نهاد شعبان

لم يعد التغير المناخي قضية بيئية بعيدة عن الحياة اليومية، بل أصبح عاملا مباشرا يؤثر على الغذاء الذي يصل إلى موائد البشر حول العالم، فمع ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة موجات الجفاف والفيضانات، بدأت دراسات علمية حديثة تحذر من تراجع إنتاج المحاصيل الأساسية التي يعتمد عليها ملايين البشر، الأمر الذي يضع الأمن الغذائي العالمي أمام صعوبات عديدة، حيث كشفت أبحاث بيئية حديثة أن التغير المناخي يؤدي إلى انخفاض إنتاج بعض المحاصيل الزراعية المهمة مثل القمح والذرة والأرز وفول الصويا، نتيجة الحرارة الشديدة ونقص المياه وتغير أنماط الأمطار.
وتُعرف منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الأمن الغذائي” بأنه قدرة جميع الأفراد على الحصول المستمر على غذاء كاف وآمن ومغذ، لكن هذا المفهوم أصبح أكثر هشاشة مع زيادة الظواهر المناخية القاسية خلال السنوات الأخيرة.

الحرارة المرتفعة تقلل إنتاج المحاصيل
أظهرت دراسة علمية بعنوان “تأثيرات التغير المناخي على إنتاج المحاصيل: مراجعة للنتائج التجريبية والنماذج الإحصائية وطرق التعلم الآلي”، نُشرت عام 2024 في مجلة Environmental Modelling Software التابعة لـ ScienceDirect، أن ارتفاع الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة فقط قد يؤدي إلى انخفاض متوسط إنتاج الذرة عالميا بنسبة 7.5%، والقمح بنسبة 6%، وفول الصويا بنسبة 6.8%.
ويرجع ذلك إلى أن النباتات الزراعية تحتاج إلى درجات حرارة محددة للنمو والإزهار وإنتاج الحبوب، وعندما تتجاوز الحرارة الحدود الطبيعية، تتأثر عملية التمثيل الضوئي، وتزداد معدلات تبخر المياه من التربة، ما يؤدي إلى ضعف المحصول.
كما أوضحت دراسة منشورة في مجلة “Nature Communications” أن موجات الحرارة اليومية الحادة تؤثر بشكل غير خطي على إنتاجية المحاصيل الزراعية، وأن التغيرات الحرارية المفاجئة أصبحت أكثر خطورة على الزراعة الحديثة، ولا يقتصر التأثير على المحاصيل فقط، بل يمتد أيضا إلى العمال الزراعيين أنفسهم، فالتقارير الدولية الحديثة تشير إلى أن العمل الزراعي أصبح أكثر صعوبة في ظل موجات الحر الطويلة، خاصة في الدول النامية والمناطق الجافة.

الجفاف ونقص المياه
إلى جانب الحرارة، يمثل نقص المياه تحديا كبيرا للزراعة العالمية، فاكثير من المناطق الزراعية تعتمد على الأمطار أو مصادر مياه مهددة بالتراجع بسبب التغير المناخي، حيث كشفت دراسة منشورة في مجلة “Scientific Reports” عام 2024 أن الإجهاد الحراري والمائي قد يؤديان إلى انخفاض ملحوظ في الإنتاج الغذائي العالمي بحلول عام 2050، مع زيادة احتمالات انعدام الأمن الغذائي في العديد من الدول.
واعتمدت الدراسة على بيانات من 141 دولة ومنطقة حول العالم، وأشارت إلى أن تراجع الموارد المائية أصبح عاملا رئيسيا في تهديد الزراعة، خصوصا في المناطق التي تعاني أصلا من الجفاف وندرة المياه، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبدو الأزمة أكثر تعقيدا، حيث تعد المنطقة من أكثر مناطق العالم جفافا، كما تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء من الخارج، ما يجعلها أكثر تأثرا بتقلبات الإنتاج العالمي.

الفيضانات والطقس المتقلب
التغير المناخي لا يعني فقط ارتفاع الحرارة، بل أيضا زيادة الظواهر الجوية العنيفة، فقد شهد العالم خلال الأعوام الأخيرة فيضانات غير مسبوقة، وعواصف شديدة، وأمطارا غزيرة أتلفت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وحذرت دراسة منشورة في مجلة “Nature Sustainability” من أن الفيضانات الشديدة أصبحت تمثل تهديدا متزايدا للمحاصيل الزراعية حول العالم، خاصة مع ارتفاع وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة، وفي عام 2024، شهدت عدة دول خسائر زراعية ضخمة بسبب اضطرابات الطقس، حيث تراجعت بعض المحاصيل في أوروبا وأمريكا الجنوبية وإفريقيا نتيجة موجات الجفاف أو الأمطار غير المعتادة.

تهديد التنوع الزراعي
ومن المخاطر التي تحذر منها الأبحاث الحديثة أيضا تراجع التنوع الزراعي العالمي، فمع تغير الظروف المناخية، قد تصبح بعض المناطق غير مناسبة لزراعة محاصيل معينة كانت تنجح فيها لعقود طويلة، حيث أشار تقرير نشرته منظمة الأغذية والزراعة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي إلى خروج نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية في المناطق منخفضة العرض من “النطاق المناخي المناسب” لعدد من المحاصيل الغذائية الأساسية، كما أوضح التقرير أن التنوع المحتمل للمحاصيل قد ينخفض في أكثر من نصف الأراضي الزراعية عالميا إذا استمرت درجات الحرارة في الارتفاع.
ويعد التنوع الزراعي عنصرا أساسيا في الأمن الغذائي، لأنه يتيح للمجتمعات الاعتماد على أنواع متعددة من الغذاء ويقلل مخاطر فقدان المحاصيل بالكامل عند حدوث كوارث مناخية.

هل تواجه مصر الخطر نفسه؟
رغم أن معظم الدراسات عالمية، فإن تأثيراتها تنعكس بشكل واضح على مصر أيضا، خاصة مع الاعتماد المباشر على الزراعة في مناطق محدودة حول نهر النيل والدلتا، وتواجه الزراعة في مصر صعوبات كثيرة بسبب ارتفاع الحرارة، وتراجع جودة التربة في بعض المناطق، وارتفاع ملوحة الأراضي، بالإضافة إلى الضغوط المتعلقة بالمياه.
كما أن ارتفاع أسعار الغذاء عالميا نتيجة اضطرابات الإنتاج الزراعي قد يؤثر بشكل مباشر على السوق المصرية، باعتبارها من أكبر مستوردي القمح في العالم، ولكن رغم الصورة المقلقة، تؤكد الدراسات أن هناك حلولا يمكن أن تخفف من آثار التغير المناخي على الأمن الغذائي، فبعض الأبحاث تشير إلى أن الزراعة المستدامة وتحسين إدارة التربة يمكن أن يساعدا في زيادة مقاومة المحاصيل للحرارة والجفاف، كما أن تطوير أصناف زراعية مقاومة للحرارة، وتوسيع نظم الري الحديثة، وتقليل هدر الغذاء، تعد من أهم وسائل التكيف مع الأزمة المناخية، وتعمل عدة دول حاليًا على استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمحاصيل وإدارة الموارد الزراعية بكفاءة أكبر، في محاولة لحماية الإنتاج الغذائي من التقلبات المناخية المستقبلية.



