كثير من المهرجانات.. قليل من الفن
في بلادي، أصبح المشهد اليوم أقرب إلى معادلة عنوانها «كثير من المهرجانات.. قليل من الأفلام»، مع كامل احترامي واعتذاري للكاتب الكبير الراحل فتحي غانم، صاحب الرواية الشهيرة «قليل من الحب.. كثير من العنف»، التي صدرت عام 1985، وحوّلها عبقري السينما رأفت الميهي إلى فيلم سينمائي يحمل الاسم نفسه، من بطولة شريهان وهشام سليم وآخرين.
تحت أضواء الفلاشات المبهرة، وعلى امتداد السجادة الحمراء، نعيش زمنًا يضج بكثرة المهرجانات وقلة الأفلام، حيث تحولت بعض المحافل السينمائية من منصات لاكتشاف الفن الأصيل والاحتفاء بالإبداع إلى كرنفالات تتصدرها الإطلالات والمظاهر، وتستحوذ فيها الأضواء على الاهتمام الأكبر.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه المهرجانات السنوية، وتتنافس على استقطاب النجوم وجذب عدسات المصورين، تبدو الشاشة الكبيرة في حاجة إلى مزيد من الأفلام الحقيقية والقصص التي تلامس الروح وتترك أثرًا في وجدان الجمهور، وهنا تبرز معادلة تبدو مقلوبة وغير مفهومة؛ فمن المفترض أن تسهم زيادة المهرجانات في تنشيط الإنتاج السينمائي ودعم صناع الأفلام، لكن الواقع يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس هذا التوسع على جودة الأعمال المقدمة وحضورها الفني.
وللأسف، كلما اتسعت مساحة الاحتفالات الفاخرة، بدا أن الأعمال السينمائية القادرة على إحداث فارق حقيقي أو ترك أثر عميق في وجدان الجمهور العربي لا تحظى بالقدر نفسه من الحضور والاهتمام.
المفارقة أن جوهر السينما لا يكمن في الفساتين البراقة أو الأضواء العابرة، بل في الأفلام التي تحمل أفكارًا جادة، وتقدم حكايات إنسانية صادقة، وتطرح قضايا تمس المجتمع، وتظل حاضرة في الذاكرة حتى بعد انطفاء أضواء المهرجانات وانتهاء حفلاتها.
فالسينما، في النهاية، ليست مجرد سجادة حمراء وصور تملأ وسائل الإعلام، وإنما فن قادر على التعبير عن الإنسان ومجتمعه، وطرح الأسئلة الصعبة، وفتح آفاق جديدة للتفكير والتغيير، وبينما تتعدد المهرجانات وتتسع دوائر الاحتفاء بها، تظل الحاجة قائمة إلى أفلام حقيقية تعيد للفن السابع بريقه، وتؤكد أن قيمة السينما لا تُقاس بعدد المهرجانات، بل بما تتركه أعمالها من أثر في نفوس الناس ووجدان الأجيال.






