح الواقعة مساحة زمنية أكبر، ويعيد تقديم شخصياتها وتفاصيلها من خلال رؤية صناع العمل.
«لعبة جهنم».. جريمة حقيقية تعود إلى ذاكرة الجمهور
وفي 2026، عاد النقاش بقوة مع قصة «لعبة جهنم» إحدى حكايات مسلسل «القصة الكاملة»، بطولة محمد فراج والتي استلهمت واحدة من القضايا التي أثارت اهتمامًا واسعًا في مصر، وهي جريمة شبرا الخيمة المرتبطة بالـ«دارك ويب»، حيث أن العمل لم يقدم القضية باعتبارها وثيقة تسجيلية وإنما استعان بالواقعة الحقيقية كنقطة انطلاق، مع تغيير أسماء وتفاصيل في المعالجة الدرامية.
ومع عرض الحلقات، عادت القضية إلى دائرة النقاش مرة أخرى، ليس فقط من خلال ما قدمته الشاشة، وإنما أيضًا عبر المقارنات بين ما حدث في الواقع وما اختار صناع العمل تقديمه دراميًا.
وهنا يصبح تأثير الدراما مختلفًا فالقضية التي كانت حاضرة في الأخبار وقت وقوعها تستعيد اهتمام الجمهور بعد سنوات من خلال شخصيات وأحداث وحكاية جديدة.
«ما لم يُحكَ عن بني مزار» عندما تصبح القضية نفسها بطلة
الأمر لا يتوقف عند جرائم القتل التي ارتبطت بشخصية إجرامية واحدة، إذ قدمت الدراما أيضًا معالجة لقضية بني مزار من خلال حكاية «ما لم يُحكَ عن بني مزار» ضمن مسلسل «القصة الكاملة».
القضية التي ظلت لسنوات مرتبطة بالكثير من التساؤلات والجدل، عادت مرة أخرى إلى الشاشة، لتفتح بابًا جديدًا للنقاش حول الحدود الفاصلة بين إعادة تقديم الوقائع وبين صناعة حكاية درامية مستوحاة منها.
وفي هذا النموذج تحديدًا، لا يتركز الاهتمام على «سفاح» باعتباره الشخصية الرئيسية بقدر ما تصبح القضية نفسها هي محور الحكاية، بما تحمله من أسئلة وروايات وتفاصيل أثارت اهتمام الجمهور منذ وقوعها.
وبذلك يصبح لدينا شكل مختلف من دراما الجرائم الحقيقية عمل لا يكتفي بتقديم شخصية المجرم وإنما يعيد فتح ملف قضية كاملة أمام جمهور جديد.
من صفحات الحوادث إلى الشاشة.. ماذا يتغير؟
الانتقال من الجريمة الواقعية إلى الدراما لا يعني بالضرورة نقل الأحداث كما وقعت، فالمعالجة الدرامية بطبيعتها تعيد بناء الوقائع، وتختار الشخصيات التي تمنحها مساحة أكبر، وتضع الأحداث في تسلسل يخدم الحكاية، لكن هذه المساحة نفسها هي التي تجعل هذا النوع من الأعمال مثارًا للنقاش.
فالجريمة في الصحافة تُقدم باعتبارها واقعة تحتاج إلى معلومات وتحقيق وتوثيق بينما تتحول في الدراما إلى قصة لها أبطال وصراع ودوافع ونهاية، ومن هنا جاءت ملاحظة كاملة أبو ذكري، التي أعادت طرح سؤال أوسع من مجرد نجاح مسلسل أو فشل آخر ماذا يحدث عندما نكرر تحويل الجرائم الحقيقية إلى مادة للفرجة؟.
بين التوعية والإثارة.. الجدل لا ينتهي
في المقابل، لا يرى جميع المتابعين هذا النوع من الدراما من زاوية واحدة، فهناك من يعتبر تقديم الجرائم الحقيقية فرصة لإعادة فتح النقاش حول أسبابها ونتائجها، وإبراز خطورة ما حدث، بينما يرى آخرون أن التركيز المتكرر على تفاصيل الجرائم وشخصيات مرتكبيها قد يمنحها مساحة أكبر من الاهتمام.
ولهذا تظل طريقة المعالجة هي النقطة الأكثر أهمية، هل يركز العمل على الجريمة باعتبارها مأساة إنسانية وقضية تحتاج إلى فهم، أم يجعل من مرتكبها الشخصية الأكثر جذبًا للانتباه؟، وهو سؤال لا يمكن حسمه بمجرد وجود الجريمة داخل العمل، لأن كل تجربة درامية تختلف في طريقة الكتابة والإخراج وبناء الشخصيات.
كاملة أبو ذكري تفتح الباب.. والسؤال يبقى مفتوحًا
تصريح كاملة أبو ذكري لم يضع إجابة نهائية على هذا الجدل، لكنه أعاد وضع ظاهرة دراما الجرائم الحقيقية أمام الجمهور، فبين «سفاح الجيزة» الذي استلهم قضية حقيقية و«لعبة جهنم» التي أعادت جريمة شغلت الرأي العام إلى الشاشة و«ما لم يُحكَ عن بني مزار» الذي أعاد تقديم قضية قديمة من منظور درامي، يبدو واضحًا أن الجرائم الواقعية أصبحت مادة حاضرة بقوة في الدراما المصرية.
لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا ليس فقط لماذا نروي هذه الجرائم؟، بل كيف نرويها؟ ومن الذي يصبح في النهاية محور الحكاية.. الضحية، القضية، أم مرتكب الجريمة؟، وهنا تحديدًا يستمر الجدل الذي بدأته كاملة أبو ذكري ليس حول وجود هذا النوع من الأعمال فقط، وإنما حول الطريقة التي تختار بها الشاشة أن تجعل من الجريمة حكاية.






