الدولار يكسر حاجز الـ54 جنيهًا.. خبراء يطرحون روشتة إنقاذ الاقتصاد من فخ الاستيراد والديون
هدى الإتربي تحذر من اتساع فجوة التجارة الخارجية وأعباء خدمة الدين.. ومحمد دياب يدعو إلى التوسع في الإنتاج الزراعي وإصلاح الموازنة
في مشهد يعيد رسم خريطة الضغوط المعيشية والمالية في مصر، واصل سعر صرف الدولار الأمريكي ارتفاعه أمام الجنيه المصري خلال تعاملات اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، متجاوزًا حاجز الـ54 جنيهًا رسميًا في معظم البنوك العاملة بالسوق المصرفية، مدعومًا ببيانات البنك المركزي التي أظهرت تسجيل متوسطات تجاوزت 54.44 جنيهًا للشراء و54.58 جنيهًا للبيع، بينما لامس الدولار مستوى 54.60 جنيهًا في بنوك تجارية كبرى، مثل البنك التجاري الدولي وبنك الإسكندرية.
ويأتي هذا الارتفاع في وقت تشير فيه أحدث تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووكالات التصنيف الائتماني إلى استمرار الضغوط التضخمية، التي تدفع بمعدل التضخم العام في المدن إلى مستويات مرتفعة تقارب 26.5%، متأثرًا بزيادات أسعار المحروقات والطاقة الأخيرة، التي أقرتها الحكومة بنسب تتراوح بين 10% و15% بهدف تقليص عجز الموازنة.
ويضاف إلى ذلك تراجع إيرادات قناة السويس بنسبة حادة تجاوزت 40% على أساس سنوي، بسبب التوترات العسكرية المستمرة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والتي دفعت خطوط الملاحة العالمية إلى الالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح، مسببة عجزًا شهريًا في موارد النقد الأجنبي يُقدَّر بنحو 350 إلى 400 مليون دولار.
ولم يعد هذا الارتفاع القياسي مجرد مؤشر رقمي عابر، بل تحول إلى عامل يلتهم القوة الشرائية للمواطنين، ويضع الاقتصاد أمام اختبارات قاسية، ويفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدوى السياسات الإدارية المؤقتة وغياب آليات السوق الحر.
وفي هذا السياق، يطرح موقع «ليبرالي» رؤى اقتصادية تبحث عن حلول غير تقليدية، من شأنها تمكين القطاع الخاص وإعادة الاعتبار للإنتاج الحقيقي، بدلًا من الاكتفاء بسياسات الجباية.
هدى الإتربي: فاتورة الاستيراد وأعباء الديون
أوضحت الدكتورة هدى الإتربي، الخبيرة الاقتصادية والمدير العام للمركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى والتدريب، أن ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه المصري، الذي وصل إلى نحو 54 جنيهًا واقترب من 55 جنيهًا، جاء نتيجة مجموعة من العوامل المحلية والعالمية المتداخلة.
وأضافت أن أبرز هذه العوامل يتمثل في التوترات الجيوسياسية المشتعلة في المنطقة، وزيادة احتياجات السوق المصرية من النقد الأجنبي، في ظل اتساع الفجوة بين ارتفاع فاتورة الاستيراد وضعف الصادرات، التي لا تتجاوز قيمة الصادرات غير البترولية منها 35 مليار دولار سنويًا، مقابل واردات تقترب من 80 مليار دولار.
وأشارت «الإتربي» إلى أن الاقتصاد المصري يعتمد بدرجة كبيرة ومقلقة على الاستيراد لتوفير احتياجاته الأساسية من الوقود والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج، إلى جانب الالتزامات الخارجية الضخمة وسداد أقساط الديون الخارجية وفوائدها، التي تستنزف جزءًا كبيرًا من التدفقات الدولارية، إذ تتجاوز خدمة الدين 30 مليار دولار سنويًا، وفقًا لبيانات البنك المركزي.
وأوضحت أن ذلك يخلق طلبًا مستمرًا وكبيرًا على العملة الأجنبية، ويضع ضغوطًا متواصلة على سعر الصرف.
وأضافت أن حالة عدم اليقين الناتجة عن الصراعات الإقليمية تؤثر سلبًا في قرارات المستثمرين، وتدفع بعض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الترقب وتأجيل خطط دخول السوق المصرية، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم التدفقات النقدية الأجنبية ويزيد صعوبة تدبير الدولار.
ولفتت إلى أن الأزمة لا تقتصر على العوامل المحلية، بل تتأثر أيضًا بالتطورات العالمية، ومنها ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، التي تجذب الأموال الساخنة إلى الأسواق المتقدمة، فضلًا عن التوترات المستمرة التي تهدد طرق إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما يضاعف الأعباء والضغوط على الاقتصادات المستوردة، وفي مقدمتها الاقتصاد المصري.
وحذرت «الإتربي» من أن استمرار هذه الضغوط يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد، وينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات، بما يسهم في تراجع القوة الشرائية للمواطنين وزيادة الأعباء المعيشية، لا سيما في ظل ارتفاع معدلات التضخم وصعوبة تدبير الاحتياجات اليومية الأساسية.
وأكدت في ختام تحليلها أن جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز موارد النقد الأجنبي يمثلان ضرورة حتمية لتخفيف الضغوط على الجنيه، إلى جانب العمل الجاد على زيادة الصادرات وتقليل الاعتماد المفرط على الاستيراد، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في سوق الصرف والحد من التداعيات القاسية لارتفاع الدولار على الأسعار.
محمد دياب: تشخيص هيكلي للأزمة واصطدام مسارين
وفي السياق ذاته، يسلط الخبير الاقتصادي الدكتور محمد دياب، المستشار المالي وكبير إدارة الأزمات المالية، الضوء على الجذور الهيكلية للأزمة، مؤكدًا أن الارتفاع المستمر في سعر الدولار يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتراجع الصادرات وضعف موارد النقد الأجنبي، إلى جانب التداعيات السلبية المباشرة للتوترات الإقليمية على حركة التجارة العالمية وإيرادات قناة السويس.
وأشار إلى أن الأزمات المرتبطة بمضيقي هرمز وباب المندب أثرت في حركة التجارة العابرة، وأدت إلى اضطرابها، وهو ما ينعكس بالضرورة على ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الأعباء على المواطنين.
وأوضح «دياب» أن الارتفاع المتواصل في معدلات التضخم يؤدي إلى تآكل دخول المواطنين وتراجع قدرتهم الشرائية، بما يؤثر بصورة أكبر في الطبقة الوسطى، ويدفع شرائح واسعة منها نحو خط الفقر، فضلًا عن تراجع مستويات الرفاهية وانخفاض معدلات الاستهلاك وتغير أنماطه بشكل عام، خاصة في ظل تراجع نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة انخفاض قيمة العملة.
وحذر من أن مصر تعيش حاليًا حالة «لا حرب ولا سلم»، وهي معضلة قاسية تفرض على الدولة التعامل مع مسارين اقتصاديين متعارضين، هما اقتصاد الحرب واقتصاد التنمية.
وأوضح أن المسار الأول يتطلب تخصيص نفقات وجهود استثنائية لمواجهة الظروف الطارئة، في ظل ارتفاع الإنفاق العسكري والأمني ضمن الموازنة العامة، بينما يحتاج المسار الثاني إلى توجيه الموارد للاستثمار في المشروعات الإنتاجية والتنموية.
وأكد كبير إدارة الأزمات المالية أن الجمع بين المسارين يمثل تحديًا بالغ الصعوبة في ظل محدودية الموارد المتاحة، وقد يؤدي إلى تأخر تنفيذ بعض المشروعات التنموية وتأجيل العوائد المنتظرة منها، فضلًا عن تعارض اتجاهات الإنفاق؛ إذ تتحمل الدولة أعباء الإنفاق المرتبط بالحرب، بينما يواجه الاقتصاد المدني ضغوطًا تقشفية تعوق التخطيط للتنمية.
روشتة الخروج من الأزمة: الزراعة قصيرة الأجل
وفي إطار طرح حلول للأزمة، قدم «دياب» حزمة من المقترحات غير التقليدية، تبدأ بالتركيز العاجل على الإنتاج قصير الأجل، إذ يرى أن الحل الجذري يكمن في الاهتمام المكثف بالنشاط الزراعي، والتوسع في الإنتاج الحيواني والسمكي، ودعم الصناعات الزراعية، باعتبارها قطاعات قادرة على تحقيق عوائد سريعة، لا تتجاوز في بعض أنشطتها ستة أشهر، مقارنة بالمشروعات التنموية طويلة الأجل.
وأوضح أن التوسع في الأنشطة الزراعية ذات العائد السريع والمستمر من شأنه زيادة المعروض من السلع، بما يسهم في خفض الأسعار وتحقيق الاستقرار في الأسواق ورفع مستويات الرفاهية، وصولًا إلى استعادة الطبقة الوسطى لمكانتها وحجمها.
ويمتد طرح دياب ليشمل إصلاح الموازنة العامة وتطبيق اللامركزية، إذ انتقد اعتماد الدولة على موازنة ثابتة وغير مرنة تستهدف تحقيق هدف واحد، بينما يرى أن المصروفات ينبغي توزيعها بما يحقق هدفين أو ثلاثة أهداف في الوقت نفسه.
ولفت إلى أن نحو 86% من إيرادات الموازنة تأتي من الإيرادات السيادية، وعلى رأسها الضرائب، التي تجاوزت تقديراتها في الموازنة العامة الحالية حاجز 2.2 تريليون جنيه، وفقًا للأرقام الواردة في طرحه، في حين لا تتجاوز مساهمة المشروعات والأنشطة الإنتاجية للدولة 3%، معتبرًا أن الاعتماد المفرط على الضرائب يعكس توجهًا واضحًا نحو الجباية.
ودعا «دياب» إلى تطبيق اللامركزية في إعداد الموازنة العامة، وفقًا لما نص عليه الدستور، بحيث تتولى كل محافظة، من خلال وحداتها الإدارية، بما يشمل المديريات والجهات المحلية ومجالس المدن والقرى، تخطيط مصروفاتها وإيراداتها المستقبلية وفقًا لطبيعتها واحتياجاتها الفعلية.
وأشار إلى أن المركزية المفرطة في إدارة الموارد، بحسب رؤيته، أدت إلى إهدارها وفتحت المجال أمام ممارسات الفساد، بما في ذلك السرقات والرشاوى، فضلًا عن غياب قواعد البيانات الدقيقة.
واختتم «دياب» مقترحاته بالدعوة إلى تطبيق نظام «الاستيداء العيني للضريبة»، بهدف إعادة توجيه جزء من الحصيلة الضريبية إلى الأسواق في صورة سلع ومنتجات، بحيث تُحصَّل نسبة 10% من الضريبة المستحقة عينيًا، بينما تُحصَّل النسبة الأكبر، البالغة 90%، نقدًا.
وأوضح أن هيئات أو مؤسسات متخصصة يمكن أن تتولى تجميع هذه الحصة العينية وإعادة طرحها مباشرة في الأسواق.
وضرب مثالًا حسابيًا لتوضيح فكرته، قائلًا إنه إذا بلغت الحصيلة الضريبية الإجمالية للدولة نحو 4 تريليونات جنيه، فإن نسبة 10% منها تعادل 400 مليار جنيه من السلع والمنتجات التي يمكن ضخها في السوق.
ويرى أن هذه الخطوة من شأنها زيادة المعروض من السلع، والمساهمة في تهدئة الأسعار وضبط الأسواق وتلبية الاحتياجات، فضلًا عن تعزيز توجيه تحويلات المصريين بالخارج نحو الأنشطة الإنتاجية.






