جلسة حوارية لـ«ليبرالي» تفتح ملفات تطوير الصعيد.. ونواب يحددون أولويات الإصلاح
انتقاد واسع لأداء «هيئة تنمية الصعيد».. ومساع لتشكيل تكتل برلماني ضاغط
-
حسام حسن الخشت: أدعو إلى تصفية هيئة تنمية الصعيد وتحويل مخصصاتها لمشروعات التنمية عبر قنوات المحافظات الرسمية
-
عبد الرحمن بشاري: «الصعيدي بيكح تراب».. وأطالب الحكومة باهتمام أكبر وأشمل يتناسب مع حجم التحديات خاصة في البنية التحتية
-
حسين هريدي: تهميش الصعيد مستمر منذ 70 عامًا ولم يعد يتحمل الحصول على فتات التنمية.. ولا بد من عودة المحليات وتغيير الحكومة
في حلقة جديدة من سلسلة الجلسات الحوارية التي تعقدها جريدة «ليبرالي»، انتقد ثلاثة من نواب الصعيد ملفات التهميش وتراجع الخدمات، وغياب التخطيط، وأزمات الصحة والنقل والمحليات، وواقع «هيئة تنمية الصعيد»، كما ناقشوا سبل تعزيز التمثيل السياسي لأبناء الصعيد، وطرحوا أولويات التطوير والتنمية، التي تعتبرها الحكومة من أبرز إنجازاتها.
وشارك في الجلسة النواب: عبد الرحمن بشاري، عضو مجلس النواب عن دائرة مركز وبندر الأقصر، وحسام حسن الخشت، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل عن أسيوط، وحسين هريدي، عضو مجلس النواب وأمين الإعلام المركزي بحزب العدل عن قنا، حيث انتقل النقاش من التشخيص إلى تقديم خارطة حلول وأولويات إصلاح.

بشاري: الصرف الصحي نقطة البداية
في البداية، أكد النائب عبد الرحمن بشاري أن الصعيد عانى، بحسب رؤيته، من التهميش في ظل الأنظمة السياسية المتعاقبة، معتبرا أن التحسن النسبي في النظرة إلى البوابة الجنوبية خلال السنوات الأخيرة لم يصل إلى مستوى احتياجاته الفعلية، رغم ما تم، ما يتطلب بذل المزيد.

وسلط «بشاري» الضوء على أزمة البنية التحتية، واصفا إياها بأنها «متهالكة تماما» في قرى الصعيد، مشيرا إلى أن استكمال مشروعات الصرف الصحي يمثل أولوية، باعتباره «العمود الأساسي والفقري» لأي بنية تحتية حقيقية، إذ يفتح الباب أمام توصيل الغاز الطبيعي ورصف الطرق وتمهيدها، ثم أعمال التجميل والتطوير. ووفق قوله، تظل محاولات التنمية سطحية وغير مجدية دون الصرف الصحي.
وانتقد «بشاري» ما وصفه بسياسة التعامل مع الصعيد باعتباره ساحة لتجربة القيادات التنفيذية الجديدة، موضحا أن بعض المحافظين وسكرتيري العموم والقيادات المحلية يبدأون مسيرتهم في محافظات الصعيد قبل انتقالهم إلى محافظات أخرى بعد اكتساب الخبرة. وأكد أن اعتراضه لا يستهدف أشخاصا بعينهم، وإنما «الفلسفة» التي تجعل البوابة الجنوبية تتحمل تبعات عدم امتلاك بعض القيادات الجديدة خبرة كافية بطبيعتها الاجتماعية والجغرافية.
«الخشت»: الصعيد لا يُدرس جيدا
من جانبه، نقل النائب حسام حسن الخشت النقاش إلى قضية التخطيط، مؤكدا أن مشكلة الصعيد لا تتعلق فقط بحجم الأموال المخصصة للتنمية، وإنما أيضا بغياب «المسح المنطقي والعلمي» لاحتياجات المحافظات قبل تنفيذ المشروعات.

وضرب «الخشت» مثالاً بقطارات السكك الحديدية، مشيرا إلى تشغيل قطارات روسية على خطوط طويلة من القاهرة إلى أسوان، رغم أن تصميمها، بحسب وصفه، كان أقرب للمسافات القصيرة، كما لم تكن مقاعدها مناسبة للرحلات الطويلة أو لطبيعة الأسر الصعيدية، قبل تعديل وضعها لاحقا، معتبرا أن المواطن تحمل تكلفة معالجة خطأ كان ينبغي تداركه في مرحلة التخطيط.
«حياة كريمة».. مبانٍ مجهزة بلا كوادر كافية
وفي ملف الصحة، انتقد «الخشت»، من واقع ما طرحه، عدم التوازن بين التوسع في إنشاء وتجهيز الوحدات الصحية والمستشفيات ضمن مشروعات «حياة كريمة» وبين توفير الأطقم الطبية اللازمة لتشغيلها، مشيرًا إلى مشكلات في التوزيع الجغرافي للأطباء، مستشهدا بتكليف أطباء من محافظات بعيدة للعمل في قرى بالصعيد، وفي المقابل تكليف أبناء محافظات الصعيد بالعمل في محافظات أخرى، معتبرا أن هذا النمط لا يراعي طبيعة المجتمعات المحلية واحتياجاتها، قائلا إن النتيجة قد تصل في بعض الحالات التي تحدث عنها، إلى وجود وحدات صحية مجهزة وأقسام للولادة لا يتوافر لها الطبيب المتخصص، بما يضطرها إلى العمل بإمكانات بشرية غير كافية.
وربط «الخشت» هذه المشكلات أيضا بطريقة اختيار بعض القيادات التنفيذية، قائلاً إن وجود مسؤولين من خارج الإقليم دون معرفة كافية بطبيعته القبلية والاجتماعية والجغرافية قد يطيل الوقت اللازم لفهم احتياجات المحافظة، قبل أن يتم نقل المسؤول إلى موقع آخر.
هريدي: «الدنيا ماشية بعكسها تماما»
أما النائب حسين هريدي، فعندما سُئل عما إذا كانت التنمية في الصعيد تسير في الاتجاه الصحيح كما تقول الحكومة، أجاب: «الدنيا ماشية بعكسها تماما»، ورفض اختزال أزمة الصعيد في عقود الإهمال الثلاثة الأخيرة، مؤكدا أن التهميش يمتد من وجهة نظره، لنحو 70 عاما.

وانتقد الفوارق بين ما يدفعه المواطن الصعيدي من ضرائب ورسوم وما يحصل عليه من خدمات، مستشهدا برسوم النظافة المحصلة على فاتورة الكهرباء في بعض القرى، رغم غياب خدمة منتظمة لجمع القمامة.
وتطرق هريدي إلى أزمة المواصلات، مشيرا إلى اضطرار المواطن لدفع أسعار مضاعفة لقطارات غير مكيفة رغم تجاوز الحرارة 50 درجة مئوية، معتبرا ذلك تمييزا مقارنة بقطارات الوجه البحري، كما حذر من تدهور القطاع الصحي، مشيرا إلى عمل مستشفيات جامعة أسيوط فوق طاقتها، وعجز معدومي الدخل في الأقصر عن تحمل تكاليف التأمين الصحي الشامل.
الطقس الحارق وتجاهل الحكومة
وفي سياق متصل، قال بشاري إن:« المواطن الصعيدي يتحمل أعباء الميزانية، ويدفع رسوماً مثل المواطن في القاهرة أو العلمين. لكن الكارثة تظهر عند مقارنة الخدمات؛ فنحن ندفع فواتير ولا نأخذ خدمة على نفس الوجه المقدم في أماكن أخرى».
كما أثار النائب بشاري قضية مناخية واقتصادية، مشيرا إلى اختلاف مناخ الصعيد عن الوجه البحري، إذ تتجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية، بينما تصل في الظل إلى 45 درجة، موضحا أن أجهزة التكييف لم تعد «رفاهية» في الصعيد، بل ضرورة أساسية للحياة، ورغم ذلك يتم محاسبة المواطن الصعيدي وفق شرائح الكهرباء نفسها المطبقة في الوجه البحري، رغم اختلاف الظروف المناخية.
ووصف بشاري حجم المعاناة بقوله: «المواطن الصعيدي بيكح تراب»، مطالبا الحكومة باهتمام أكبر يتناسب مع حجم التحديات التي يواجهها الصعيد.
الصحة.. ضغط على المستشفيات وشكاوى من التأمين الشامل
وفي القطاع الصحي، تحدث الخشت عن الضغوط التي تواجهها مستشفيات جامعة أسيوط، باعتبارها أحد المراكز الطبية الرئيسية التي يقصدها المرضى من محافظات الصعيد.
كما عرض هريدي شكاوى قال إنها تصل إلى النواب بشأن تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل في الأقصر، متحدثا عن أعباء مالية تواجه بعض المرضى في حالات العلاج والجراحات والعناية المركزة بالمستشفيات المتعاقدة مع المنظومة.
وتناول بشاري بدوره مشكلات المنظومة الصحية، كاشفا أنه بصدد إعداد طلب إحاطة برلماني حول أزمة الصحة والتأمين الصحي، مؤكدا أن المنظومة بأكملها تعاني من “خلل كبير جدا” حيث النقص الحاد في أسرة العناية المركزة، والتدني الملحوظ في مستوى الخدمة الطبية المقدمة للمواطنين.
وفجر النائب مفاجأة حول آلية عمل منظومة التأمين الصحي الشامل، مشيرا إلى مفارقة غريبة تتمثل في تعاقد هيئة التأمين مع مستشفيات خاصة خارجية وصفها بأنها «دون المستوى»، بل وأكد أن مستواها الفني والطبي أقل بكثير من مستوى المستشفيات الحكومية ذاتها، وفق رصده. وطالب بضرورة أن يكون هناك اهتمام حقيقي وجذري بالقطاع الصحي في الصعيد.
«هيئة تنمية الصعيد».. أسئلة حول الدور والإنفاق
ومن أكثر الملفات التي شهدت نقاشا داخل الندوة ملف «هيئة تنمية الصعيد». وقال الخشت إن الهيئة، التي أنشئت لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية في محافظات الصعيد، لم تحقق، بحسب تقييمه، الدور المأمول منها، مستنكرًا وجود مقرها الرئيسي في القاهرة، قبل انتقاله إلى العاصمة الإدارية، بدلاً من إحدى محافظات الصعيد، وأوضح أن نوابا في برلمان 2020 سبق أن تحدثوا عن هذه المفارقة، مشيرا إلى امتلاك الهيئة فيلا في مصر الجديدة قبل انتقالها للعاصمة الإدارية.

وشرح النائب الإطار القانوني للهيئة، موضحا أنها أُقرت استنادا إلى استحقاق دستوري لتنمية الصعيد خلال عشر سنوات، وبناءً عليه صدر قرار جمهوري بإنشائها لتولي مهام التنمية المجتمعية والبشرية، إلا أن الواقع، بحسب الخشت، جاء مغايرا للأهداف، إذ أنشئت الهيئة في القاهرة دون فروع حقيقية وفعالة بالمحافظات، واكتفت بمكتبين في الأقصر وأسيوط.
ميزانيات ضخمة ومشروعات فاشلة
وتساءل النائب عما قدمته الهيئة، رغم امتلاكها موازنات مستقلة ضخمة، قائلاً إن ما أنجزته اقتصر على مشروعات وصفها بالفاشلة، قبل إسنادها إلى المحافظات للتنصل منها، ثم إغلاقها لعدم وجود جهات قادرة على تشغيلها، معتبرا أنها مشروعات لم تُدرس من الأساس.

واستشهد «الخشت» بمشروعات لتجفيف البصل والثوم في منطقة الكوثر الصناعية بسوهاج، وأخرى لتجفيف الطماطم في إسنا، معتبرا أن اختيار مواقعها لم يراعِ بشكل كافٍ خريطة الإنتاج الزراعي ودراسات السوق وتوافر المواد الخام. وقال إن بعض هذه المشروعات لم يستمر في التشغيل، وانتهى الأمر إلى انتقالها أو تسليمها لجهات محلية.
وأوضح «الخشت» أن المواطن الصعيدي وصل إلى مرحلة من الإحباط جعلته يغلق على أحلامه وآماله، ويكتفي بتحمل آلامه ومشكلاته، أملاً في أن يرى أحد الأجيال القادمة مستقبلاً أفضل، في ظل عدم رؤيته هذا المستقبل متاحا في الوقت الراهن.
غياب المحليات
وفي ملف الإدارة المحلية، تحدث بشاري عن غياب المجالس الشعبية المحلية، معتبرا أن ذلك يحمّل النواب أعباء ليست من اختصاصهم الأساسي، وقال إنه تقدم بطلبات إحاطة تتعلق بقضايا محلية وخدمية، مثل الإنارة ورصف الطرق، وتطهير المصارف ومشكلات التراخيص والخدمات، وطالب بالإسراع في إصدار قانون الإدارة المحلية وإجراء انتخابات المجالس المحلية، بما يتيح وجود جهة منتخبة تتولى متابعة الخدمات والرقابة عليها.

كما تساءل بشاري عن مصير مبادرة «حياة كريمة»، مشيرا إلى أن المرحلة الأولى بدأت منذ سنوات ولم تنتهِ حتى اليوم في العديد من القرى، متسائلاً:« هل سننتظر 10 سنوات أخرى للانتهاء من المرحلة الثانية والثالثة لتدخل خدمة الصرف الصحي والغاز لباقي القرى؟».
نحو «تكتل نواب الصعيد»
وانتقل الحوار إلى مسألة التمثيل السياسي، حيث تحدث هريدي وبشاري عن ضعف الحضور الصعيدي في دوائر صنع القرار، وأكد هريدي غياب التمثيل الحقيقي في دوائر صنع القرار، لافتا إلى خلو الحكومة الحالية من الوزراء الصعايدة. وشدد على أن الصعيد لم يعد يقبل بالحصول على فتات التنمية، بل يطالب بحقوقه كاملة.
وفي هذا السياق، اتفق الخشت مع هريدي وبشاري على ضرورة التحرك الجماعي؛ حيث كشفوا عن بدء مشاورات لتشكيل “تكتل برلماني” يضم نواب الصعيد، ليكون ورقة ضغط حقيقية تحت قبة البرلمان، تتجاوز الجهود الفردية، وأوضح بشاري أنه طرح الفكرة منذ بداية عمل المجلس، بهدف الانتقال من التنسيق الفردي واللحظي بين النواب إلى تنسيق مؤسسي يمكن من خلاله طرح قضايا البوابة الجنوبية بصورة جماعية، وأشار إلى أن التنسيق بين النواب قائم بالفعل في بعض الملفات، لكنه يحتاج إلى إطار أكثر تنظيماً واستمرارية.
الاقتصاد يضغط على المجتمع الصعيدي
وفي الجانب الاجتماعي، ركز هريدي على انعكاسات الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة على أسر الصعيد، موضحا أن الضغوط لا تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية، بل تمتد إلى عادات اجتماعية راسخة، مثل «الكرم الصعيدي» واستقبال الضيوف ومساعدة الجيران.

وأضاف أن بعض الأسر باتت تنام دون عشاء، وتكتفي بوجبة واحدة يوميا إن وُجدت، مشددا على أن الحديث عن تنمية بمليارات الجنيهات يظل «كلاما على ورق» ما لم يشعر المواطن بتغيير حقيقي في مستوى معيشته، وفق قوله، وربط هريدي هذه الأوضاع بالسياسات الاقتصادية للحكومة الحالية، منتقدا حكومة الدكتور مصطفى مدبولي
خارطة الإصلاح وأولويات الحل
وفي ختام الجلسة الحوارية، دعا هريدي إلى الرحيل الفوري لحكومة الدكتور مصطفى مدبولي، وتشكيل حكومة جديدة تمتلك رؤية سياسية واقتصادية حقيقية، وتشعر بنبض الشارع وتعمل على تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، وفي مقدمتهم الصعايدة، بدلاً من إفقارهم.
وركز بشاري على ضرورة إنهاء مشروعات البنية التحتية المعطلة، خصوصا الصرف الصحي، ووضع خطة جذرية للنهوض بقطاعي الصحة والتعليم، مؤكداً أن «المعلم» هو اللبنة الأولى لأي نهضة حقيقية، كما شدد على الإسراع في إصدار قانون الإدارة المحلية وإجراء انتخابات المحليات، لرفع العبء عن نواب البرلمان وإشراك قواعد شعبية في الرقابة والتنمية، وهو ما اتفق معه الخشت وهريدي.
ودعا الخشت إلى التصفية الفورية لـ«هيئة تنمية الصعيد» وإغلاق مقراتها، وتحويل مخصصاتها المالية، التي تقدر بمئات الملايين، إلى الخزانة العامة والموازنة العامة للدولة، لتُصرف عبر القنوات الرسمية للمحافظات، معتبراً أن استمرار الهيئة في ظل ما وصفه بالتخبط يمثل إهدارا للمال العام واستخفافا بحقوق أبناء الصعيد.






