فن ومنوعات

مهندس الأغنية الشعبية.. كيف أعاد حسن الأسمر رسم ملامحها؟

كواليس اللحظة التي وُلدت فيها «كتاب حياتي»

بين جدران أحد استوديوهات القاهرة، وقف حسن الأسمر مستعدًا لتسجيل أغنية لم يكن يتوقع أن تصبح واحدة من أيقونات الغناء الشعبي في مصر والوطن العربي، بملامحه المصرية البسيطة وصوته المميز، بدأ يغني «كتاب حياتي يا عين ما شفت زيه كتاب.. الفرح فيه سطرين والباقي كله عذاب».

وما إن انطلقت الكلمات حتى حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ تأثر الحاضرون في الاستوديو إلى حد البكاء، لم يكن «الأسمر» يؤدي كلمات أغنية فحسب، بل بدا وكأنه يستعيد صفحات من حياته الشخصية، فانتقل صدق إحساسه إلى كل من حوله، وتحولت اللحظة إلى ذكرى ارتبطت بإحدى أشهر أغنياته.

حسن الأسمر.. رسم طريق جديد للأغنية الشعبية

مع مطلع التسعينيات، كانت الأغنية الشعبية أمام مفترق طرق؛ بين القوالب التقليدية المعتمدة على الموال المرتجل وإيقاعات الطبلة والربابة، وبين التكرار الذي حدّ من تطورها وانتشارها خارج الأفراح والمقاهي.

هنا برزت تجربة حسن الأسمر، الذي جمع في تكوينه بين جذوره الصعيدية في قنا وحيوية الأحياء الشعبية بالقاهرة، حيث نشأ بين حي العباسية ومقاهي شارع محمد علي، وأسهم هذا المزيج في تشكيل رؤيته الفنية ودفعه إلى البحث عن أسلوب مختلف يجدد الأغنية الشعبية دون أن يفقدها هويتها.

لم يستسلم «الأسمر» لسطوة القوالب القديمة، بل اتجه إلى دمج التوزيعات الموسيقية الحديثة واستخدام الآلات المعاصرة، مع الحفاظ على بحة الشجن التي ميّزت صوته، وبذلك، ساهم في تطوير شكل الأغنية الشعبية، لتتجاوز حدود الأداء المرتجل في الأفراح إلى ألبومات كاسيت ذات بنية موسيقية أكثر تماسكًا، وتصل إلى شرائح أوسع من الجمهور، بما فيها الطبقة الوسطى والشباب.

مهندس الاغنية الشعبية.. كيف أعاد حسن الأسمر ملامح الاغنية الشعبية

«حسن عبد العزيز».. الوجه الآخر لصانع الأغنية

لم يكن حسن الأسمر مجرد مطرب يؤدي ما يُطلب منه داخل الاستوديو، بل كان شريكًا في صناعة أغنياته واتخاذ قراراته الموسيقية، ويتجلى ذلك في أغنيته الشهيرة «كتاب حياتي يا عين»، التي لحّنها بنفسه تحت اسم مستعار هو «حسن عبد العزيز».

وجاء اختياره تلحين الأغنية بنفسه تعبيرًا عن رغبته في تقديم تجربة شخصية تنبع من حياته، انطلاقًا من اقتناعه بأنه الأقدر على التعبير عن تفاصيلها ومشاعره تجاهها.

عاش «الأسمر» طفولة قاسية، وتحمل مسؤولية إعالة أسرته مبكرًا بعد وفاة والده، وانعكست هذه التجارب على أدائه، إذ حملت أغنياته قدرًا من الشجن بدا متصلًا بواقعه الشخصي، لا بمجرد الأداء الفني، وهكذا، لم يكن صوته وحده أداة التعبير، بل امتلك أيضًا أدوات التلحين التي مكّنته من ترجمة نبض الشارع إلى كلمات وألحان.

مهندس الاغنية الشعبية.. كيف أعاد حسن الأسمر ملامح الاغنية الشعبية

من الكاسيت إلى السينما والدراما

لم يحصر حسن الأسمر فنه في أشرطة الكاسيت التي انتشرت في المقاهي والمحلات، بل امتد حضوره إلى السينما والدراما، حيث وجد صوته مساحة للتعبير عن مشاعر الشخصيات وأحوال المجتمع.

وجاءت مشاركته في مسلسل «أرابيسك» امتدادًا لحالة الشجن الدرامي التي ارتبطت بصوته، كما ظهر هذا الارتباط في فيلم «ليلة ساخنة» مع الفنان نور الشريف، الذي تناول تحولات اجتماعية واقتصادية شهدها الشارع المصري في تسعينيات القرن الماضي.

ولم يكن حضور صوته في هذه الأعمال مجرد إضافة غنائية، بل عكس قدرته على التعبير عن أحوال المواطن البسيط، بما تحمله من أوجاع وتناقضات، وأسهم ذلك في نقل الأغنية الشعبية من مساحة الترفيه وحدها إلى دور تعبيري أعمق، يواكب التحولات التي يعيشها المجتمع.

لماذا بقي حسن الأسمر حاضرًا في الوجدان؟

تتغير الأذواق والاتجاهات الموسيقية بمرور الوقت، لكن تجربة حسن الأسمر ظلت حاضرة حتى لدى أجيال لم تعاصر ذروة تألقه في التسعينيات، فما زالت أغنياته تتردد في الأفراح، وتنتشر مقاطع منها عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما يعكس استمرار حضورها في الذاكرة الشعبية.

ويعود هذا الصمود إلى الصدق العاطفي الذي ميّز أغنياته، وقدرته على الجمع بين الشجن والبهجة، وهو ما يتجلى في أعمال مثل «كتاب حياتي» و«توب العار» و«تشكرات»، فقد عبّرت هذه الأغنيات عن مشاعر وتجارب قريبة من الجمهور، لتتجاوز زمن ظهورها وتظل جزءًا من ذاكرته الفنية.

رحل حسن الأسمر، الذي ارتبط اسمه بالموال والشجن، لكن أسلوبه الموسيقي ترك بصمة واضحة في مسيرة الأغنية الشعبية، فقد قدّم نموذجًا يرى في الأغنية أكثر من مجرد إيقاع للترفيه؛ إنها تعبير عن الوجدان وتجارب الحياة اليومية، ومرآة لشارع مصري يضحك بحب ويبكي بصدق، لتظل أغنياته حاضرة عبر الأجيال.

زر الذهاب إلى الأعلى