بحضور كتاب ونقاد.. الأعلى للثقافة يفتح النقاش حول السريالية من التشكيل إلى السرد

استضاف المجلس الأعلى للثقافة الأربعاء، ندوة بعنوان “السريالية من التشكيل إلى السرد رؤى في نصوص سردية مصرية”، والتي نظمتها لجنة السرد الروائي والقصصي بالمجلس، في إطار أنشطة المجلس الهادفة إلى فتح مساحات نقدية وفكرية حول التحولات الجمالية في الأدب والفنون.

أدار الندوة الروائي دكتور محمد إبراهيم طه، مقرر لجنة السرد الروائي والقصصي، بمشاركة نخبة من النقاد والمبدعين والفنانين، من بينهم دكتور سامي سليمان، أستاذ بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة وعضو اللجنة، والأستاذ شوقي بدر يوسف، الناقد الأدبي وعضو اللجنة، والكاتبة صفاء النجار، والكاتبة الروائية والتشكيلية غادة كامل، د والفنان التشكيلي الدكتور هشام الفخراني.

وتناولت الندوة تاريخ السريالية في النصوص الأدبية العالمية والمصرية، متتبعة جذور الفنون السريالية منذ إرهاصاتها الأولى، وصولا إلى تشكل المصطلح في وجدان الثقافة الحديثة، وارتباطه بحركات التحرر الأدبي والفني التي تبنت السريالية بوصفها شكلا من أشكال التمرد على القوالب التقليدية، وكسرا للأنماط الجاهزة في التعبير والإبداع.

كما ناقش المشاركون العلاقة بين السريالية بوصفها اتجاها تشكيليا وفلسفيا، وبين حضورها في النصوص السردية، خاصة في الأدب المصري، من خلال استدعاء عوالم الحلم واللاوعي والغرائبية، وتفكيك البنية الواقعية المباشرة لصالح رؤى أكثر انفتاحًا على الخيال والرمز والتأويل.

وتناول الدكتور سامي سليمان تجربة الكاتب محمد حافظ رجب، بوصفه أحد أهم رواد التجديد في القصة القصيرة المصرية، وأحد الأصوات التي كسرت المألوف في الكتابة السردية، من خلال توظيف الرمزية والانفتاح على عوالم غرائبية وسريالية، بما أسهم في تطوير شكل القصة القصيرة وفتحها على آفاق فنية وجمالية جديدة.
وخلال الندوة، قرأت الكاتبة والفنانة التشكيلية غادة كامل جزءًا من مجموعتها المتتالية القصصية “الرجل الذي أكل الساعة”، والتي تنتمي إلى الأدب السريالي، بما عكس حضور السريالية في التجربة السردية المعاصرة، وقدرتها على إنتاج عوالم غرائبية تتجاوز المنطق التقليدي للواقع والزمن.

من جانبها، أشارت الكاتبة الروائية صفاء النجار إلى أن الأديب العالمي نجيب محفوظ قدّم عددًا من الأعمال التي يمكن قراءتها ضمن أفق الأدب السريالي، أو بوصفها نصوصًا تنفتح على تقنيات الحلم والرمز والغرائبية، مؤكدة أن تجربة محفوظ لا تقتصر على الواقعية الاجتماعية وحدها، بل تمتد إلى مساحات أكثر تعقيدًا في بناء العوالم السردية.

كما ضرب الناقد الأدبي شوقي بدر يوسف، عضو اللجنة، أمثلة على الأدب السريالي والصور الشاعرية البصرية التي ينتجها المشهد في النص السردي السريالي، موضحا أن بعض العناصر قد تبدو غير مترابطة في ظاهرها، لكنها تحمل ترابطا داخليا في بنية النص وعالمه، بحيث يصبح الغريب أو العجيب جزءًا طبيعيًا من منطق السرد، لا يثير التساؤل أو الاستغراب داخل العالم الفني للنص.

واستشهد بدر يوسف بقصة “الكرة ورأس الرجل”، التي تحكي عن رجل بلا رأس يطلب من شرطي أن يبحث معه عن رأسه؛ فمن اللحظة الأولى لا يستغرب الرجل كونه بلا رأس، ولا يندهش الشرطي من طلبه، وهو ما يعكس أحد المنابع الأساسية في الكتابة السردية السريالية، حيث يمتلك عالم كل شخصية، مهما بدا بسيطًا، منطقه الخاص الذي يسمح بحضور العجيب وغير المألوف بوصفه جمالًا تلقائيًا داخل النص.

وأكد المتحدثون أن السريالية لم تكن مجرد مدرسة فنية عابرة، بل مثلت تحولا عميقا في النظر إلى العالم والإنسان واللغة، حيث منحت المبدع حرية أوسع في تجاوز المنطق المألوف، واستكشاف مناطق خفية في النفس والذاكرة والواقع، وهو ما انعكس بوضوح في عدد من التجارب السردية المصرية التي انفتحت على تقنيات الحلم، والمفارقة، والتداعي الحر، وتداخل الأزمنة.

وشهدت الندوة حواراً ثريا حول أثر السريالية في تطور النص السردي، ومدى قدرتها على إعادة تشكيل العلاقة بين الفن والأدب، وبين الصورة والكلمة، بما يفتح المجال أمام قراءات نقدية جديدة للنصوص المصرية المعاصرة.