بنك القيادات.. مشروع تنمية بشرية
في ظل مسيرة الجمهورية الجديدة، التي تضع تمكين الكفاءات الوطنية وتأهيل الصف الثاني من القيادات في صميم استراتيجيتها، تأتي رؤية مصر 2030 كخريطة طريق طموحة تستوجب إعادة النظر في آليات اختيار وتأهيل قادة المستقبل، فإذا كنا نبني دولة حديثة تقوم على المؤسسات والكفاءة، فعلينا أن ننظر بعين مختلفة إلى الكوادر التنفيذية الموزعة على أرض الوطن.
في خريطة الإدارة المصرية، يمثل مدير المديرية العمود الفقري للدولة على المستوى المحلي؛ فهو الرجل التنفيذي الأول للوزارة في محافظته، والمكلف بترجمة الرؤية الاستراتيجية للوزارة إلى إنجازات ملموسة على الأرض، لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: لماذا ننظر إلى هؤلاء القادة على أنهم مجرد “موظفين عموميين” ينتهي دورهم عند حدود التنفيذ اليومي؟، أليس من الأجدى أن ننظر إليهم باعتبارهم “مشاريع وزراء للمستقبل”، يستحقون الرعاية والتأهيل الشامل؟.
هذا مقترح مشروع قومي لإعادة هندسة الموارد البشرية في مصر، وتحويل المديريات إلى ماكينات تفريغ وزراء المستقبل، ترسيخًا لمبادئ الجمهورية الجديدة في اقتناص الكفاءات وصقلها قبل الاحتياج الحقيقي والميداني إليها.
يمتلك مديرو المديريات قدرة فنية استثنائية، لأنهم يعملون على خط المواجهة مع تحديات المواطنين وهمومهم، فهم الأكثر دراية بثغرات التنفيذ، وأقدر على قراءة الواقع، لأنهم لا يتعاملون مع الأرقام النظرية، بل مع البنية الحقيقية للمحافظات، إذا كانت الوزارة هي قلب الاستراتيجيات والسياسات، فإن مدير المديرية هو ذراعها التنفيذي الذي يعرف مواطن الضعف والقوة في أرض الواقع، ولذلك أتساءل :لماذا نكتفي بقدراتهم الفنية، بينما الوزارة تحتاج لقائد متكامل؟، وللرد علي تسائلي أقترح إنشاء برنامج وطني متقدم لتأهيل مديري المديريات في ثلاثة محاور رئيسية:
- التأهيل السياسي والاستراتيجي، لضمان فهم عميق للمنهج السياسي للدولة، والسياسات الداخلية والخارجية، وأهداف الجمهورية الجديدة، وخطة التنمية المستدامة (رؤية مصر 2030).
- التأهيل الاقتصادي والمالي لتعزيز قدرتهم على إدارة الميزانيات، وتحقيق الاستدامة المالية، وجذب الاستثمارات في قطاعاتهم، وكيفية ترشيد الإنفاق مع تعظيم العائد.
- رفع الكفاءة الفنية والإدارية، ليس فقط في تخصصهم، بل في علوم الحوكمة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وإدارة الأزمات، وقيادة فرق العمل.
وبعد ذلك نعطي لهم الفرصة الميدانية لممارسة ما تم تأهيلهم عليه، قبل أن يأتي دور التقييم، الذي يجب ألا يقتصر على الجانب الإداري الروتيني. بل لا بد من وضع معايير قياس أداء شاملة (KPIs) ترصد قدرتهم على:
1- تحقيق المستهدفات التشغيلية للوزارة الأم.
2- تجاوز الأزمات الطارئة بحنكة قيادية.
3- الالتزام بالشفافية المالية والإدارية.
4- درجة التكامل مع خطة الدولة الشاملة.
وعلى أساس هذه التقييمات الدورية، يتم منحهم درجات، ويتم ترتيبهم في سجلات، مما يحولهم إلى بنك بشري متجدد.
تخيل أن لدينا في كل قطاع من قطاعات الدولة حوالي 27 مرشحا مؤهلا تم اختبارهم وتأهيلهم وترتيبهم حسب النزاهة والكفاءة والقدرة على التخطيط الاستراتيجي، والتنفيذ، والمتابعة، والتقييم ورفع التقارير، فعندما يحين وقت تغيير الدماء في أي وزارة، أو عندما يحتاج ملف معين إلى قيادة استثنائية، لن يتم البحث والترشيح من جديد، بل سيتم الاختيار من داخل هذا البنك الوطني للقيادات، الاختيار سيكون بناءً على الكفاءة المهنية والأكاديمية، وليس على المجاملات، مما يرسخ مبدأ تكافؤ الفرص ويضمن استمرارية السياسات.
ولا يمكن لهذا المشروع أن ينجح دون تنسيق تام ومتكامل بين الوزارة المعنية والسادة المحافظين، حيث ان المحافظ يمثل ذراع السلطة السياسية والإدارية الشاملة للمحافظة، بينما يمثل مدير المديرية الذراع التنفيذي التخصصي .
هذا التكامل بين “فن الإدارة” من جانب مدير المديرية ، و”الحوكمة” من جانب المحافظ، سيخلق حالة من الانسجام تمنع التضارب، وتضمن أن كافة الخطط القطاعية تصب في النهاية في مصلحة الوطن .
تحويل مديري المديريات إلى “مشروع وزير قادم” ليس مجرد تطوير للقطاع الحكومي، بل هو استثمار في مستقبل مصر القيادي، وهو التجسيد العملي لشعار “بناء الإنسان المصري” الذي تتبناه الجمهورية الجديدة، إنها رسالة واضحة بأن من يخدم الوطن على الأرض يستحق أن يقود سفينته من كابينة القيادة العليا.
ومن المؤكد أنه لنجاح المشروع فإن ذلك يستلزم حسن اختيار مدير المديرية من الأساس، فلو تم تنفيذ مشروع بنك القيادات علي المستويات الوظيفية الأقل، سنجد بلاشك رصيد رائع في بنك القيادات يمكن من خلالة اختيار قيادات بداية من مدير إدارة حتي مدير مديرية.
بهذه الرؤية، نؤسس لدولة تمتلك صفا ثانيا من القادة على أهبة الاستعداد، ونضمن أن أي تغيير وزاري سيكون نقلة نوعية، وليس مجرد تبديل للأشخاص، بل انتصارا للكفاءة والتخطيط، والتنمية المستدامة.



