تهافُت اليساريين!
تذكرتُ وأنا أكتب مقالي هذا، تلك المعركة الفكرية التي دارت بين الغزالي وابن رشد، فمثلت واحدة من أشهر وأعظم المعارك الفكرية في التاريخ، وشدني الحنين إلى تلك الحُقبة الزمنية حين كان هناك فكر وأصحاب فكر وعقول تتقبل الاختلاف باحترام وبغير شخصنة أو تجاوز في حق صاحب الرأي المخالف.
عندما لم يُكَفِر رجل الدين أبو حامد الغزالي، الفلاسفة، وكتب كتابه “تهافت الفلاسفة”، محاولاً إثبات أن الفلاسفة يعتمدون على ظنون وتناقضات واصفاً نهجهم بـ(التهافُت)، وأنهم لا يملكون أدلة يقينية في مسائل الغيبيات، ورأى الغزالي وجوب تقديم النص عند التعارض مع آراء الفلاسفة.
ثم لم يتطاول الفليسوف ابن رشد حين رد على الفقيه الغزالي، وكتب “تهافُت التهافُت”، الذي قام فيه بتشريح نص الغزالي تشريحاً مفصلاً، ليبين فيه أن (التهافُت) والتناقض يقع فيما قاله الغزالي وفي منهجه وليس في الفلسفة، ومؤكدا أن العقل والنص لا يتعارضان، ورأى ابن رشد أن في حال الخلاف يجب التأويل العقلاني للنص.
بل لم يُكَفِر أحدٌ من أتباع الغزالي، ابن رشد، عندما قام بنقد الغزالي وتفنيد كلامه وقال بـ(تهافُت) منهجه.
تذكرتُ كيف أثارت هذه المعركة الفكرية، الكثير من المفكرين من بعدها، واسترعت اهتماماً كبيراً عبر العصور، واعتبرها الكثيرون انتصاراً للروح النقدية وتأسيساً لأخلاقيات الحوار، باعتبارها رمزاً للحوارات العقلانية وبناء الثقافة النقدية في الفكر الإسلامي والعربي.
وذهب بي خيالي إلى حيث ظهور الفلسفات السياسية والاجتماعية المختلفة، حين طال الحوار والنقاش والنقد والتراشق، تلك الفلسفات والأيديولوجيات المختلفة، وكيف كان الطبيعي أن يظل التراشق حبيس نقد الفكر دونما التجاوز نحو أصحاب هذا الفكر أو ذاك، ودون أي تطاول في حق شخوص ممارسي السياسة وفق أي فكر كان.
ثم عدتُ إلى واقعنا الحالي، حيث مع مرور الوقت، ومع انحسار الفكر داخل أدمغة البعض ممن ينتسبون إلى التيارات السياسية _ ولاسيما التيار اليساري في مصر بأنواعه الاشتراكي منه والناصري _ فترك هذا الانحسار فراغاً فكرياً داخلهم، أدى وجود هذا الفراغ إلى نمو عطن فكري داخل تلك الأدمغة، أقرب للبكتيريا الضارة التي سببت لهم شعوراً بالاستعلاء المذموم عن جهل والاقتناع المقيت عن خرافة، بأحقيتهم في تقييم غيرهم، ومنح صكوك الشرف والنزاهة وفقاً لدرجة اتفاق غيرهم مع رواسب الأفكار التي يؤمنون بها، ومنع هذه الصكوك عمن لا يؤمن بأفكارهم!.
اتبع هؤلاء المصابون ببكتيريا الفراغ الفكري، أفكارا بالية ماتت في المجتمعات التي أنتجتها منذ عشرات السنين، واتبعوا أيضا حُكاما سابقين واراهم الثرى منذ عشرات السنين أيضا، دون السماح بأي نقد لفترة حكمهم وما تخللها من أخطاء وخطايا في حق الشعب، بل وينبري هؤلاء المرضى في الدفاع عمن رحلوا من الحُكام دفاعا مستميتا بكل الوسائل وأحيانا أقذرها، وكأن زعمائهم الذين يتبعون كانوا منزهين عن الخطأ أو معصومين عصمة الإله، وكيف لا والبعض منهم يتباكون ويتعاهدون على قبر أحد هؤلاء بما يشبه التضرع إليه؟!.
تسببت أيضا تلك البكتيريا الفكرية التي ترسبت في عقول البعض ممكن ينتسبون لليسار، في انتهاجهم أساليب مقيتة في نقد غيرهم من المختلفين عنهم في الفكر _ إذا سلمنا جدلاً بأن هؤلاء يمتلكون فكراً من الأساس _، فعاثوا يوزعون الاتهامات التي تندرج تحت بنود جرائم السب والقذف والتشهير، للمنافسين والمنتمين للتيارات السياسية المختلفة عنهم ولاسيما التيارات الليبرالية، لا لشيء سوى أننا مارسنا السياسة وفق رؤى مختلفة عن رؤيتهم المتجمدة، وربما بسبب نجاح البعض من الليبراليين في تحقيق مكتسبات سياسية عبر الأدوات السياسية المنطقية مثل الانتخابات، فنجح منهم من نجح وأصبحوا نواباً عن الشعب تحت قبة البرلمان.
لم يرى مرضى الفراغ الفكري، أن سبب تأخرهم السياسي هو جمود أفكارهم التي لم تنجح على الإطلاق منذ بداية ظهورها وانتشارها وعقب الثورة البلشفية في مطلع القرن الماضي، في تأسيس أية ديمقراطية في أية دولة حكموها، بل كانت كل تجارب حكمهم تدور بين الاستبداد والفاشية والشمولية والقتل والقمع ومنع أي صوت مختلف من الوجود ناهينا عن السماح له بالتعبير عن نفسه وأفكاره.
لعل أزمة اليسار المصري ومن ضمنه التيار الناصري، هي قناعتهم الفكرية بالاستبداد، وعدم رفضهم له شريطة أن يكون المستبد يساريا مثلهم!.
وهو ما يجعلهم أقرب لرفض الديمقراطية التي تأتي بغيرهم حتى لو حققت مصلحة الشعوب التي يدعون الدفاع عنها، وحتى لو كانت معبرة عن اختيار هذه الشعوب، كيف لا وهم من يؤيدون ويرفعون شعارات وصور وأسماء من قتلوا وعذبوا وسجنوا كل مختلف معهم من شعوبهم في كل تجارب حكم من ينتسبون لفكرهم عبر تاريخهم الاستبدادي في كل العالم!
ثم بعد تفكير وذهاب بالذاكرة عبر الزمن وعودة إلى الواقع المؤلم، وجدتُ نفسي مقتنعا بعدم جدوى الرد على هؤلاء، وتفنيد هُرائهم في حقنا نحن الليبراليين الاجتماعيين، إيمانا بقول المتنبي حين قال:
“وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ.
فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ.
مَن لي بِفَهمِ أُهَيلِ عَصرٍ يَدَّعي..
أَن يَحسُبَ الهِندِيَّ فيهِم باقِلُ!”، ولذلك اكتفيت بتشخيص المرض المزمن الذي يعاني منه أصحاب هذا الهُراء، وتحديد العطن الفكري البكتيري الذي أصاب فراغ أدمغتهم فملأها كُرهاً وحقداً على نجاحات غيرهم.
ما أحوجنا اليوم لمثل رُقي معارك الغزالي وابن رشد، وما أحوج هذا الوطن لعقول غير مريضة، تفكر في كيفية النهوض به وتتبادل النقاش والأفكار والحوار حول الأنسب له ولطبيعة شعبه وحالته الآنية.
وما أرقى الابتعاد عن شخصنة النقد والتهم المعولبة التي لا تؤدي إلا إلى مزيد من التأخر والتخلف، وتأسيس استبداد على أنقاض آخر!.



