مقالات

الأسيوطي الذي أحب السينما بسبب 3 مخرجين «سوهاجية»

أعترف منذ البداية بأنني، كأي أسيوطي، لا أقع بسهولة في هوى السوهاجية، لكن ثلاثة مخرجين جعلوني أحب السينما، واكتشفت بالصدفة أن أصولهم وجذورهم تعود إلى سوهاج، وهم عاطف الطيب، ورضوان الكاشف، وأخيرًا هاني خليفة.

في الحقيقة، تجمع سينما الواقع والهامش والمشاعر المعقدة بين ثلاثة من أهم مخرجي السينما المصرية والعربية، ممن حفروا أسماءهم في ذاكرة الفن من خلال تقديم الإنسان المصري البسيط، والتعبير عن مشاعره الإنسانية الصادقة.

عاطف الطيب.. كاميرا تلتقط وجع الشارع المصري

أرى أن المخرج الكبير الراحل عاطف الطيب لم يكن يملك كاميرا فحسب، بل كان يمتلك عينًا تلتقط وجع الشارع المصري، ثم تصبه على شريط السينما.

كان الطيب المخرج الذي نزع المساحيق والبدلات الأنيقة عن الشاشة، وألبسها الجلابية وثياب العمال، ثم سار بها في أزقة الحسين والشرابية وهضبة الهرم.

في سينما عاطف الطيب، لم يكن الشارع مجرد خلفية للأحداث، بل كان البطل الحقيقي، والمساحة التي يواجه فيها الإنسان واقعه بمفرده، باحثًا عن عدالة غائبة.

وقد كُتبت عنه بعد رحيله جملة تختصر أثره السينمائي: «رحل عاطف الطيب مبكرًا، لكن كاميرته ما زالت تتجول على أرصفة القاهرة، تبحث مع عبد السميع عن البريء، وتطارد سواق الأتوبيس في زحام الحياة».

رضوان الكاشف.. قصائد سينمائية من طين الأرض

أما رضوان الكاشف، فلم يكن يصنع أفلامًا فحسب، بل كان يكتب قصائد سينمائية مغسولة بماء النيل، ومفعمة بدفء الجنوب.

في أفلامه الثلاثة «ليه يا بنفسج» و«عرق البلح» و«الساحر»، أثبت الكاشف أن الهامش ليس مكانًا للبؤس وحده، بل يمكن أن يكون منبعًا للسحر والأسطورة والبهجة الممزوجة بالشجن.

امتلك رضوان قدرة استثنائية على تحويل التفاصيل الشعبية والريفية البسيطة إلى لوحات سينمائية مشحونة بالرمزية والعمق الفلسفي، فاستطاع أن يرى في حياة المهمشين ما يتجاوز قسوة الواقع، ليكشف عن الجمال والكرامة الكامنين في تفاصيلها.

وكتبت عنه بعد رحيله جملة أراها صادقة في التعبير عن تجربته: «كان رضوان الكاشف ساحرًا حقيقيًا، عرف كيف يستخرج العرق الطيب من طين الأرض، ويصنع من عوز الفقراء سينما تفيض بالجمال والكرامة».

هاني خليفة.. مشرط جراح في العلاقات الإنسانية

وأخيرًا، يأتي هاني خليفة، المخرج الذي دخل إلى غرف العلاقات المغلقة، ووضع يده على الخوف والخذلان والبحث الدائم عن الحب.

بأسلوبه الهادئ والعميق، استطاع خليفة في فيلم «سهر الليالي»، وما تلاه من أعمال، أن يقدم مرآة صادقة لجيل كامل، متجاوزًا القوالب التقليدية للدراما الرومانسية.

فسينما هاني خليفة لا تبحث عن الجناة بقدر ما تتعمق في سؤال، لماذا تتغير المشاعر؟ وكيف يمكن للحب والوقت أن يصنعا تلك الفجوات غير المرئية بين البشر؟

وقد كُتبت عنه عبارة جميلة تلخص ملامح أسلوبه: «يمتلك هاني خليفة مشرط جراح نفسيًا، يفكك به تفاصيل العلاقات المعقدة، ويتركنا أمام الشاشة نواجه حقيقتنا ومخاوفنا العاطفية بلا زيف».

زر الذهاب إلى الأعلى