تترقب الأسواق المحلية والمواطنون قرارات لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، في ظل تزايد الأنباء المتداولة حول احتمالية تحريك أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة، وما يثيره ذلك من تساؤلات بشأن توقيت الزيادة المحتملة وحجمها وانعكاساتها على تكلفة المعيشة وأسعار السلع والخدمات. وتأتي هذه التوقعات في وقت تمثل فيه أسعار المواد البترولية أحد أبرز العوامل المؤثرة في تكلفة النقل والإنتاج، بما يجعل قرارات اللجنة محل اهتمام واسع، انتظارا لما ستسفر عنه المراجعة المقبلة للأسعار، في ظل المتغيرات التي تحكم آلية التسعير، وعلى رأسها الأسعار العالمية للنفط وسعر صرف الجنيه وتكاليف توفير المنتجات البترولية.
وتتزايد أهمية متابعة أعمال اللجنة في ضوء تباين التوقعات بشأن الأسعار المقبلة، بين تقديرات تتحدث عن زيادة محتملة، وتأكيدات رسمية بأن أي تحريك للأسعار لم يصدر بشأنه قرار حتى الآن، وأن اللجنة لم تعقد اجتماعها وفق آخر بيان لوزارة البترول في 4 أكتوبر الجاري، مما طرح تساؤلات حول آلية عمل اللجنة، والعوامل التي تستند إليها في تحديد الأسعار، ومدى تأثير أي زيادة محتملة على المواطنين والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
وبدأت الحكومة تطبيق آلية للتسعير التلقائي للوقود منذ بداية أكتوبر 2019 بهدف تحرير أسعار الوقود. وتستند اللجنة إلى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2764 لسنة 2018 الذي أنشأ لجنة فنية لمتابعة الآلية، وإلى قرار وزير البترول رقم 505 لسنة 2019 الذي حدد أعضاءها.
وفي يوليو 2019 أصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي القرار رقم 1558 لسنة 2019، الذي كلّف اللجنة بتحديد أسعار بيع المنتجات البترولية كل ثلاثة أشهر، على ألا تتجاوز نسبة التغيير ارتفاعاً أو انخفاضاً 10% من السعر الساري. وكانت الآلية قد طُبقت أولاً على بنزين أوكتان 95 اعتباراً من نهاية ديسمبر 2018، ثم امتدت لتشمل باقي المنتجات، باستثناء البوتاجاز والمنتجات المستخدمة في قطاعي الكهرباء والمخابز، وتضم اللجنة ممثلين عن وزارة البترول والثروة المعدنية ووزارة المالية والهيئة العامة للبترول، ويرشحهم الوزير المختص. وهي لجنة فنية تنفيذية وليست هيئة مستقلة، وتصدر توصياتها وفق المعادلة السعرية المعتمدة.
ومن أبرز مهامها، متابعة المعادلة السعرية بصورة ربع سنوية، متابعة تنفيذ الآلية وتقديم التوصيات والمقترحات لضمان تطبيقها بشكل جيد، ومعالجة أي قصور يظهر أثناء التنفيذ.، ومراجعة أسعار بيع المنتجات البترولية في السوق المحلية بالزيادة أو الخفض، وفق متغيرات التكلفة.
وتقوم المعادلة على السعر العالمي لخام برنت وسعر الصرف، إلى جانب تكاليف أخرى تُعدّل بشكل غير دوري. وتضيف المصادر الصحفية عناصر مثل تكلفة الاستيراد والتكرير والشحن والتأمين.
أين تقف الأمور اليوم؟
نفت وزارة البترول رسمياً في بيان صدر يوم 4 أكتوبر 2026 الأنباء المتداولة حول الأسعار جديدة. وأكدت أن العمل مستمر بالأسعار الحالية، وأن اللجنة لم تنعقد حتى الآن ولم يصدر عنها أي قرار أو توصية بتحريك الأسعار. وكان المتحدث باسم مجلس الوزراء، المستشار محمد عادل، قد قال في 17 سبتمبر الماضي إن اجتماع رئيس الوزراء مع وزير البترول لم يتطرق إلى أي مناقشات بشأن إعادة تسعير المنتجات البترولية، أو تحديد موعد لانعقاد اللجنة. وأضاف أن الاجتماع ركز على موقف الإمدادات وتوافر مخزون كافٍ من المشتقات.
اجتماع لجنة التسعير لا يعني زيادة حتمية في أسعار الوقود
في هذا السياق قال الباحث والمتخصص في شؤون الطاقة المهندس محمد عطية إن لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية ليست لجنة “زيادة أسعار”، وإنما آلية فنية لمراجعة المتغيرات المحلية والعالمية المؤثرة في تكلفة إتاحة الوقود، ثم تحديد ما إذا كانت تستدعي تحريك الأسعار أو تثبيتها.
وأوضح عطية في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي” أن انعقاد اللجنة لا يحمل اتجاهاً مسبقاً للقرار. وأشار إلى أن مصر شهدت في فترات سابقة قرارات بتثبيت الأسعار بعد مراجعة اللجنة، وأن القرار قد يختلف من منتج لآخر بحسب تغير تكلفته والفجوة بينها وبين سعر بيعه للمستهلك.
وأكد عطية أن ارتفاع النفط عالمياً لا يعني ارتفاع الأسعار المحلية بالنسبة نفسها. فبرنت سعر للنفط الخام، أما ما يدفعه المواطن فهو سعر منتج نهائي يتحدد بعد احتساب سلسلة من التكاليف، تشمل سعر الصرف والنقل والتأمين والتخزين والتكرير. ولهذا وصف عبارة “برنت ارتفع إذن البنزين سيرتفع” بأنها اختزال يتجاهل جزءاً كبيراً من الصورة. وأضاف أن القرار يستند إلى متوسطات وتكاليف خلال فترة المراجعة، وليس إلى حركة يوم واحد في الأسواق العالمية.
وقال عطية إن اجتماع الارتفاعين يضع تكلفة الوقود تحت ضغط مزدوج، من جانب أسعار الطاقة عالمياً ومن جانب تحويلها إلى الجنيه. لكن مدى انتقال هذا الضغط إلى السعر النهائي يظل مرتبطاً ببقية عناصر المعادلة. ولفت إلى أن ارتفاع الدولار قد يرفع تكلفة الإتاحة بالجنيه حتى مع استقرار أسعار النفط.

الخام ليس كالمنتج الجاهز
وفرّق عطية بين استيراد الخام وتكريره محليا واستيراد البنزين والسولار جاهزين. فالأول تتحمل فيه الدولة تكلفة الخام ثم التكرير، أما الثاني فيعني شراء المنتج بالسعر العالمي السائد، وهو سعر تتأثر به هوامش التكرير والعرض والطلب وتكاليف الشحن. وأوضح أن أسعار المنتجات قد ترتفع عالميا بوتيرة أكبر من الخام، خاصة عند تراجع طاقات التكرير أو زيادة الطلب، ورأى أن زيادة القدرة التكريرية المحلية جزء من منظومة أمن الطاقة، لأنها تقلل الحاجة لاستيراد المنتجات الجاهزة وتحد من تعرض السوق المحلية لتقلبات أسعارها عالمياً. وأكد أنها لا تلغي أثر ارتفاع الخام، لكنها تمنح صانع القرار مساحة أكبر لامتصاص جزء من الصدمة. واستند إلى بيانات وزارة البترول التي تشير إلى ارتفاع معدلات تشغيل معامل التكرير وزيادة الإنتاج المحلي وتقليل بعض كميات المنتجات المستوردة.
ولفت عطية إلى أن قرارات الوقود لا تُقرأ من زاوية التكلفة فقط، بل من زاوية أثرها على النقل والإنتاج والخدمات. وقد سجل التضخم العام 14.5% في أغسطس 2026 والتضخم الأساسي 14.9%، بحسب بيان البنك المركزي في سبتمبر الماضي، الذي حذر من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً يمثل خطراً صعودياً على التضخم المحلي.
وحذر من تفسير تثبيت الأسعار على أنه دليل على انخفاض التكلفة، موضحاً أنه قد يعني أن الزيادة في التكلفة لم تنتقل بالكامل إلى المستهلك بعد، أو أن جزءاً منها جرى امتصاصه أو تأجيله.
كيف نقيم “السعر العادل”؟
وأكد عطية أن الحكم على عدالة السعر لا يكون بمقارنة برنت بسعر البنزين، وإنما بقياس مدى انعكاس التغير الحقيقي في إجمالي تكلفة الإتاحة على السعر المحلي خلال فترة المراجعة. وشدد على ضرورة تحديد مفهوم “العدالة” نفسه: هل هو أن يعكس السعر التكلفة العالمية كاملة، أم أن يوازن بين تكلفة الإتاحة وقدرة المستهلك والأثر التضخمي واستدامة التوفير؟






