سمير صبري.. نجم أجاد التمثيل والغناء وفن الحوار

نهاد شعبان

في مثل هذا اليوم، قبل أربع سنوات، غاب الجسد وبقي الصوت والضحكة والحكايات، رحل سمير صبري، لكن صورته لم تغادر ذاكرة الملايين، ذلك الفنان الذي لم يكن مجرد ممثل أو مذيع أو مطرب، بل حالة إنسانية كاملة متعددة المواهب صنعت لنفسها مكانا خاصا بين الناس، بالموهبة وخفة الظل والوفاء النادر، فكان من هؤلاء الفنانين الذين يدخلون البيوت بلا استئذان، ليس فقط عبر الشاشة، وإنما عبر إحساس عميق بالألفة، حين يظهر تشعر أن هناك صديقا قديما يجلس معك، يحكي ويغني ويضحك، ويعرف كيف يصنع من التفاصيل الصغيرة لحظة لا تُنسى، لذلك لم يكن رحيله في 20 مايو 2022 مجرد خبر حزين عن وفاة فنان كبير، بل كأن زمنا كاملا يغادر، تاركا خلفه فراغا لا يملؤه أحد.

وُلد سمير صبري في الإسكندرية يوم 27 ديسمبر 1936، المدينة التي منحت أبناءها دائما شيئا من الرقة والانفتاح والروح المختلفة، درس في “فيكتوريا كوليدج”، وهناك تشكل وعيه الثقافي واللغوي، قبل أن ينتقل إلى القاهرة محملا بحلم الفن والإعلام، لم يبدأ رحلته ممثلا كما يتصور البعض، بل انطلق أولا عبر الإذاعة الإنجليزية، مستفيدا من إجادته للغة الإنجليزية، ليكشف مبكرا عن شخصية استثنائية لفنان يعرف قيمة الثقافة بقدر ما يعرف قيمة الموهبة، وهو ما منحه لاحقا حضورا مختلفا وسط أبناء جيله.

مذيع يعرف كيف يصنع الحكاية
مع انتقاله إلى شاشة التليفزيون، كان واضحا أن الكاميرا وجدت ابنها المدلل، حيث امتلك حضورا خفيفا وأنيقا، وقدرة نادرة على إدارة الحوار دون افتعال أو استعراض، في برنامجه الشهير “النادي الدولي”، لم يكن مجرد مقدم برامج، بل مضيفا يعرف كيف يجعل ضيوفه يتحدثون بأريحية ومحبة، لذلك نجح في الاقتراب من كبار النجوم والمشاهير، واستطاع أن يقدم حوارات بقيت في ذاكرة الجمهور لسنوات طويلة، حيث استضاف محمد عبدالوهاب، وأم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، وسعاد حسني، وغيرهم من رموز الفن والسياسة والمجتمع، كما حقق سبقا مهما عندما أصبح أول إعلامي يجري حوارا مع السلطان قابوس بن سعيد.

وتميز سمير صبري بأسلوب مختلف في تقديم البرامج، حيث جمع بين الثقافة وخفة الظل والقدرة على الإنصات الحقيقي، ولم يكن يعتمد على وسامته، بل على ذكائه الإنساني وقدرته على كسب ثقة ضيوفه، لذلك خرجت لقاءاته دائما قريبة من الناس، مليئة بالتفاصيل والعفوية والدفء، ومع مرور السنوات، أصبح واحدا من أهم رواد البرامج الحوارية الفنية في مصر والعالم العربي، ونجح في تكوين مدرسة خاصة به، جعلت اسمه مرتبطا بفن الحوار الراقي.

فنان متعدد الوجوه
في السينما، كان سمير صبري فنانا متعدد الوجوه، يستطيع أن ينتقل بسهولة بين الكوميديا والرومانسية والتراجيديا دون أن يفقد صدقه أو حضوره، شارك في أكثر من 130 فيلما سينمائيا، وترك بصمة واضحة في أعمال متنوعة مثل البحث عن فضيحة، وشباب مجنون جدا، والجلسة سرية، وجحيم تحت الماء، وبالوالدين إحسانا، وكان يملك قدرة خاصة على أن يبدو قريبا من الجمهور، فلا يتعامل مع النجومية باعتبارها مسافة، بل باعتبارها جسرا للمحبة، ولهذا ظل حاضرا في وجدان الناس حتى مع تغير الأجيال.

وفي الدراما التليفزيونية، حافظ على حضوره لسنوات طويلة، وشارك في أعمال مهمة مثل حضرة المتهم أبي، وقضية رأي عام، وأم كلثوم، قبل أن يسجل ظهوره الأخير في مسلسل فلانتينو مع عادل إمام، وحتى في سنواته الأخيرة، ظل محتفظا بنفس الروح المرحة والحيوية، وكأنه يرفض أن يغادر عالم الفن أو يبتعد عن جمهوره.

الغناء والاستعراض.. موهبة لا تتكرر
لم يتوقف شغف سمير صبري عند التمثيل والتقديم، بل أحب الغناء والاستعراض بنفس الحماس، امتلك روح الفنان الشامل، القادر على أن يغني ويرقص ويحاور ويمثل في الوقت نفسه، دون أن يبدو الأمر مفتعلا، وما زال الجمهور يتذكر أغنية “إللي شافونا حسدونا” من فيلم “البحث عن فضيحة”، كما يتذكر حضوره المرح في الفوازير والاستعراضات، خاصة “إحنا فين” و”مشاهير الدلتا”، وكان جزءًا من زمن الفن الجميل، حين كانت البهجة تُصنع ببساطة بعيدا عن المبالغة.

تميز أيضا بحبه الشديد للتجديد، فاهتم بتعريب الأغاني الأجنبية، وأنتج لنفسه ألبومات غنائية، في محاولة دائمة للبحث عن أشكال مختلفة من الفن، فلم يكن فنانا تقليديا يخشى التجربة، بل كان عاشقا للحياة بكل تفاصيلها، وهو ما انعكس على شخصيته وأعماله وعلاقته بالجمهور.

قلب لا يعرف التخلي
وراء صورة الفنان الشامل، كان هناك إنسان شديد الوفاء، عرف الوسط الفني سمير صبري باعتباره “صاحب الواجب”، الفنان الذي لا يتأخر عن صديق في أزمة، ولا يغيب عن مريض أو حزين، ومن أكثر المواقف التي كشفت إنسانيته، دعمه الكبير للفنانة سعاد حسني خلال فترة علاجها في لندن، وحرصه على زيارتها باستمرار، ثم دفاعه عنها بعد رحيلها عبر سلسلة “لغز رحيل السندريلا”، ما يدل على مدى إخلاصه لصديقة عمره ورغبته في كشف الحقيقة.

كما كشف نور الشريف في أحد اللقاءات أن سمير صبري كان الفنان الوحيد الذي تواصل معه حين تعرض لهجوم عنيف بعد فيلم ناجي العلي، في موقف اختصر شخصية الرجل الذي لم يكن يتخلى عن أصدقائه وقت الأزمات، فكان يؤمن أن العلاقات الإنسانية أهم من الحسابات والمكاسب، لذلك ظل محبوبا من الجميع، ليس فقط كفنان، وإنما كإنسان أيضا.

كتاب حكايات العمر كله
في سنواته الأخيرة، ظهر سمير صبري كأنه يسابق الزمن لتوثيق ذاكرة الفن المصري، فأصدر كتابه “حكايات العمر كله”، مستعيدا خلاله عشرات المواقف والأسرار التي عاشها وسط كبار الفنانين والسياسيين، لم يكتب باعتباره شاهدا على العصر فقط، بل باعتباره عاشقا لذاكرة بلد كامل، خائفا من ضياع التفاصيل الجميلة، ورغم مرور أربع سنوات على رحيله، ما زال حضوره حيا في وجدان جمهوره، وما زالت ضحكته قادرة على صناعة البهجة، وما زالت حكاياته تمنح الناس شعورا بالدفء والحنين، وربما لهذا السبب، لا يبدو سمير صبري كفنان رحل، بل كأحد آخر أبناء الزمن الأنيق، الذين عرفوا كيف يجعلون الفن أقرب إلى الناس.