ملف “مذابح” رواندا يعود.. القضاء الفرنسي يفتح التحقيق في تواطؤ محتمل بالإبادة

بعد أكثر من ثلاثة عقود على وأحدة من أبشع الجرائم الجماعية في القرن العشرين، عادت دولة رواندا مجددًا إلى واجهة المشهد القضائي والسياسي الدولي، مع قرار القضاء الفرنسي الأسبوع الماضي 2026، بإعادة فتح التحقيق بحق “أغات هابياريمانا”، أرملة الرئيس الرواندي الراحل جوفينال هابياريمانا، والمتهمة بالتورط في الإبادة الجماعية التي شهدتها البلاد عام 1994.

في 6 مايو 2026، قررت محكمة الاستئناف في باريس، بإلغاء قرار حفظ التحقيق وإعادة فتح الملف القضائي بحق  “أغات هابياريمانا”، أرملة الرئيس الرواندي الراحل جوفينال هابياريمانا، هذا القرار لا ينظر إليه باعتباره خطوة قانونية فحسب، بل يمثل أيضًا إعادة إحياء لملف شديد الحساسية ظل معلقًا بين السياسة والعدالة والتاريخ، تحديدًا في ظل التعقيدات المرتبطة بدور فرنسا خلال أحداث الإبادة، والعلاقات المتقلبة بين باريس وكيغالي على مدار العقود الماضية.

عودة شبح 1994

في 6 أبريل 1994م، سقطت طائرة الرئيس الرواندي أثناء اقترابها من مطار العاصمة كيجالي، في حادث لايزال يكتنفه الغموض حتى اليوم، وخلال ساعات قليلة فقط، بدأت حملة قتل جماعي واسعة استهدفت قبيلة التوتسي، إضافة إلى شخصيات من قبيلة  الهوتو المعتدلين، لتدخل رواندا واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ أفريقيا الحديث.

وخلال 100 يوم تقريبًا، قتل أكثر من 800 ألف شخص، وفق تقديرات الأمم المتحدة، في عمليات قتل منظمة نٌفذت بالسلاح الأبيض والأسلحة النارية، وبمشاركة ميليشيات متطرفة أبرزها “إنتراهاموي”، وسط انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة.

وفي قلب هذه المرحلة برز اسم “أغاث هابياريمانا”، التي اعتُبرت من الشخصيات النافذة داخل الدائرة المقربة من السلطة، خاصة داخل ما كان يُعرف آنذاك بـ”أكازو”، وهي شبكة سياسية وأمنية اتًُهمت بالتخطيط  للإبادة والتحريض عليها.

لماذا أعادت فرنسا فتح الملف الآن؟

قرار محكمة الاستئناف الفرنسية بإلغاء أمر “ألا وجه لإقامة الدعوى”، الصادر عام 2025، يعكس تحولًا مهمًا في مقاربة القضاء الفرنسي لهذا الملف، بعد سنوات طويلة من الجدل والضغوط الحقوقية.

فمنذ وصول أغات هابياريمانا إلى فرنسا عقب الإبادة، ظلت منظمات حقوقية ورواندية تطالب بمحاكمتها، متهمة باريس بتوفير مظلة حماية سياسية لها، خصوصًا أن السلطات الفرنسية رفضت سابقًا تسليمها إلى رواندا، كما لم تُحاكم فعليًا داخل فرنسا رغم استمرار التحقيقات منذ 2007.

بينما تعتقد جهات حقوقية أن إعادة فتح القضية ترتبط بعدة عوامل، منها ضغوط خارجية، وتحسن العلاقات الفرنسية الرواندية خلال السنوات الأخيرة، ورغبة باريس في إعادة صياغة علاقتها التاريخية مع أفريقيا عبر مراجعة الملفات المثيرة للجدل.، وتزايد الاعتماد على مبدأ الولاية القضائية العالمية في قضايا الإبادة وجرائم الحرب.

اتهامات تاريخية

القضية لا تنفصل عن الإرث المعقد للعلاقات الفرنسية الرواندية، فطالما اتهمت حكومة رواندا باريس بدعم نظام الهوتو قبل وأثناء الإبادة، سواء سياسيًا أو عسكريًا.

ورغم نفي فرنسا لسنوات طويلة أي تورط مباشر، فإن تقارير وتحقيقات متعددة، بينها تقرير لجنة المؤرخ الفرنسي فنسنت دوكلير عام 2021، أقرت بوجود “مسؤوليات سياسية جسيمة” لفرنسا نتيجة دعمها للنظام الرواندي السابق وتجاهلها مؤشرات التحضير للمجازر.

وقد شكل اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى كيغالي عام 2021، بأن فرنسا لم تسمع صوت الضحايا نقطة تحول مهمة في مسار المصالحة بين البلدين.

لذلك إعادة تحريك ملف أغات هابياريمانا، يحمل أيضًا أبعادًا سياسية تتجاوز المسار القضائي البحت، في محاولة لإثبات جدية فرنسا في التعامل مع إرث الإبادة.

هل تتحول القضية إلى محاكمة تاريخية؟

رغم إعادة فتح التحقيق، فإن الطريق لا يزال طويلًا أمام إحالة القضية إلى المحاكمة،  خاصة مع تعقيد الملفات المرتبطة بجرائم الإبادة الجماعية، وصعوبة جمع الأدلة بعد مرور أكثر من 30 عامًا على الأحداث.

ولكن هذا القرار يفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة، أبرزها “توجيه اتهامات رسمية مباشرة لها، استدعاء شهود ومسؤولين سابقين، إعادة فحص وثائق استخباراتية فرنسية ورواندية،  إمكانية إصدار قرار بإحالتها إلى محكمة جنائيةُ”.

ويُتوقع أن تثير القضية مجددًا نقاشًا واسعًا داخل فرنسا بشأن مسؤولية الدولة الفرنسية خلال أحداث رواندا، خاصة  أن الملف لا يزال حاضرًا بقوة في الذاكرة السياسية والحقوقية.

تعكس قضية “أغات هابياريمانا”، معضلة عالمية تتعلق بكيفية التعامل مع الجرائم الجماعية بعد مرور الزمن، فالإبادة الجماعية، وفق القانون الدولي لا تسقط بالتقادم/ ما يجعل ملاحقة المتورطين ممكنة حتى بعد عقود.

كما تؤكد القضية أن العدالة الدولية باتت أكثر ميلًا لملاحقة الشخصيات السياسية المرتبطة بالأنظمة المتهمة بارتكاب جرائم واسعة النطاق، حتى لو ظلت لسنوات بعيدة عن المحاسبة.