
الظروف الاقتصادية الطاحنة التي تعاني من ويلاتها الأسر المصرية كافة دفعت الأسر دفعًا نحو تحول جبري ووضع حسابات في ما يخص الإنجاب، لا سيما في أوساط المتزوجين حديثًا لتأمين السكن والاستقرار الوظيفي وتأجيل الإنجاب أو الإكتفاء بطفل واحد في سنوات الزواج الأولى، وانتقل النقاش الأسري من”الرغبة في العزوة” إلى”تأمين احتياجات البيت” أو بالأحرى “توفير اللقمة”.
والتحول في ثقافة الأسر المصرية تجاه الإنجاب، كشف عنه التقرير الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بعد تسجيل مصر لـ 109 مليون نسمة بالداخل، يوم السبت الموافق 9 مايو 2026.
وكان عدد السكان بلغ (108 مليون نسمة) يوم السبت الموافق 16/8/2025 وفقاً لما أعلنته الساعة السكانية بالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المرتبطة بقاعدة بيانات تسجيل المواليد والوفيات بوزارة الصحة والسكان.

“مليون” نسمة في 267 يومًا
ومع بلوغ عدد السكان (109 مليون نسمة) يكون تحققت زيادة سكانية (الفرق بين عدد المواليــد والوفيـات) قدرهــــا مليــــون نسمة خـــــلال 267 يوماً) بما يُقدر بـ 8 شهـور و27 يوم.
ويلاحظ انخفاض الفترة الزمنية للوصول إلى 109 مليون نسمة لتصبح 267 يوماً مقابل 287يوماً خلال المليون السابق و(268) يوماً خلال فترة تحقق المليون الأسبق، وفقًا للجهاز، لارتفاع متوسط أعداد المواليد اليومية خلال تحقق المليون الحالي إلى (5439) مولود مقابل (5165) مولود خلال فترة الوصول إلى 108 مليون نسمة و (5385) مولود للوصول إلى 107 مليون نسمة.
في حين شهد عدد متوسط الوفيات اليومية ارتفاع طفيف خلال فترة تحقق المليون الحالي والذي بلغ (1694) متوفى مقابل (1681) متوفى خلال فترة تحقق المليون السابق و (1654) متوفى خلال فترة تحقق المليون الأسبق.

5439 مولود يوميًا
وبلغ عدد المواليد (1.452) مليـون خـــلال الفترة من (16/8/2025إلى9/5/2026) بمتوســط (5439 مولود) يومياً و (227 مولود) كل ساعة و (3.8 مولود) في الدقيقة بما يعني متوسط مولود كل 15.9 ثانية تقريباً.
ووفقاً للبيانات الأولية للمواليد والوفيات لعام 2025 والمسجلة بقاعدة البيانات بمركز معلومات وزارة الصحة والسكان فقد انخفض معدل المواليد من (18.5 ) لكل ألف من السكان عام 2024 إلى ( 18.1 ) في الألف عام 2025 حيث سجلت محافظــات (أسيوط /سوهاج/ قنا/ المنيا/بني سويف) أعلى معدلات للمواليد بواقع (22.8 / 22.6 / 22.3 /22.0 / 20.6) لكل ألف من السكان على الترتيب فيما سجلت محافظــات ( بورسعيد والدقهلية ودمياط والغربية والسويس) أقــل المعــدلات بواقع (11.4 /14.4 / 14.5 / 14.8/ 14.8) لكل ألف من السكان على الترتيب.
ويُلاحظ تراجع أعداد المواليد خلال آخر 5 سنوات وهو ما يعكس الجهود الملموسة في مواجهة الزيادة السكانية وهو ما أظهرته أيضاً بيانات المسح الصحي للأسرة المصرية حيث انخفض معـدل الإنـجاب من (3.5) طفل لكل سيدة عـام 2014 إلى (2.85) طفل لكل سيدة عام 2021 ووفقاً لبيانات المواليد المسجلة بمركز معلومات وزارة الصحة والسكان فقد استمر الإنخفاض في معدل الإنـجاب إلى أن بلغ (2.34) طفل لكل سيدة عام 2025.

النيجر “الأعلى” عالميًا.. وكوريا الجنوبية “الأدنى”
وعالميًا يشير تقرير الخصوبة العالمي، إلى أن متوسط معدل الخصوبة الكلي العالمي في عام 2026 يُقدر بـ 2.3، وهذا أقل من 4.9 في عام 1960، وتتصدر آسيا الانخفاض، بينما تحافظ أفريقيا على مستوى مرتفع ثابت.
وتشهد إفريقيا وتحديدًا دول جنوب الصحراء، تجاوز معدل الخصوبة الإجمالي 4 في العديد من المناطق، وتتصدر النيجر القائمة بمعدل 6.6 طفل لكل امرأة، تليها تشاد بمعدل 5.7، ثم الصومال بنفس المعدل
في المقابل تعاني مناطق شرق آسيا وجنوب أوروبا من انخفاض معدلات الخصوبة الكلية، ويبلغ معدل الخصوبة الكلي في كوريا الجنوبية 0.8، وهو الأدنى عالمياً، أما اليابان فتسجل 1.3، وإيطاليا 1.2 مولود.

وجود شبكات أمان اجتماعي قوية تمنع الحاجة لأسر كبيرة
ما يحد من الإنجاب في شرق آسيا وأوروبا، تكاليف المعيشة المرتفعة كونها تلعب دورًا كبيرًا، لذا يتأخر الناس في الزواج أو يتجنبون إنجاب الأطفال، بخلاف وجود شبكات أمان اجتماعي قوية يعني عدم الحاجة إلى أسر كبيرة لإعالة كبار السن.
وبالعودة إلى مصر، تكشف الأرقام تراجع أعداد المواليد وانخفاض فعلي في الزيادة السكانية، إلا أنها لا تزال تمثل تحديًا كبيرًا في شتى المجالات اقتصاديًا، واجتماعيًا، وتشكل عائقًا أمام محاولات الدولة تارة والمواطن تارة أخرى في رفع مستوى المعيشة في ظل الأزمات التي يشهدها العالم في السنوات الأخيرة.
وفي هذا الصدد، قال الرئيس السيسي خلال جلسة “رؤية مصر 2030″، إن الزيادة السكانية تمثل تحديًا أمام الدولة “يماثل خطر الإرهاب”، مؤكدًا أن الحد من النمو السكاني سينعكس إيجابًا على مختلف المجالات، وأن المواجهة لا يمكن أن تكون حكومية فقط، بل تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني والمواطنين معًا، على أساس من الوعي والمسئولية الأسرية.

العيال عزوة” تتحول من نعمة إلى نقمة
وفي السياق ذاته، أفاد الدكتور هاني تمام، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، بأن كثرة الإنجاب حاليًا اشبه بالكارثة، ومقولة “العيال عزوة” ستتحول معها من نعمة إلى نقمة، مطالبًا كل أب بالنظر في المقام الأول إلى قدرته المالية والصحية والاجتماعية، عندما يفكر في إنجاب أطفال كُثر
“العزوة الحقيقية” في التربية الصالحة والصحيحة للأبناء، كما يؤكد تمام، لافتًا إلى أن العبرة ليست في إنجاب أطفال في مقابل عدم القدرة على تربيتهم ورعايتهم صحيًا ولا اجتماعيًا ولا ماليًا، ويكون ظلم في هذه الحالة للطفل والأسرة.






