الرئيسيةملفات

أعطال لا تنتهي وطوابير لا تتوقف.. سر أزمة ماكينات الـATM في مصر

خبراء يحددون أسباب الأعطال وأزمات السيولة ويطالبون بمتابعة الشركات المشغلة وحماية حقوق العملاء

تتكرر شكاوى المواطنين، خاصة خلال مواعيد صرف الرواتب والمواسم والأعياد، من أعطال ماكينات الصراف الآلي ونفاد السيولة النقدية بها، وسط طوابير أمام بعض الماكينات واضطرار العملاء إلى البحث عن بدائل للحصول على أموالهم، وتثير هذه المشكلات تساؤلات حول أسباب تكرار الأعطال، وكفاءة أعمال الصيانة والتغذية النقدية، ومسؤولية البنوك والشركات المتعاقد معها عن ضمان انتظام الخدمة.

وتفتح «ليبرالي» في هذا التقرير ملف أعطال ماكينات الصراف الآلي، لرصد معاناة المواطنين، والوقوف على الأسباب الفنية والتشغيلية للأزمة، ومدى كفاءة منظومة الصيانة وتوفير السيولة، وآليات محاسبة الجهات المسؤولة عن تشغيل الماكينات، في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين عليها في معاملاتهم اليومية.

ماكينات معطلة ومعاناة يومية للمواطنين

تقول منى أحمد، التي تعمل سكرتيرة بإحدى الشركات الخاصة وتسكن في منطقة المعادي بالقاهرة، إن ماكينة الصراف الآلي الموجودة بالقرب من منزلها أصبحت مصدرًا متكررًا للمعاناة؛ إذ تتوجه إليها لسحب الأموال، لتفاجأ في كثير من الأحيان بأنها معطلة أو غير متاحة للاستخدام، ما يضطرها إلى البحث عن ماكينة أخرى في منطقة أبعد، وإهدار وقت وجهد كان يمكن توفيرهما لو كانت الخدمة تعمل بصورة منتظمة.

وتضيف أن المشكلة لا تقتصر على قطع مسافات إضافية، بل تتفاقم عندما تحتاج إلى الأموال بصورة عاجلة، سواء للوفاء بالتزامات منزلية أو تدبير احتياجات لا تحتمل التأجيل، فتجد نفسها مضطرة إلى التنقل بين أكثر من ماكينة دون ضمان الحصول على المبلغ الذي تحتاج إليه.

وترى أن تكرار الأعطال في الماكينة القريبة من منزلها يثير تساؤلات حول انتظام أعمال الصيانة وسرعة التعامل مع المشكلات الفنية، خاصة أن الهدف الأساسي من انتشار هذه الماكينات هو تسهيل حصول المواطنين على أموالهم دون الحاجة إلى التوجه إلى فروع البنوك.

وفي واقعة أخرى، يروي أحمد ثابت، الذي يعمل محاسبًا ويقيم في منطقة الهرم بمحافظة الجيزة، أنه واجه موقفًا صعبًا خلال إجازة أحد الأعياد، عندما تعرضت زوجته لوعكة صحية استدعت التوجه بها إلى المستشفى، واحتاج إلى توفير مبلغ مالي لسداد تكاليف العلاج، لكنه فوجئ بصعوبة الحصول على الأموال نقدًا، بعدما حاول استخدام ماكينات صراف آلي لم تكن متاحة أو تعذر إتمام عمليات السحب من خلالها.

ويقول إن ضيق الوقت والحاجة إلى تدبير نفقات المستشفى جعلا البحث عن ماكينة تمثل عبئًا إضافيًا في وقت كان يفترض أن ينشغل فيه بالاطمئنان على زوجته وتوفير الرعاية اللازمة لها، مضيفًا أن المشكلة تحولت من مجرد عطل مصرفي إلى أزمة زادت من توتره في لحظة حرجة، خاصة مع محدودية البدائل المتاحة خلال العطلات الرسمية وإغلاق فروع البنوك.

رشاد عبده: لماذا يتحمل المواطن قصور الخدمة؟

يكشف الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، في حديثه لـ«ليبرالي»، أن تكرار أعطال ماكينات الصراف الآلي يثير تساؤلات حول كفاءة إدارتها وآليات المتابعة والمحاسبة، خاصة أن البنوك تتعاقد مع شركات متخصصة لتوريد الماكينات أو صيانتها وتشغيلها، وهو ما يستلزم متابعة أداء الجهات المسؤولة ومحاسبتها عند التقصير.

ويوضح «عبده»، أن فلسفة انتشار ماكينات الصراف الآلي تقوم على تقريب الخدمات المصرفية من المواطنين، وإتاحة سحب الأموال دون الحاجة إلى دخول فروع البنوك والانتظار في طوابير، بما يوفر الوقت والجهد ويخفف الضغط على الفروع والموظفين.

ويضيف أن تكرار الأعطال يقوض هذه الأهداف، إذ يضطر المواطن إلى البحث عن ماكينة أخرى تعمل أو التوجه إلى الفرع لإتمام معاملته، ما يهدر وقته ويؤثر في إنتاجيته، فضلًا عن زيادة الزحام داخل البنوك، بدلًا من أن تسهم الماكينات في تسهيل المعاملات المصرفية.

وينتقد «عبده» تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية عند التعامل مع بعض الخدمات المصرفية داخل البنوك، متسائلًا عن جدوى مطالبة المواطن، بحسب ما طرحه، بدفع 50 جنيهًا لسحب مبلغ يقل عن 100 ألف جنيه، في الوقت الذي يُفترض فيه أن توفر الماكينات وسيلة ميسرة للحصول على الأموال.

ويشدد على ضرورة التحقق من طبيعة هذه الرسوم وشروط تطبيقها، مؤكدًا أن المواطن لا ينبغي أن يتحمل أعباء ناتجة عن قصور في تشغيل الماكينات أو صيانتها.

كما يدعو إلى تفعيل دور إدارات البنوك في متابعة الشركات المتعاقد معها، والتأكد من انتظام الصيانة وتوافر السيولة النقدية، ووضع آليات واضحة للمحاسبة عند تكرار الأعطال.

هدى الملاح: الأعطال اختبار لكفاءة المصارف

من جانبها، تقول هدى الملاح، أستاذة الاقتصاد بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، إن أعطال ماكينات الصراف الآلي تمثل معاناة للمواطنين واختبارًا لكفاءة الخدمات المصرفية، بعدما أصبحت هذه الماكينات جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، يعتمد عليها كثيرون في الحصول على النقد اللازم لتلبية احتياجاتهم المعيشية، خاصة خارج مواعيد العمل الرسمية للبنوك وخلال العطلات والمواسم.

وتوضح «الملاح» أن المشكلة لا تقتصر على توقف الماكينة عن العمل، بل تمتد إلى اضطرار المواطن للبحث عن ماكينة بديلة، وهو ما قد يؤدي إلى تأخر حصوله على أمواله وتعطيل مصالحه، لا سيما عندما تكون لديه التزامات عاجلة أو يحتاج إلى النقد في وقت لا تكون فيه فروع البنوك متاحة.

وتضيف أن أسباب الأعطال متعددة، فقد ترتبط بنفاد السيولة النقدية، أو وجود خلل في أجهزة قراءة البطاقات أو وحدات صرف الأموال، أو ضعف الاتصال بين الماكينة والشبكات المصرفية، فضلًا عن انقطاع الإنترنت أو تأخر اكتشاف العطل والتعامل معه.

وتؤكد أن الماكينات التي تشهد معدلات سحب مرتفعة تحتاج إلى متابعة مستمرة لأرصدتها النقدية، وتنسيق فعال مع شركات نقل الأموال لإعادة تغذيتها قبل نفاد السيولة، مشيرة إلى أن معالجة المشكلة تتطلب منظومة متكاملة تشمل الصيانة الدورية، وسرعة الاستجابة للأعطال، ومتابعة الأرصدة النقدية، ورفع كفاءة الربط بين الماكينات والشبكات المصرفية.

وتشدد أستاذة الاقتصاد على أهمية وضع إجراءات واضحة للتعامل مع العمليات المصرفية غير المكتملة، خاصة الحالات التي يُخصم فيها مبلغ من حساب العميل دون حصوله على النقدية، بما يضمن مراجعة العملية وسرعة رد الأموال المستحقة عند ثبوت الخطأ.

وتؤكد أن كفاءة الخدمة لا تُقاس بعدد الماكينات فقط، بل بمدى انتظام عملها وقدرة البنوك على الاستجابة لشكاوى العملاء وحماية حقوقهم.

أكثر من 26 ألف ماكينة في مصر

تشهد شبكة الصراف الآلي في مصر توسعًا بهدف تعزيز الشمول المالي وتخفيف الضغط على فروع البنوك، إذ تشير البيانات الواردة في المادة إلى أن إجمالي عدد الماكينات تجاوز 26 ألفًا و160 ماكينة موزعة على مستوى الجمهورية، مقارنة بنحو 24 ألفًا و862 ماكينة في فترات سابقة.

وتعتمد البنوك في تشغيل هذه المنظومة على نماذج مختلفة تجمع بين شراء الماكينات واستئجارها، مع إسناد بعض أعمال الصيانة والتغذية النقدية والتشغيل إلى شركات متخصصة.

وتضم الشركات العالمية العاملة في توريد الماكينات وتحديث مكوناتها وبرمجياتها أسماء مثل NCR وDiebold Nixdorf وGRG Banking، فيما تشمل الشركات المذكورة في مجال الخدمات اللوجستية والأمن ونقل الأموال والصيانة الميدانية والربط الرقمي أمان لوجستيكس وفالكون وSWAT Security وإي فاينانس.

أعطال فنية وأزمات في السيولة

تتنوع الأعطال التي تواجه ماكينات الصراف الآلي بين مشكلات ميكانيكية وفنية، مثل انحشار الأوراق النقدية، وأعطال وحدات صرف الأموال وقارئات البطاقات، ونفاد ورق الطباعة، فضلًا عن أعطال برمجية وشبكية قد تؤدي إلى انقطاع الاتصال بالخوادم الرئيسية أو توقف الشاشات.

ولا تقتصر المشكلات على الجوانب الفنية، إذ تواجه بعض الماكينات تحديات تشغيلية مرتبطة بنفاد النقدية أو امتلاء صناديق الإيداع، ما قد يؤدي إلى توقف بعض الخدمات حتى إعادة تغذية الماكينة أو تفريغ الصناديق.

كما يمكن أن تؤثر ظروف البيئة والبنية التحتية في انتظام الخدمة، ومن بينها انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، بما قد ينعكس على كفاءة بعض المكونات الإلكترونية.

وتكشف هذه التحديات أن انتظام الخدمة لا يعتمد على زيادة عدد الماكينات وحدها، بل يتطلب إدارة فعالة لدورة التشغيل بأكملها، بدءًا من متابعة السيولة النقدية ومعدلات السحب، مرورًا بالصيانة الوقائية وسرعة الاستجابة للأعطال، وصولًا إلى معالجة شكاوى العملاء والعمليات غير المكتملة.

وفي ظل اعتماد المواطنين على ماكينات الصراف الآلي لتدبير احتياجاتهم اليومية، تظل كفاءة التشغيل وسرعة إصلاح الأعطال وتوافر النقدية عوامل أساسية لضمان حصولهم على الخدمة، وتقليل الوقت والجهد اللذين يضطرون إلى بذلهما بحثًا عن أموالهم.

زر الذهاب إلى الأعلى