«ليبرالي» يتتبع حقيقة صورة اعتقال النمر الوردي.. من احتجاجات فرنسا إلى فخ التضليل الرقمي
-
من الشارع إلى الشاشة.. لماذا يستعين جيل «زد» بالرموز الشعبية للتعبير عن غضبه؟
-
صورة واحدة ونسبتان مختلفتان.. «ليبرالي» يفحص مؤشرات التزييف في مشهد اعتقال النمر الوردي
-
إيمان الوراقي: في عصر سباق المشاهدات.. هل تنتصر الصورة الأكثر إثارة على القضية الأكثر أهمية؟
-
الدكتور محمد بحيري: التزييف الرقمي يتحول إلى أداة لتوجيه الرأي العام وصناعة الانقسام
لم تعد الصور المصاحبة للاحتجاجات مجرد وسيلة لتوثيق ما يحدث في الشوارع، بل أصبحت جزءًا من معركة أوسع على جذب الانتباه وتشكيل الرأي العام، ففي فرنسا، تداخلت مشاهد الغضب الشعبي والمطالب الاجتماعية مع صور غير مألوفة لشباب يرتدون أزياء شخصيات شهيرة، من بينها باتمان، ودارث فيدر، والنمر الوردي، ونابليون بونابرت، في مشهد عكس أسلوبًا مختلفًا في التعبير عن الاحتجاج، وانتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وبينما وثقت صور ومقاطع حقيقية مشاركة بعض هؤلاء الشباب بأزياء تنكرية في المظاهرات، ظهرت صورة أخرى تزعم تعرض شخصية «النمر الوردي» للاعتقال وسط مواجهات مع الشرطة، وأثارت شكوكًا بشأن حقيقتها.
وأظهر فحصها باستخدام أدوات رقمية مؤشرات ترجح أنها مولدة أو معدلة بالذكاء الاصطناعي، ما يفتح بابًا للنقاش حول الحدود الفاصلة بين المشهد الاحتجاجي الحقيقي والصورة المصطنعة، وكيف يمكن لمحتوى مضلل أن يسرق الأضواء من قضايا اجتماعية واقتصادية أكثر أهمية.
احتجاجات بمطالب حقيقية.. وغضب يتجاوز المشاهد الطريفة
لم تبدأ الاحتجاجات الفرنسية بظهور الشخصيات الكرتونية في الشوارع، وإنما سبقتها أسابيع من التحركات الطلابية التي انطلقت في سبتمبر 2026، على خلفية شكاوى من نقص المعلمين، واكتظاظ الفصول الدراسية، وتدهور حالة بعض المدارس ونقص تجهيزاتها، إلى جانب الاعتراض على جوانب من نظام القبول الجامعي «باركورسوپ» والقلق بشأن فرص الشباب ومستقبلهم التعليمي.
ومع اتساع التحركات، تجاوزت المطالب حدود التعليم لتلتقي مع غضب اجتماعي أوسع بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، وأسعار الوقود، وتراجع القدرة الشرائية، فضلًا عن مطالب بتحسين الأجور والمعاشات وحماية الخدمات العامة، وانضمت إلى التحركات مجموعات من العمال والنقابات ومؤيدون لحركة «السترات الصفراء»، التي ارتبطت احتجاجاتها في عامي 2018 و2019 بالغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة والسياسات الاقتصادية.
وفي 17 أكتوبر الجاري، شهدت باريس ومدن فرنسية أخرى مظاهرات واسعة، وقدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 550 ألف شخص في مختلف أنحاء البلاد، بينما رفعت الجهات المنظمة تقديراتها إلى نحو 800 ألف، ورغم الطابع السلمي لغالبية المسيرات، شهدت بعض المدن مواجهات وأعمال نهب وتخريب وحرائق، ما أعاد إلى الواجهة الجدل حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وأداء الحكومة، وطريقة تعامل قوات الأمن مع المحتجين.
وتكشف هذه الخلفية أن المشاهد اللافتة التي انتشرت من الشوارع الفرنسية لم تكن هي الحدث كله؛ فخلفها تحركات تحمل مطالب تتعلق بالتعليم والمعيشة والخدمات العامة، وتعبر عن استياء قطاعات من المجتمع من أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.
من باتمان إلى النمر الوردي.. كيف يعبّر جيل «زد» عن احتجاجه بطريقته؟
على غير الصورة التقليدية للمتظاهرين، اختار بعض شباب جيل «زد» التعبير عن مشاركتهم من خلال ارتداء أزياء شخصيات يعرفها الجمهور من الأفلام والرسوم المتحركة والثقافة الرقمية، مثل باتمان، ودارث فيدر، والنمر الوردي، إلى جانب شخصيات أخرى من عالم الخيال والتاريخ.
ولا يعني هذا الاختيار بالضرورة أن هؤلاء الشباب يتعاملون مع الاحتجاجات باعتبارها مناسبة للترفيه، بل يمكن فهمه في سياق تغير أساليب التعبير السياسي لدى جيل نشأ مع الإنترنت والألعاب والأفلام وثقافة الميمات، وأصبحت الرموز البصرية المشتركة جزءًا من لغته اليومية ووسيلة للتواصل مع الآخرين.
ووفقًا لتغطيات صحفية فرنسية، يمكن لهذه الرموز أن تضفي أجواء من الحيوية والمرح على المسيرات، وتساعد على جمع شباب من خلفيات مختلفة لا تجمعهم بالضرورة اهتمامات واحدة، لكنها تمنحهم لغة ثقافية مشتركة، كما أن ارتداء زي لافت يجعل المتظاهر أكثر قدرة على جذب الأنظار والتقاط الصور وانتشارها، وهو ما قد يسهم في توسيع دائرة الاهتمام بالتحركات.
وفي هذا السياق، لا تكون الفكاهة نقيضًا للجدية بالضرورة، فقد يستخدم المحتجون الابتسامة والسخرية لكسر الصورة النمطية عن المظاهرات، أو للتعبير عن رفضهم للأوضاع القائمة بأسلوب مختلف عن الهتافات واللافتات التقليدية، لكن دلالة كل شخصية تظل مرتبطة بالسياق الذي تظهر فيه، وما يقصده صاحبها من اختيارها، ولا يمكن افتراض أن جميع الأزياء تحمل رسالة سياسية واحدة.
ماذا يعني «النمر الوردي»؟
يتمتع «النمر الوردي» بحضور طويل في الثقافة الشعبية، فقد ارتبط ظهوره الأول بالشخصية الكرتونية التي صُممت لفيلم الجريمة الكوميدي «The Pink Panther» عام 1963، قبل أن تتحول إلى واحدة من الشخصيات المعروفة عالميًا عبر أفلام الرسوم المتحركة والأعمال المرتبطة بها، وتقوم جاذبيتها على ملامحها الوردية المميزة وحركاتها الساخرة وطابعها المرح، وهو ما جعلها رمزًا بصريًا يسهل التعرف عليه وتداوله.
وظهور شخص يرتدي زي الشخصية وسط احتجاجات حقيقية يمكن أن يجذب الانتباه بسبب التناقض بين عالم الرسوم المتحركة والواقع السياسي والاجتماعي في الشارع، فالشخصية التي يعرفها الجمهور في سياق كوميدي تظهر فجأة في مشهد احتجاجي جاد، ما يخلق مفارقة بصرية قابلة للتصوير والمشاركة والتعليق.
ولا تخلو شخصية «النمر الوردي» من دلالات ساخرة يمكن استحضارها في هذا السياق، ففي عدد من حلقاته الكرتونية، يجد نفسه في مواجهة صياد يحاول الإمساك به، لكنه يستخدم الحيلة والمراوغة للإفلات منه، ورغم أن الشخصية لم تُصمم أصلًا بوصفها رمزًا للمقاومة السياسية، فإن استدعاءها في مشهد احتجاجي قد يخلق مفارقة بصرية بين شخصية كرتونية اعتادت الهرب من مطارديها، وأجهزة الشرطة التي تظهر في الصورة وهي تتعامل معها باعتبارها أحد المحتجين.

«ليبرالي» يفحص صورة اعتقال «النمر الوردي».. أدوات الذكاء الاصطناعي تكشف حقيقتها
أما فيما يخص الصورة الأكثر تداولًا لاعتقال « النمر الوردي » و في محاولة للتحقق من حقيقتها خلال الاحتجاجات، استعان «ليبرالي» بأدوات رقمية لفحصها وتحليل تفاصيلها، وجاءت النتائج مرجحة لاحتمال توليد الصورة أو التلاعب بها باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهو ما لا ينفي وجود بعض الصور لهذا النمر حقيقية داخل المظاهرات.
وأظهر تحليل أداة «DeepSeek» ترجيحًا بنسبة 98% لكون الصورة مولدة أو مفبركة، مقابل 2% لاحتمال كونها حقيقية، واستند التقييم إلى مجموعة من المؤشرات البصرية، من بينها تشوهات الأيدي والقفازات واندماجها بصورة غير طبيعية مع الملابس، وعدم واقعية شكل الساق والقدم الوردية، فضلًا عن ضبابية الخلفية وضعف تفاصيل الحشد والسيارة البيضاء وعدم وضوح بعض العلامات على مركبة الشرطة، كما أشار التحليل إلى تناقضات محتملة في الإضاءة والظلال، وغياب الكتابات والشعارات الواضحة على الزي والمركبة، وهي تفاصيل أثارت الشكوك بشأن أصالة المشهد.
أما أداة «Gemini»، فرجحت بدورها أن تكون الصورة مولدة أو مفبركة، وقدرت الاحتمال بنحو 95% مقابل 5% لاحتمال كونها حقيقية، واستند تقييمها إلى غرابة المشهد المزعوم، إلى جانب ملاحظات تتعلق بتداخل الأطراف مع القماش والخلفية، وتوزيع البقع والأوساخ بصورة غير طبيعية، واستخدام تمويه مبالغ فيه قد يحجب تفاصيل العناصر الموجودة في عمق الصورة.
بينما استُخدم «Google Lens» في البحث العكسي عن الصورة ومقارنة ما يظهر من نتائج مشابهة، وهي خطوة تساعد على تعقب النسخ المنشورة ومصدر الصورة المحتمل، لكنها لا تمنح وحدها نسبة موثوقة تثبت أن الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، ولذلك، يجب التمييز بين أدوات البحث عن الصور وأدوات الكشف التقني، وعدم التعامل مع أي نتيجة منفردة باعتبارها حكمًا نهائيًا.
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن الصورة محل الفحص تثير شكوكًا قوية بشأن أصالتها، لكنها تظل بحاجة إلى تقييم يستند إلى مصدرها الأصلي وأدلة مستقلة، لا إلى النسب التي تنتجها الأدوات وحدها، فالتقديرات الرقمية تختلف باختلاف الأداة وجودة الصورة وطبيعة المحتوى، وقد تخطئ أدوات الكشف في بعض الحالات.

إيمان الوراقي: الصور الطريفة قد تطغى على مطالب المحتجين
من جانبها، قالت إيمان الوراقي، المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، في تصريحات لـ«ليبرالي»، أن الصور الغريبة والطريفة التي تظهر خلال المظاهرات قد تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي أسرع من المطالب الحقيقية للمحتجين، بسبب ميل خوارزميات هذه المنصات إلى إبراز المحتوى الذي يثير الدهشة ويحقق معدلات تفاعل مرتفعة.
وأوضحت أن ظهور شخصية كرتونية وسط احتجاج قد يجذب الانتباه والمشاركات بدرجة تفوق الرسائل المرتبطة بالأجور أو التعليم أو الخدمات العامة، وهو ما قد يؤدي إلى طغيان الصورة على القضية التي يفترض أن تعبر عنها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل صورة ساخرة تضر بالاحتجاجات، إذ يتوقف تأثيرها على السياق الذي تنتشر فيه، وما إذا كانت تدفع الجمهور إلى معرفة المزيد عن المطالب أم تجعل الحدث مجرد مادة للترفيه.
وأضافت «الوراقي» أن التحقق من حقيقة الصور المتداولة يتطلب الجمع بين الفحص البصري والبحث العكسي عن الصور باستخدام أدوات مثل «Google Lens» و«InVID»، إلى جانب الاستعانة بأدوات الكشف التقني بحذر، مؤكدة أنه لا توجد أداة تضمن نتائج قاطعة في جميع الحالات، خصوصًا مع التطور المستمر في تقنيات توليد الصور وتعديلها.
وأشارت إلى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل تعليقات الجمهور ورصد اتجاهات التفاعل، للمساعدة في فهم ما إذا كانت السخرية تعزز التعاطف مع المحتجين أم تحول مطالبهم إلى مادة للترفيه، وفي المقابل، يمكن توظيف التقنيات نفسها في صناعة مشاهد زائفة أو تعديل صور حقيقية لإظهار مظاهرة سلمية وكأنها تتضمن أعمال عنف، بما قد يؤثر في الرأي العام ويشوه صورة المشاركين.
كما أكدت «الوراقي» أن كثافة المشاهدات والإعجابات لا تعني بالضرورة نجاح الرسالة الاحتجاجية، موضحة أن المعيار الأهم يتمثل في مدى استمرار النقاش حول المطالب الأساسية، وانتقالها إلى وسائل الإعلام والمؤسسات المعنية وصناع القرار، ولذلك، فإن تقييم أثر المحتوى يتطلب تحليلًا يتجاوز الأرقام الظاهرة، ليرصد طبيعة التفاعل ومضمونه ومدى مساهمته في إبقاء القضية حاضرة في المجال العام.
واختتمت «الوراقي» بقولها أنه لا تكمن القضية في ظهور «النمر الوردي» أو باتمان أو نابليون وسط المظاهرات، بل في ضرورة التمييز بين أساليب التعبير الحقيقية والصور المصطنعة التي تنسب إلى الشارع وقائع غير مؤكدة، فجيل «زد» يستخدم لغة بصرية وثقافية مختلفة للتعبير عن غضبه، لكن هذه اللغة نفسها يمكن أن تصبح مادة للتضليل حين تختلط الصور الحقيقية بالمشاهد المولدة رقميًا.
الذكاء الاصطناعي وتسييس الرأي العام
من جانبه، قال الدكتور محمد بحيري، أستاذ الذكاء الاصطناعي بالجامعة الروسية، في حديثه لـ«ليبرالي» إن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرًا في مختلف جوانب حياتنا، بما في ذلك استخدامه في تسييس الرأي العام وتوجيهه نحو اتجاهات معينة، من خلال إعادة نشر صور قديمة باعتبارها حديثة، أو تركيب صور ومقاطع فيديو من أحداث مختلفة لإنتاج محتوى مضلل يخدم أهدافًا محددة.
وأوضح «بحيري» أن بعض الجهات قد تستخدم هذه الأساليب للتأثير في الرأي العام داخل الدول أو خارجها، وإثارة البلبلة والانقسام بشأن قضايا وأحداث بعينها، لافتًا إلى أن ما حدث في فرنسا يمثل مثالًا على خطورة تداول الصور والمقاطع المضللة بالتزامن مع الاحتجاجات، إذ يمكن توظيف محتوى مفبرك أو مشكوك في صحته للتأثير في كيفية فهم الجمهور للأحداث وتشكيل انطباعاته عنها.
وأضاف أن خطورة هذه الممارسات ترتبط بصعوبة اكتشاف التزييف لدى قطاعات من الجمهور؛ فهناك من يصدق الصور والفيديوهات دون التحقق من مصدرها، وهناك من يعيد نشرها باعتبارها حقيقية، بينما لا يهتم آخرون بالتدقيق في صحتها، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من البلبلة والانقسام، ويصب في مصلحة الجهات التي تقف وراء نشر المحتوى المضلل.
وأشار «بحيري» إلى وجود أدوات يمكن الاستعانة بها لفحص الصور والمحتوى المشتبه في توليده أو التلاعب به، من بينها Generate Me وFake AI، موضحًا أن بعض علامات التزييف قد تظهر بالعين المجردة، مثل الأخطاء في التفاصيل البصرية أو وجود عناصر غير منطقية داخل الصورة، لكن اكتشاف التلاعب ليس ممكنًا دائمًا بمجرد النظر، خصوصًا مع التطور المستمر لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وشدد على ضرورة التحقق من مصدر الصور ومقاطع الفيديو قبل تداولها أو الاستناد إليها في فهم الأحداث، مع الاستعانة بأدوات الفحص باعتبارها وسائل مساعدة وليست دليلًا قاطعًا بمفردها على أن المحتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي أو جرى التلاعب به.






