الدستور ليس ورقةً قابلة للتجاوز.. ومصر ليست حُكمًا مؤبدًا لأحد
رفضًا لدعوات استمرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بعد انتهاء ولايته، ودفاعًا عن مبدأ تداول السلطة وسيادة الدستور.
إن الدعوات المطالبة باستمرار الرئيس عبد الفتاح السيسي في الحكم بعد انتهاء ولايته تطرح سؤالًا جوهريًا لا يجوز الهروب منه: هل نريد دولة تحكمها القواعد الدستورية والمؤسسات، أم دولة يصبح فيها استمرار الأشخاص في السلطة هو القضية التي تتقدم على كل اعتبار آخر؟.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة ليس مجرد الخلاف حول اسم الحاكم، بل أن يفقد الدستور مكانته باعتباره المرجعية العليا المنظمة للسلطة، وأن يتحول احترامه إلى مسألة خاضعة للظروف والمصالح السياسية، فالمساس بالقواعد الدستورية المنظمة لتداول السلطة، أو التعامل معها باعتبارها عائقًا أمام استمرار الحاكم، يهدد الثقة في المؤسسات ويبعث برسالة خطيرة إلى الأجيال القادمة مفادها أن القواعد يمكن تجاوزها متى امتلك أصحاب السلطة القدرة على ذلك.
إن الجيل الذي يعيش هذه اللحظة ليس مسؤولًا عن حاضره وحده، بل عن القواعد التي سيتركها لمن يأتي بعده، فإذا اعتاد هذا الجيل تبرير تجاوز المبادئ الدستورية من أجل أشخاص، فقد يجد أبناؤه أنفسهم أمام واقع تصبح فيه الحقوق السياسية والضمانات القانونية أقل استقرارًا، ويصبح تداول السلطة استثناءً بدلًا من أن يكون مبدأً تحميه المؤسسات.
والأخطر من ذلك هو انسداد المجال السياسي، وتراجع الثقة في جدوى المشاركة، وتراكم مشاعر الغضب والإحباط لدى قطاعات من المجتمع، فالتاريخ يعلمنا أن تجاهل المطالب السياسية والاجتماعية، وإغلاق قنوات التعبير السلمي، قد يفاقمان الاحتقان ويزيدان احتمالات الاضطرابات والتحولات المفاجئة. ولا يمكن الجزم بوقوع ثورة أو تحديد توقيتها، لكن الحكمة السياسية تقتضي معالجة أسباب الغضب قبل أن تتسع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته.
أما القوى السياسية التي تصطف خلف السلطة، وتكتفي بتأييد استمرارها دون مساءلة أو نقاش جاد حول البدائل وتداول السلطة، فعليها أن تدرك أن العمل السياسي ليس تصفيقًا للحاكم، وأن دور الأحزاب والقوى العامة لا ينبغي أن يقتصر على تبرير قرارات السلطة، بل يشمل الرقابة والمساءلة والدفاع عن قواعد المنافسة السياسية العادلة.
إن التأييد السياسي حق، لكن تحويله إلى غطاء دائم لأي توجه حكومي، أو الاستعاضة به عن النقاش العام والمحاسبة، يضعف الحياة الحزبية ويجعل المؤسسات السياسية أقل قدرة على تمثيل التنوع الحقيقي في المجتمع، فالدولة القوية لا تخشى المنافسة، والحكم المستقر لا يحتاج إلى إضعاف مبدأ تداول السلطة كي يثبت شرعيته.
إن مصر أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، ومستقبلها لا يجوز أن يكون رهينةً للخلاف حول بقاء فرد في منصبه، والمطلوب هو الالتزام بالدستور، واحترام حدود الولايات الرئاسية وفقًا لأحكامه، وضمان انتخابات تنافسية نزيهة، وفتح المجال أمام الأحزاب والمواطنين لمناقشة مستقبل البلاد بحرية ومسؤولية.
إن أخطر ما يمكن أن نورثه للأجيال القادمة ليس أزمة اقتصادية أو خلافًا سياسيًا عابرًا، بل دولةً يُطلب فيها من الناس التكيف مع تجاوز القواعد بدلًا من المطالبة باحترامها.
وعليه، فإننا نؤكد أن احترام الدستور وتداول السلطة ليسا ترفًا سياسيًا ولا خصومة مع شخص بعينه، بل ضمانتان لحماية الدولة والمجتمع من احتكار السلطة، ولإبقاء باب التغيير السلمي مفتوحًا أمام المواطنين.
لا أحد فوق الدستور، ولا وطن يُختزل في شخص، ولا مستقبل آمن دون مؤسسات تحترم القانون وإرادة الشعب.
مصر دولة مؤسسات وقانون، ومستقبلها حق لأبنائها جميعًا.


