“ذا سباين” بين الأبراج الفاخرة وأزمة الإيجارات.. من يبني المدن ومن يسكنها؟

امتلىء عينها حُزنًا بعد أن قررت الرحيل تاركه مكانا عاشت فيه حوالي 3 أعوام، بين البحث والعناء لمكان آخر بعد إنتهاء عقدها، سارة أحمد، الشابة الثلاثينية التي تقطن بشبرا الخيمة، تقول” مش عارفة أعمل اية الإيجارات في زيادة والشغل اللي رايح على أد اللي جاي” وسط توقعات بارتفاع الإيجار من 2500 إلى نحو 4000 جنيه، بالنسبة لها، لا يمثل السكن مجرد مكان للعيش، بل عبئاً يلتهم ربع دخل الأسرة.

أما في منطقة فيصل، لم يختلف الأمر كثيرًا فالكل يُعاني من أزمة تفاوت أسعار الإيجارات التي شهدت زيادة ملحوظة في الطلب بعد تدفق لاجئين سودانيين منذ اندلاع الحرب السودانية 2023، تضاعفت الإيجارات بشكل كبير، قبل أن تنخفض مرة أخرى، ولكن سامية إبراهيم، صحافية وأم لطفلة، تصف حياتها بأنها “غير مستقرة”، حيث تضطر عائلتها للتنقل المستمر بحثاً عن سكن مناسب.

الأمر لا يختلف كثيراً في مناطق أخرى، أحمد حسام ، موظف حكومي، ارتفع إيجار شقته في السيدة زينب من 1200 إلى 4500 جنيه، ما يجعله في حالة قلق دائم بشأن قدرته على الاستمرار، أما دلال أنور، التي تعيش في مدينة 6 أكتوبر، فقد وجدت نفسها عاجزة عن دفع إيجار ارتفع إلى 3500 جنيه بعد أن فقدت مصدر دخلها ورزقها الوحيد، فهي تُعاني مشاكل أسرية بالإضافة لعناء تعرضها لمرض مناعي أفقدها القُدرة على تحمل ساعات العمل.

هذه الحالات الفردية تعكس اتجاهاً عاماً في السوق، حيث بلغ معدل التضخم السنوي نحو 15.2%، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل كبير، ويرى محللون أن سوق العقارات باتت تتغذى على هذا التضخم، إذ يلجأ الملاك إلى رفع الأسعار للحفاظ على قيمة أصولهم، بل وربط بعض العقود بسعر الدولار.

تأتي هذه التحديات في ظل أزمة متصاعدة تتعلق بالعدالة السكانية والحق في السكن، مع اتساع الفجوة بين الفئات الاجتماعية في الحصول على مسكن ملائم، وارتفاع التفاوت الجغرافي والمعيشي بصورة باتت أكثر وضوحًا داخل المدن المصرية. فعلى الرغم من إطلاق الدولة عددًا كبيرًا من المشروعات العمرانية والمدن الجديدة خلال السنوات الأخيرة، لا تزال أزمة القدرة على السكن قائمة لدى قطاعات واسعة من المواطنين، خاصة مع ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات بالتزامن مع التضخم الاقتصادي.

تشير تقارير ودراسات عمرانية إلى وجود خلل بين المعروض السكني واحتياجات الفئات منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث يتركز جزء من الاستثمارات العقارية في الإسكان الاستثماري والفاخر، مقابل استمرار الضغط على الإسكان الشعبي والاقتصادي.

وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد الوحدات السكنية المنفذة خلال عام 2022-2023 نحو 239.9 ألف وحدة سكنية، إلا أن نسبة الإسكان الفاخر والاستثماري استحوذت على جزء كبير من هذه المشروعات مقارنة بالإسكان منخفض التكاليف الذي لم يتجاوز 0.3% فقط من إجمالي الوحدات المنفذة، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين طبيعة المشروعات المطروحة والقدرة الشرائية لقطاعات واسعة من السكان.

كما أظهرت البيانات أن الاستثمارات العقارية ارتفعت بشكل كبير لتتجاوز 262 مليار جنيه خلال عام واحد، في وقت تواجه فيه الأسر ضغوطًا اقتصادية متزايدة بسبب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

ومع تزايد معدلات التضخم وارتفاع أسعار الوقود والخدمات، أصبحت تكلفة السكن عبئًا إضافيًا على المواطنين، خاصة مع الزيادات المتوقعة في الإيجارات بعد التعديلات المرتبطة بقوانين الإيجار القديمة.

يرى خبراء عمرانيون أن تحقيق العدالة السكانية لا يرتبط فقط ببناء مدن جديدة، بل يعتمد أيضًا على إعادة توزيع الخدمات وفرص العمل والبنية الأساسية بصورة عادلة، بما يضمن تقليل التفاوت بين المناطق، وتحقيق حق المواطنين في السكن الآمن والمناسب باعتباره أحد الحقوق الاجتماعية الأساس

ومع كل هذه المشكلات المطروحة والفجوة في الأماكن السكنية، تم طرح مشروع “ذا سباين” الذي أعلنت عنه أحد الشركات المعروفة، وأثار ذلك موجة واسعة من الجدل في مصر، ليس فقط بسبب حجمه الضخم وتكلفته التي تصل إلى 1.4 تريليون جنيه، بل لأنه أعاد إلى الواجهة تساؤلات أعمق حول طبيعة النمو العقاري في البلاد، وعلاقته المباشرة بأزمة ارتفاع أسعار الإيجارات التي تضغط على ملايين المواطنين، بين عقارات فارهة يسكنها الأغنياء و مواطنيين يطحنهم العبء اليومي والغلاء وأسعار الإيجارات.

المشروع، الذي أُعلن عنه بحضور رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، يُخطط له أن يكون مدينة متكاملة شرق القاهرة على مساحة 2.4 مليون متر مربع، تضم وحدات سكنية فاخرة ومراكز تجارية وفندقية وترفيهية، إلى جانب مساحات خضراء واسعة، إذ تعمل المدينة المتكاملة بأدوات الذكاء الاصطناعي كمدينة ذكية متكاملة المواصفات، بجانب دعم المشروع بتمويل ضخم من أحد البنوك المصرية العريقة، ما يعكس حجم الرهان الرسمي والخاص على قطاع العقارات كأحد محركات الاقتصاد.

يأتي الإعلان عن طرح المشروع العملاق في توقيت حساس، حيث يواجه قطاع واسع من المصريين ضغوطاً اقتصادية متزايدة، أبرزها الارتفاع الكبير في أسعار الإيجارات، مايعكس التساؤل حول مدى الفجوة والتميز في العدالة السكانية، وهو ما جعل المشروع يبدو، في نظر البعض، بعيداً عن أولويات المواطن العادي، الذي يكافح لتأمين سكن مناسب بأسعار معقولة.

على منصات التواصل الاجتماعي، انقسمت الآراء بشكل واضح، فبينما رأى مؤيدون أن “ذا سباين” يمثل دفعة قوية للاستثمار والتنمية، اعتبره منتقدون نموذجاً جديداً لتوسع “المدن الفارهة” التي لا تخدم سوى شريحة محدودة من المجتمع، في ظل وجود نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بحسب بيانات رسمية.

الحكومة من جانبها دافعت عن المشروع، حيث أكد “مدبولي” أنه سيوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل، ويحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، فضلاً عن دوره في تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للاستثمار، في إشارة إلى أن إطلاق المشروع يأتي في ظل اضطرابات إقليمية ودولية يعكس استقرار الدولة وقدرتها على جذب الاستثمارات ورغبتها في مقاومة مايحدث من حولها والتماسك الإقتصادي.

يرى خبراء الإقتصاد أن الصورة أكثر تعقيداً، فبحسب المحلل الاقتصادي مصطفى بدرة، فإن السوق العقارية في مصر لا تزال تشهد نمواً قوياً، مدفوعة بكون العقار “مخزن قيمة” في ظل تقلبات العملة والتضخم، كما أن تمويل مثل هذه المشروعات لا يعتمد فقط على رأس المال المباشر، بل أيضاً على مقدمات الحجز وأقساط المشترين، ما يجعلها أقل ضغطاً على السيولة الفورية.

في المقابل، يشير خبراء آخرون إلى أن هذا التوسع العقاري يتزامن مع مفارقة واضحة وفرة في المعروض مقابل صعوبة في الوصول إليه بالنسبة لغالبية المواطنين، فبينما تُبنى مدن جديدة بمواصفات عالمية، يواجه المستأجرون في المدن القائمة زيادات متتالية في الإيجارات، مدفوعة بالتضخم وارتفاع الطلب.

يقول حسام عيد المحلل المالي والإقتصادي، أن لاشك أن قطاع العقارات يحظى بإهتمام كبير لقوة القطاع والتوسع الكبير الذي حققه قطاع العقارات في الفترة الأخيرة، والذي يدفع لتعميق قوته، والذي جعل نسبته ترتفع في الناتج المحلي الإجمالي مما جعله من أدوات التحوط، وذلك في ظل الأزمات التي حدثت ومازلت تحدث، إذ اتجهت الأنظار إلى القطاع العقاري بعد الحرب الروسية الأوكرانية، مما يزيد من عمق القطاع في ناتج الاقتصاد الكلي.

يُضيف” عيد” أن قطاع العقارات يحظى بإهتمام كبير وقاعدة مستثمرين هو بعض المميزات والذي يحقق معدلات أرباح مرتفعة وبإعتبار القطاع في استقطاب رؤوس الأموال كملاذ آمن بخلاف المعادن النفيسة والعقارات نجح في الحفاظ على الأموال في ظل الأزمات.

الجدير بالذكر أن، تقارير الأمم المتحدة وبرامج الموئل الحضري أن النمو العمراني في مصر تؤكد على توسعًا غير مخطط في العديد من المناطق، ما أدى إلى انتشار التجمعات غير الرسمية وارتفاع الكثافات السكانية وضعف الخدمات الأساسية في بعض الأحياء. وتشير تقديرات دولية إلى أن ملايين المواطنين يعيشون في مناطق غير مخططة نتيجة عدم قدرة السوق الرسمي على تلبية الطلب الحقيقي على السكن المناسب. كما توضح دراسات مرتبطة بالتخطيط العمراني أن نحو 60% من سكان القاهرة الكبرى يقيمون في مناطق غير رسمية أو ذات تخطيط محدود الخدمات، وهو ما يعكس استمرار أزمة العدالة المكانية وتوزيع الخدمات بصورة متوازنة.

في هذا السياق، يبدو مشروع “ذا سباين” كجزء من معادلة أكبر وأعمق تُظهر نمو عقاري سريع مدفوع بالاستثمار والطلب، يقابله ضغط متزايد على شريحة واسعة من السكان غير القادرين على مجاراة هذا النمو، فبينما تستهدف المشروعات الكبرى المستثمرين والطبقات العليا والدفع باقتصاد الوطن، تظل الطبقة الكادحة تشعر بالفرق مما يُظهر العجز والفجوة بين المباني الفارهة والحق للسكن في أماكن مناسبة للمواطن الكادح، ويبقى السؤال مطروحاً حول كيفية تحقيق توازن يضمن حق السكن لجميع الفئات.