أين أموال الأب المتهرب من النفقة؟.. الرقمنة تفتح ملف الممتلكات وقانون الأسرة أمام البرلمان
بالتزامن مع إحالة مشروع قانون الصندوق التكافلي لدعم الأسرة المصرية إلى البرلمان، يتجدد التساؤل حول قدرة الرقمنة على إنهاء معاناة المطلقات في إثبات دخل الأب وتحصيل النفقة، فبين الكشف الإلكتروني عن الممتلكات وتعثر تنفيذ الأحكام القضائية، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل الحقوق القانونية إلى مستحقات مالية تصل إلى الأمهات والأطفال في مواعيدها، دون مماطلة أو تحايل.
وجاءت إحالة المشروع إلى البرلمان في وقت بدأت فيه الدولة خطوات لتطوير منظومة تنفيذ أحكام النفقة، إذ شهد يونيو 2026 إطلاق منظومة رقمية جديدة بالتعاون بين وزارتي العدل والتضامن الاجتماعي، تتيح للمحاكم المختصة الاستعلام الفوري عن ممتلكات المدعى عليهم في دعاوى النفقة، بما يساعد على تقديرها بدقة أكبر، إلى جانب استخدام الرسائل النصية لإخطار المحكوم عليهم بضرورة السداد.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ضوء مشروع قانون الصندوق التكافلي لدعم الأسرة المصرية، الذي يستهدف تقديم الدعم للمستحقين لحين تنفيذ الأحكام واجبة النفاذ المتعلقة بالنفقات والأجور وما في حكمها، وفقًا للضوابط والموارد المحددة بالمشروع.
وبين الكشف عن الممتلكات وضمان صرف المستحقات، يظل السؤال الأهم، كيف يمكن تحويل هذه الإجراءات إلى منظومة فعالة تنهي معاناة الأمهات والأطفال بسبب تأخر النفقة؟
مصطفى عتابي: الربط الإلكتروني يكشف مصادر الدخل والممتلكات
أكد المحامي مصطفى عتابي، في تصريحات لـ«ليبرالي»، أن مشروع قانون الصندوق التكافلي لدعم الأسرة المصرية يمثل خطوة مهمة نحو معالجة أزمات النفقة وتأخر تنفيذ الأحكام القضائية، مشددًا على أن نجاح أي تحرك تشريعي في هذا الملف يرتبط بوجود آليات واضحة وملزمة تضمن وصول المستحقات إلى الأمهات والأطفال في مواعيدها، بدلًا من الاكتفاء بتحديد الالتزامات دون ضمان تنفيذها فعليًا.
وأوضح «عتابي»، أن التحول الرقمي يتيح فرصًا أكبر لتطوير إجراءات الكشف عن القدرة المالية الحقيقية للملزم بالنفقة، من خلال ربط قواعد البيانات وتبادل المعلومات إلكترونيًا بين الجهات المختصة، بما يساعد على الاستعلام عن مصادر الدخل والممتلكات المسجلة باسمه، مثل الرواتب والسيارات والعقارات والأراضي والأصول المالية، وفقًا للقواعد القانونية المنظمة لإتاحة هذه البيانات.
وأضاف أن الاعتماد على الاستعلام الإلكتروني، دون تدخل بشري في تداول البيانات، من شأنه تعزيز الشفافية والحد من فرص التلاعب بالمستندات أو إخفاء الممتلكات والأموال بهدف التهرب من سداد نفقة الأطفال.
ولفت إلى أن إتاحة الاستعلام الإلكتروني عن ممتلكات المدعى عليهم في دعاوى النفقة تمثل خطوة مهمة لتقليص الوقت اللازم لجمع المعلومات، ومساعدة المحاكم المختصة على الوصول إلى بيانات تدعم إجراءات تقدير النفقة، لكنه شدد على أن الاستعلام وحده لا يكفي ما لم يتكامل مع إجراءات تنفيذ فعالة تضمن تحصيل المستحقات بعد صدور الأحكام.
التجربة الإماراتية.. حصر الأموال تمهيدًا للتنفيذ
وأشاد «عتابي» بالتجربة الإماراتية في تطوير منظومة تنفيذ الأحكام، مستشهدًا بنظام «التعميم»، الذي يتيح للجهات المختصة الاطلاع على بيانات تتعلق بالأموال المسجلة باسم المحكوم عليه لدى جهات متعددة، تشمل البنوك والأسواق المالية والسجلات العقارية والجهات المعنية بالمركبات، بما يساعد على اتخاذ إجراءات تنفيذ على الأموال التي يمكن استخدامها للوفاء بالدين.
وأكد أن الاستفادة من التجارب المقارنة يمكن أن تسهم في تطوير منظومة تنفيذ أحكام النفقة في مصر، مع مراعاة القواعد القانونية المنظمة لكل إجراء وضمانات حماية البيانات.
محمد بركات: الربط الإلكتروني وكشف الدخل ضمانة لتسريع تحصيل النفقة
من جانبه، أكد محمد بركات، بمحاكم الاستئناف العليا ومجلس الدولة، أن مشروع قانون دعم الأسرة المصرية وحقوق المطلقات يمثل خطوة مهمة نحو معالجة أزمات النفقة وتأخر تنفيذ الأحكام القضائية، لكنه شدد على ضرورة أن يتضمن نصوصًا واضحة وملزمة تضمن وصول المستحقات إلى الأمهات والأطفال في مواعيدها، بدلًا من الاكتفاء بتحديد الالتزامات دون ضمان تنفيذها فعليًا.
وأوضح «بركات» أن تحديد مهلة زمنية للكشف عن دخل الأب، من بينها مهلة الـ15 يومًا المتداولة، يتطلب الرجوع إلى النص الرسمي للمشروع للتحقق من صحتها والعقوبات المقررة على مخالفتها،
وأكد أهمية وضع جزاءات واضحة على إخفاء الدخل أو الامتناع عن تقديم البيانات المالية، حتى لا تصبح الإجراءات القانونية نصوصًا يصعب تطبيقها.
وأشار إلى أن الكشف عن القدرة المالية الحقيقية للأب، خاصة إذا كان يعمل لحسابه الخاص أو يتعمد إخفاء أمواله، يتطلب الربط الإلكتروني بين الجهات الضريبية والتأمينية والسجلات التجارية وجهات تسجيل الملكية، بما يساعد على تكوين صورة دقيقة عن وضعه المالي، كما شدد على أهمية وضع آليات قانونية للتحقق من الأموال التي قد تُسجل صوريًا بأسماء الأقارب، وعدم الاكتفاء بالراتب الرسمي وحده لتقدير القدرة على سداد النفقة.
وأضاف أن إثبات قدرة الأب على الدفع لا يكفي وحده لحماية حقوق الأطفال إذا استمر في الامتناع عن السداد، مؤكدًا ضرورة تفعيل إجراءات التنفيذ على أموال الممتنعين عن دفع النفقة، إلى جانب تفعيل دور صندوق دعم الأسرة في صرف المستحقات للمستفيدين وفقًا للشروط والضوابط القانونية المنظمة لعمله، حتى لا يظل الأطفال رهائن للمماطلة أو بطء الإجراءات.
ولفت إلى أن توجه المشروع نحو تسريع إجراءات الاستعلام عن الدخل، وإنشاء إدارات متخصصة لتنفيذ أحكام الأسرة، وتطوير الربط الإلكتروني بين الجهات المعنية، قد يسهم في معالجة أزمة تأخر تنفيذ أحكام النفقة، غير أن نجاح هذه الإجراءات سيظل مرتبطًا بقدرتها على تحويل الأحكام القضائية إلى مستحقات مالية تصل إلى أصحابها بالفعل، وليس بمجرد سرعة إصدار الأحكام.
وشدد «بركات» على أن إنهاء معاناة المطلقات لا يتحقق بمجرد إقرار القانون، وإنما يتطلب تحديد مدد ملزمة للاستعلام عن الدخل وتنفيذ الأحكام، وفرض جزاءات واضحة على إخفاء البيانات المالية وتعطيل الإجراءات، وضمان وجود آلية فعالة لصرف النفقة للمستحقين عند تعذر تحصيلها، إلى جانب إتاحة متابعة إلكترونية لمراحل التنفيذ.






