عادت تجربة «حكومة الظل» تطل برأسها على الساحة الحزبية من جديد، بعد إعلان حزب الدستور تشكيل حكومة ظل برئاسة الدكتور إسلام عبد الفاضل، في إحياء لأداة سياسية ظهرت للمرة الأولى في عام 2006، ثم تكررت عدة مرات في العقدين الأخيرين بمصر، لكن ظل مفهوم «حكومة الظل» غريبًا نسبيًا عن النظام السياسي المصري طوال العقود الأولى للجمهورية.
وتُعدّ حكومة الظل إحدى الأدوات السياسية التي تستهدف مراقبة أداء الحكومة، وتقديم بدائل للسياسات العامة، وإعداد كوادر حزبية قادرة على تولي المسؤولية، ولم تظهر تجارب موثقة ومنظمة بهذا الاسم إلا في أواخر عهد الرئيس حسني مبارك، وظلت محدودة العدد والتأثير بسبب طبيعة النظام الرئاسي وهيمنة الحزب الحاكم وضعف المعارضة الحزبية المنظمة.
ولا توجد إحصائية رسمية دقيقة، إذ إن معظم هذه التشكيلات كانت مبادرات حزبية داخلية قصيرة العمر أو رمزية، ولم تتحول إلى مؤسسات رقابية مستمرة، فيما يتصدر حزب الوفد بعدد التجارب، بينما الباقي محاولات متفرقة لأحزاب صغيرة أو ائتلافات.
حكومة الفضالي
في عام 2006، تم إعلان حكومة ظل لـ10 أحزاب صغيرة برئاسة المستشار أحمد الفضالي، ووُصف الأمر آنذاك بأنه سابقة، واستهدفت بحسب ما نشر وقتها مراقبة عمل حكومة أحمد نظيف، وأعلنت رفع دعوى قضائية لحل مجلس الشعب المصري والدعوة ببطلان الانتخابات في عام 2006.
الوفد صاحب نصيب الأسد
في عام 2010 أعلن حزب الوفد تشكيل أول حكومة ظل كاملة نسبيًا برئاسة الدكتور علي السلمي، بهدف وضع دستور جديد للبلاد، ووضع برامج إصلاح سياسي واقتصادي ومراقبة الأداء الحكومي وقتها، وضمت 30 وزارة و4 لجان وزارية متخصصة، وهي، لجنة تنمية سيناء ولجنة السياسات النقدية والمصرفية ولجنة للبث المرئي والمسموع ـ بدلاً من وزارة الإعلام ـ ولجنة التخطيط، مشيرًا إلى أن التشكيل لم يتضمن وزارتين سياديتين هما الدفاع والداخلية، اللتين تستلزمان التعامل معهما من شخص داخل النظام الحالي، وفسر إلغاء وزارة الإعلام بأنه يأتى تماشيًا مع النظام العالمي.

وفي عام 2015، أعاد حزب الوفد تجربة حكومة الظل برئاسة الدكتور صلاح حافظ، وضمت 32 وزيرًا ووزارة.
وفي 2016، قرر حزب الوفد إعادة تشكيل حكومة الظل برئاسة سامح صدقي.
حزب الغد ولجان تحاكي الوزارات
وفي عام 2021، أعلن حزب الغد برئاسة موسى مصطفى موسى، تشكيل لجان نوعية ضمن إطار حكومة ظل، تحاكي عددًا من الوزارات، من بينها الإعلام والطاقة والإسكان والسياحة والتعليم والشؤون الدستورية.
واستهدفت اللجان دراسة المشكلات وتقديم مقترحات للحلول، إلا أن التجربة لم تحافظ على حضور بارز ومستمر في المشهد العام.
كتلة الحوار تطلق حكومة ظل في 2024
وفي عام 2024، أعلنت كتلة الحوار تشكيل حكومة ظل برئاسة المهندس حسام الدين علي، بهدف تقديم مقترحات وبدائل في عدد من الملفات العامة.
وضمت التشكيلة مسؤولين في مجالات التعليم العالي والإسكان والطاقة والخارجية وغيرها، كما طرحت الكتلة بيانات ومقترحات تناولت قضايا الإسكان والمناهج الدراسية والأوضاع الاقتصادية.
وجاءت التجربة في إطار مساعي الكتلة لتنشيط النقاش السياسي وتقديم رؤى بشأن السياسات العامة، مع التأكيد على التعاون مع مؤسسات الدولة.
حزب الدستور يبدأ تشكيل حكومة ظل
وفي أحدث تجربة وجّه المكتب السياسي لحزب الدستور مجموعة الأمانة العامة برئاسة المستشار إبراهيم العزب ببدء إجراءات تشكيل حكومة ظل، قبل أن تتخذ الهيئة العليا والمكتب السياسي، في 13 أكتوبر الجاري، قرارًا بتكليف الدكتور إسلام عبد الفاضل، عضو المكتب السياسي، بتشكيل الحكومة.
وتستهدف الخطوة وفق بيان للحزب استكمال البناء المؤسسي للحزب، والانتقال من إصدار المواقف السياسية إلى تقديم رؤى وبدائل عملية قابلة للنقاش والتنفيذ.
وأطلق الدكتور إسلام عبد الفاضل ورقة عمل في الساعات الأخيرة تطرح توصيات لتحسين مستوى معيشة المواطنين، تضمنت خفض التضخم وحماية القوة الشرائية، وتوفير فرص عمل منتجة بأجور أعلى، وتحسين الأجور وظروف العمل، وتطوير التعليم والتدريب، وتخفيف الأعباء عن الأسر.
كما شملت التوصيات إصلاح الإنفاق والموارد العامة، وتعزيز المنافسة، والتخارج التدريجي للدولة من بعض الأنشطة الاقتصادية، مع التأكيد على الشفافية في التنفيذ.
عبد الفاضل: البديل ضروري
من جانبه أكد الدكتور إسلام عبد الفاضل رئيس حكومة ظل الدستور في تصريحات لـ “ليبرالي” أهمية وجود بدائل حزبية قوية وقادرة على حل مشكلات المواطنين، في ظل التحديات الاقتصادية الحالية وارتفاع معدلات التضخم، وما تفرضه من ضغوط على قدرة المواطنين على توفير متطلبات الحياة الكريمة.
وشدد عبد الفاضل على أن حكومة الظل يجب أن تؤدي دورًا أساسيًا في إعداد برامج وبدائل حقيقية، تقيّم أداء الحكومة الحالية وتطرح قرارات بديلة، بما يتيح المشاركة الفعالة في السلطة من خلال كوادر مدربة وأفكار محدثة تستجيب للتحديات الراهنة.

وأوضح أن دراساته تركز على تقديم حلول اقتصادية عملية، في مقدمتها الحد من التضخم، وتعزيز الاعتماد على التصنيع المحلي، وجذب المصانع الأوروبية التي تواجه أزمات في تكاليف التشغيل والضرائب، مثل المصانع الألمانية، من خلال تقديم حوافز مناسبة تشجعها على نقل أنشطتها أو التوسع في التصنيع داخل مصر.
وأكد ضرورة العمل على توطين الصناعات المتقدمة، وفي مقدمتها صناعة السيارات والذكاء الاصطناعي، بما يسهم في توفير فرص عمل حقيقية، وتحقيق دخول جيدة للمواطنين، بدلًا من الاعتماد على أنماط من العمالة لا تحقق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
وأشار عبد الفاضل إلى أهمية تعزيز القدرة التصديرية للاقتصاد المصري، وبناء شراكات مع المصانع الأوروبية، بما يدعم الإنتاج الوطني، ويفتح أسواقًا جديدة أمام المنتجات المصرية، ويسهم في نقل التكنولوجيا الحديثة والخبرات الصناعية إلى البلاد.
وشدد على أهمية تقديم بدائل اقتصادية قابلة للتطبيق، تربط بين مواجهة التضخم وتحسين مستوى المعيشة من جهة، وتطوير الصناعة وزيادة الصادرات وتوفير فرص العمل من جهة أخرى، بما يدعم قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحديات الحالية وتحقيق التنمية.
حلمي: شكل رمزي وشو إعلامي
بدوره، أكد مجدي حلمي، عضو مجلس الأمناء بالمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، في تصريحات لـ”ليبرلي” أن فكرة حكومة الظل متبعة تقليدياً في الدول الديمقراطية الكبرى والأحزاب السياسية الكبيرة لتجهيز كوادرها لتولي السلطة إما عبر الفوز بالأغلبية في الانتخابات أو من خلال الدخول في تحالفات انتخابية، مشيراً إلى أن هذه التجربة تعد تقليداً ديمقراطياً غربياً عريقاً وليست وليدة الواقع المصري الحديث.

ولفت “حلمي” إلى أن بعض الأحزاب المصرية قبل ثورة 1952 مثل الحزب الوطني وحزب مصر الفتاة كانت تمتلك حكومات ظل، وفيما يتعلق بالوضع في العصر الحديث، أكد أن الأحزاب الكبرى ذات الأغلبية في مصر تفتقر إلى إيديولوجية سياسية أو فكر محدد، وغالباً ما تكون تجمعات مصالح تتجمع مؤقتاً وتتفكك سريعاً، مشدداً على أن تجربة الأحزاب في مصر خلال العقود الأخيرة اقتصرت على “الشو” الإعلامي والشكل الرمزي لحكومة الظل دون أن تمتلك قواعد حقيقية أو فاعلية على الأرض.
وبيّن أن نجاح حكومة الظل مرتبط بقوة الحزب في الشارع، وقدرته على حصد الأغلبية البرلمانية، وامتلاكه كوادر قادرة على تشكيل الحكومة، فضلًا عن وجود مرجعية سياسية وبرنامج انتخابي واضح.



