توفيق صالح.. مخرج اختصر تاريخًا سينمائيًا في خمسة أفلام
في عام 1996، ومع إعلان قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية، برز اسم توفيق صالح كواحد من أبرز المفارقات الفنية في تاريخ الصناعة. فبينما ضمّت القائمة أعمالًا لكبار المخرجين مثل صلاح أبو سيف ويوسف شاهين، كان اللافت أن مخرجًا لم يقدّم سوى خمسة أفلام فقط نجح في إدخال أربعة منها ضمن القائمة.
ولد توفيق صالح عام 1926، ودرس الأدب الإنجليزي، قبل أن يتجه إلى السينما باعتبارها وسيلته للتعبير عن رؤى فكرية تتجاوز الترفيه، نحو مساءلة الواقع الاجتماعي والسياسي. لم يكن إنتاجه غزيرًا، لكنه اتسم بالتركيز والعمق، ما جعل كل عمل يحمل قيمة فنية وفكرية واضحة.
أربعة أفلام في قائمة الأفضل
تمكّن توفيق صالح من ترسيخ اسمه عبر أربعة أفلام احتلت مواقع متقدمة ضمن قائمة الأفضل في تاريخ السينما المصرية:
“درب المهابيل” (المركز 42)، عن قصة للأديب نجيب محفوظ.
“صراع الأبطال” (المركز 49)، مستكملًا تعاونه مع محفوظ.
“يوميات نائب في الأرياف” (المركز 69)، عن نص توفيق الحكيم.
“المتمردون” (المركز 78)، الذي عكس توجهه نحو السينما الواقعية النقدية.
في المقابل، جاء فيلم “السيد البلطي” خارج القائمة، رغم اعتباره لدى عدد من النقاد أحد أكثر أعماله نضجًا من حيث البناء الرمزي والرؤية الإخراجية.
قراءة سينمائية لهزيمة 1967
تُصنّف عدة أعمال لتوفيق صالح ضمن ما يمكن تسميته بـ”سينما ما بعد حرب يونيو 1967″، حيث عالج من خلالها تداعيات الهزيمة على المستوى الإنساني والمجتمعي.
في “المتمردون”، طرح رؤية تميل إلى الأمل وإمكانية تجاوز الانكسار.
في “يوميات نائب في الأرياف”، قدّم معالجة نقدية لعلاقة الدولة بالمواطن، عبر تساؤلات حول العدالة والأمن.
أما “السيد البلطي”، فذهب إلى مستويات رمزية أعمق، حيث تحوّل التمرد إلى موقف وجودي يعكس صراع الإنسان مع واقعه.
امتداد عربي وتجربة مختلفة
لم تقتصر تجربة توفيق صالح على مصر، بل امتدت إلى العالم العربي، حيث أخرج في سوريا فيلم “المخدوعون” المأخوذ عن رواية للكاتب غسان كنفاني، والذي حصد الجائزة الكبرى في مهرجان قرطاج، ويُعد من أبرز أفلام السينما العربية.
كما قدّم في العراق فيلم “الأيام الطويلة”، في تجربة تؤكد انفتاحه على قضايا تتجاوز الحدود المحلية.
حضور فني… بالرغم من غياب جماهيري
رغم القيمة الفنية لأعماله، تعاني أفلام توفيق صالح من ضعف التداول الجماهيري في الوقت الحاضر، إذ نادرًا ما تُعرض أو تُستعاد في الذاكرة العامة، مقارنة بأعمال معاصريه. ويرى نقاد أن طبيعة أفلامه، التي تميل إلى الطرح الفكري العميق، قد تكون أحد أسباب هذا الغياب.
إرث يتجاوز العدد
رحل توفيق صالح عام 2013، تاركًا خلفه خمسة أفلام فقط، لكنها شكّلت علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية والعربية. وقدّم من خلالها نموذجًا مختلفًا للمخرج، الذي لا يقيس تجربته بعدد الأعمال، بل بقدرتها على طرح أسئلة تظل مفتوحة عبر الزمن.
يبقى اسم توفيق صالح شاهدًا على أن السينما يمكن أن تكون أداة تفكير، لا مجرد وسيلة ترفيه، وأن القلة حين تقترن بالعمق قد تصنع أثرًا يتجاوز عقودًا من الإنتاج.


